أعظم لحظة في حياتك
أعظم لحظة في حياتك
المحتوي
أعظم لحظة في حياتك
فَضِيلَةِ الشَّيْخِ
أَبِي عَبْدِ اللَّهِ صَلَاحٍ بْنِ مُحَمَّدٍ غَانِمٍ
(رحمه الله)
إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّه مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
• أمَّا بَعْدُ:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران102]
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [ النساء1]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا 70 يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب71]
فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
• أَمَّا بَعْدُ:
فالناس قسمان ( قسم كلهم خير, وقسم كلهم شر)
والخير يتفاوت والشر يتفاوت, وبيّن النبي صلى الله عليه وسلم صفات خيار الناس وصفات شرارهم.
وقد سُئل النبي ﷺ عن ذلك, فعن عبد الله بن عمرو بن العاص "رضي الله عنهما " قال: « قلنا يا نبي الله من خير الناس؟, قال: ذو القلب المخموم واللسان الصادق, قال: يا نبي الله قد عرفنا اللسان الصادق فما القلب المخموم ؟, قال: النقي التقي الذي لا إثم فيه ولا بغى ولا حسد ,قلنا: يا رسول الله فمن على أثره , قال: الذي يشنأ الدنيا ويحب الآخرة, قلنا ما نعرف هذا فينا إلا رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن على أثره, قال: مؤمن في خُلق حسن, قلنا: أما هذه ففينا».
بيّن النبي صلى الله عليه وسلم مراتب الناس, خير الناس ذو القلب المخموم واللسان الصادق.
اللسان الصادق: هو الذي لا يتكلم إلا حقا ,لا يتكلم إلا صدقا.
وأما صاحب القلب المخموم: فهو النقي التقي الذي لا إثم فيه ولا بغى ولا حسد ( نقي ) صفحة قلبه بيضاء ليس فيها شئ, ليس فيها شئ من الخبث ولا شئ الدغل ,النقي التقي الذي لا إثم فيه ولا بغي ولا حسد.
فينبغي على المرء من أجل أن يسعى أن يكون من خير الناس !! أن يُطهر قلبه, أن يُنقيه, أن يُصفيه, أن يُحليه, أن يُجليه.......
فأعظم ما تملك هو قلبك, قلبك هو أعظم ما تملك في هذه الحياة فلا تفرط فيه, اجتهد على النظر فيه, أخرج منه دنياك, أخرج منه هواك, أخرج منه تلك الأمور البالية, واجعل فيه ما ينبغي أن يكون فيه مما يحبه الله رب العالمين.
قال فمن على أثره قال: الذي يشنأ الدنيا ويحب الآخرة, حب الدنيا كبيرة من الكبائر, حب الدنيا ذميمة ,حب الدنيا سبب كل شر وهي في المنتهى لا تساوي شئ.
ما دنيا الناس !!!
أكلة تُؤكل ,وملبس يُلبس , ومنكح يُنكح , ومركب يُركب ,ومسكن يُسكن هذا كله على البدن, أما الذي له قيمه فهو الذي يكون على الروح, والدنيا وما فيها لا تساوي عند الله جناح بعوضة حتى يبيع الإنسان نفسه بل هي سبب فساد النفس , يقول الله عز وجل ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ 14 وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ ﴾ [الأعلى15],هذا هو طريق الفلاح , لماذا لا نفلح؟
﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾ الذي يجعلكم لا تفلحون أنكم تؤثرون الحياة الدنيا ﴿ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾, ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ 14 وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ ﴾[الأعلى15] هذا هو سبيل الفلاح , ما الذي يجعل الناس لا يسيرون في هذا الطريق؟ ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾ لا تسعون إلى تزكية نفس, ولا تسعون إلى ذكر رب بل تسعون إلى إيثار الحياة الدنيا.
يأخذ الناس صور فارغة : صورة المرأة, وصورة المسكن, وصورة الملبس, وصورة المنكح, وصورة المسكن( صور فارغة إنما تمر على العين), فإذا ما مرت ذهب أثرها وبقي شؤمها ووبالها.
وأما ما يسكن في القلب فهو معك, معك في قيامك, معك في منامك, معك في حركة حياتك, معك ولو كان ثوبك باليًا, ولو كانت امرأتك ذميمة, سعادتك في قلبك ولو كان مسكنك يشنأه الناس, سعادتك في قلبك, سعادتك وأنت هادئ في منامك, سعادتك وأنت تتحرك بين الأنام .
الذي يستقر في القلب هو الذي يبقى, هو الذي يكون في الأمور المحسوسة هذا يزول بزوال النظر إليه.
تمر على الرجل تجده يُحسّن من بيته ويزخرفه......
هل ينام عليه؟ هل ينام على تلك الزخرفة التي هي على دار بيته؟
هل يأكل منها ؟؟ هل يشرب منها؟؟
هل يقف أمامها ليل نهار ينظر إليها؟ هو لا يزينها لنفسه إنما يزينها للناظرين , أي سفه هذا !! أي خبل هذا !!
تُضيع مالك من أجل نظر الناس, تُضيع عمرك من أجل نظر الناس!! هذا ما ترتب عليه حب الدنيا ,حب الدنيا يجعل المرء يبيع نفسه لا لشيء وإنما من أجل أن يُنظر إليه, ﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ﴾[القصص79] يريد أن يراهم في هذه الزينة فماذا آل به؟ وماذا أودت به هذه الرغبة؟
﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾[القصص81] ,فمن على أثره قال: (الذي يشنأ الدنيا ويحب الآخرة).
حب الآخرة أن تحرص على ساعة قبض روحك كيف ستُقبض؟ وعلى أي عمل ستُقبض؟ وما الذي سيكون بعد القبض؟
ألا تعيش ذلك إنها ( أعظم لحظة في حياتك ), حياتك كلها لا تساوي شئ بجانب هذا اليوم الذي تصير فيه إلى الرب تبارك وتعالى.
في يوم حقيقتك فيه, قيمتك فيه ,قدرك فيه, أنت في دنياك يعرفك عشر أو عشرون أو ثلاثون أو مائة أو ألف هذا قدر من يعرفك !!
فإذا نظرت فيمن يحبك لا يُعد على أصابع اليد الواحدة, ولكن انظر إليك يوم موتك يوم تنزل إليك ملائكة الله رب العالمين في أحسن صورة, في أزهى طريقة ينزلون إليك بأفضل كلام, إليك أنت, ينزل إليك ملك الموت ملك من كبار الملائكة ينزل إليك بملائكة تُعاونه, ينزلون عليك بيض الوجوه يقفون عند رأسك يُبشرونك !!
يقفون عند رأسك يذكرون ما فيه مما كنت لا تعلمه عن نفسك !!
يا أيتها النفس الطيبة في الجسد الطيب اخرجي إلى روح وريحان ورب راض غير غضبان ........
أنا نفسي طيبة !!!
أنا جسدي طيب !!!
أنا ربي راض عني !!!
هذا أعظم ما تُبشر به.
لأننا نعمل في الحياة ولا ندري أيُقبل عملنا أو يُرد علينا !!
أيرضى الله عنا تبارك وتعالى أم يسخط علينا؟؟
أنحن من الطيبين أم نحن من الخبيثين ؟؟
أم نحن من المرائين أم نحن من المسمعين, أم نحن من المخلصين.
نعيش على وجل لا نطمئن إلى عمل ولا نطمئن إلى أثر حتى يأتي هذا اليوم الذي يزول فيه خوفك ويزول فيه قلقك ويزول فيه شكك, وترى اليقين الذي لا شك فيه.
خلق لم تكن تراهم قبل ذلك ولم تعهدهم قبل ذلك ,تراهم بعين بصيرتك ولكن في ذلك اليوم تراهم بعين بصرك, يُسلمون عليك (سلام عليكم) يقتربون منك يُحدثونك, يترفقون بك, هذا أعظم يوم حينما تصعد الروح إلى السماء تخرج من ذلك الجسد من ذلك الحيز الضيق إلى السماء الواسعة, فتصعد فتمر بملائكة لا يعلم عددها إلا الله, تنادي عليك باسمك واسم أبيك, تُذكرك بأفعالك, تُذكرك بأقوالك, تُذكرك بأحوالك, يسئلون الله رب العالمين أن يُعرج بروحك من قِبلهم ,هذا كله في السماء الدنيا, فإذا ما بلغت روحك إلى السماء الثانية......
استقبلك أفضل ملائكة السماء الأولى ليس أي ملائكة تستقبلك ,وإنما يستقبلك أفضل ملائكة السماء الأولى.....
يستقبلونك استقبال لا أقول استقبال الفاتحين ولا أقول السلاطين, ولكن يستقبلونك استقبال أولياء الله رب العالمين, فتُكرم بسلام الملائكة وبَشاشَتهم وطيب لُقياهم, ثم لا يزالون يعرجون بك إلى السماء الثانية حتى يستقبلك أفضل ملائكة السماء الثانية.....
وهكذا إلى السماء السابعة حتى تصل إلى الله رب العالمين, فتقول الملائكة: يارب هذه روح عبدك فلان ابن فلان بأحب اسمائه التي كان يُسمى بها في الدنيا.......
فيتكلم الملك ذو الجلال والإكرام وأنت تسمع ذلك : «اجعلوا روح عبدي في عليين », فيجعلون روحك في عليين !!
فإذا ما نظرت إلى مقعدك في جنتك ودار كرامتك
قال الله عز وجل:«أعيدوه إلى الأرض»
هذا اليوم كيف تنساه !!
هذا اليوم كيف لا تعمل له !!
هذا اليوم كيف لا تحلم به !!
هذا اليوم لما لا تبذل من أجله !! ,تبذل عمرك كله ....
تبذل مالك كله ......
تبذل وقتك كله ......
تبذل جهدك كله من أجل أن تكون في هذا اليوم على هذه الشاكلة,
وإلا (فالأمر خطير) .
الأمر أسوأ يوم, أكرب يوم, أحرج يوم يمر على الأبعد حينما تنزل عليه ملائكة الغضب, ملائكة السخط, ملائكة العذاب, ينزلون إليك سود الوجوه معهم أكفان من أكفان النار وحنوط من حنوط النار.....
يقتربون منه يُفزعونه يُخيفونه يُرعبونه فيقولون :"يا أيتها الروح الخبيثة في الجسد الخبيث!! اخرجي إلى سخط من الله وغضب, فتغرق في الجسد لا تُريد أن تخرج فتُنتزع كما يُنتزع الشوك من الصوف المبلول,كما يُنتزع السفود من الصوف المبلول, فتخرج مُتقطعة ,أصابها من الألم ما أصابها.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم في أمر شدة العذاب وشدة قبض الروح : لولا أن الملائكة تُمسك به لوجِدَ على أعالي الجبال أو في الفلوات من شدة ما يجد من ألم نزع الروح.........
من الذي ينسى ذلك اليوم !!
من الذي يغيب عن خاطره هذا اليوم إلا محب للدنيا!!
وأما الراغب في الآخرة فلا ينساه, بل دائمًا وأبدًا يُذكِر نفسه لأنه في لحظة خاطفة سيُعاني ذلك ,كبيرًا كان أو صغيرًا, صحيحًا كان أو مريضًا ,ينزل الموت بشدته ينزل الموت بسكرته على المرء فيأخذه.
يقول عبد الله بن عمرو "رضي الله عنه":« فمن على أثره » يعني من بعده في الخير, فقال النبي صلى الله عليه وسلم:« مؤمن في خُلق حسن».
مؤمن يحقق أركان الإيمان, ويتخلق بأخلاق المؤمنين.
.« قلنا:« أما هذه ففينا
....... فيا عبد الله هذه مراتب الناس
وبعد قليل بعد ساعات تخرج إلى الناس تنسى ما كنت فيه يأخذك الناس, إما أن تأخذهم أنت أو يأخذونك, إما أن تُغيرهم أنت أو يغيرونك, إما أن تُصلحهم أنت أو يفسدونك, ولكن تبقى الحقائق ,تبقى حقيقتك فاعلة, تبقى حقيقتك مؤثرة, تبقى حقيقتك منفعلة, تبقى حقيقتك متأثرة, فلا بد أن تكون !!
أن تكون واحداً من هؤلاء, أن تكون صاحب قلب مخموم ولسان صدوق, فإن لم تقوى على هذه فكن ممن يشنأ الدنيا ويحب الآخرة, فإن لم تكن هذه فكن مؤمنًا صاحب خلق حسن, فإن لم تكن كذلك.... فنسأل الله العافية.
ينزل المرء إلى النفاق نفاق القول, ونفاق الفعل, ونفاق العمل, نفاق أصغر, ونفاق أكبر, خلق سيئ, «إذا حدّث كذب, وإذا وعد أخلف, وإذا أؤتمن خان, وإذا خاصم فجر, وإذا عاهد غدر».
فنسأل الله –عز وجل- أن يجعل الدنيا في أيدينا ولا يجعلها في قلوبنا وأن يُحسن لنا الخواتيم ,وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم
تفاصيل المقال
الزيارات
12 مشاهدة
تاريخ الإضافة
الأربعاء 1448/02/29 1448/صفر/28