قد أفلح من زكاها - مؤلفات الشيخ

فضيلة الشيخ صلاح غانم · 13 مشاهدة

قد أفلح من زكاها

قد أفلح من زكاها

المحتوي

قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا الْمُقَدِّمَةُ إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ . ﴿ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﴾ [سورة آل عمران: 102]. ﴿ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﴾ [سورة النساء: 1]. ﴿ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﴾ [سورة الأحزاب: 70- 71]. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. أَمَّا بَعْدُ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (١) فَفَرْقٌ كَبِيرٌ بَيْنَ: الِاسْمِ وَالْمُسَمَّى، وَالصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ، وَالدَّعْوَةِ وَالدَّاعِي إِلَيْهَا. فَمَا أَيْسَرَ أَنْ يَتَسَمَّى الْمَرْءُ بِأَحْسَنِ الْأَسْمَاءِ، وَأَنْ يَدَّعِيَ الِاتِّصَافَ بِأَكْمَلِ الصِّفَاتِ، وَأَنْ يَدَّعِيَ أَشْرَفَ الدَّعَاوَى! وَلَكِنْ؛ لِكُلِّ شَيْءٍ عَلَامَةٌ وَدَلِيلٌ، وَحُجَّةٌ وَبُرْهَانٌ، وَشَاهِدٌ وَبَيَانٌ. وَالَّذِي يَنْظُرُ فِي شَأْنِ نَفْسِهِ وَحَقِيقَتِهَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْرِفَ أَيْنَ هُوَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ فَيُمْكِنُهُ بِسُهُولَةٍ مِنْ غَيْرِ مَا مُعَانَاةٍ وَلَا مَشَقَّةٍ أَنْ يَعْرِفَ حَقِيقَةَ نَفْسِهِ فِي اسْمِهِ وَمُسَمَّاهُ، وَوَصْفِهِ لِنَفْسِهِ وَمَوْصُوفِهِ، وَدَعْوَاهُ الَّتِي يَدْعُو إِلَيْهَا وَيَدَّعِيهَا، وَمَا الَّذِي أَرَادَ بِهَا؟ وَمَا الَّذِي أَرَادَ مِنْ وَرَائِهَا؟ وَاعْلَمْ أَنَّ رَبَّكَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي ذَلِكَ كُلِّهِ لَبِالْمِرْصَادِ! سَيَخْتَبِرُكَ وَيَمْتَحِنُكَ وَيَبْتَلِيكَ؛ لِيُطَهِّرَكَ وَيُزَكِّيَكَ أَوْ لِتَظْهَرَ بِحَقِيقَةِ نَفْسِكَ وَمَخَازِيكَ! وَعِنْدَ ذَلِكَ سَيَظْهَرُ الصَّادِقُ بِصِدْقِهِ وَإِيمَانِهِ وَإِخْلَاصِهِ، وَالْكَاذِبُ بِكَذِبِهِ وَنِفَاقِهِ وَرِيَائِهِ؛ حَيْثُ يُقِيمُ اللهُ عَلَى الْعَبْدِ شَوَاهِدَ مِنْ نَفْسِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَمَارَاتٍ وَعَلَامَاتٍ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى فِعْلِهِ، وَمِنْ فِعْلِهِ عَلَى قَوْلِهِ؛ فَإِمَّا: رِضًى وَرِضْوَانٌ، أَوْ سُخْطٌ وَنِيرَانٌ!! فَعَلَى كُلِّ امْرِئٍ أَنْ يَنْظُرَ أَوَّلًا -وَقَبْلَ أَيِّ شَيْءٍ- فِي اسْمِهِ وَمُسَمَّاهُ، وَكَمَا قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: «عَلَى الْمَرْءِ أَنْ يُحْسِنَ اسْمَ وَلَدِهِ»؛ فَكُلُّ إِنْسَانٍ لَهُ حَظٌّ مِنَ اسْمِهِ. فَيَا أَصْحَابَ الْأَسْمَاءِ الْحَسَنَةِ الْفَاضِلَةِ! أَيْنَ حَظُّكُمْ مِنْ أَسْمَائِكُمْ؟ وَيَا أَصْحَابَ الْأَوْصَافِ الْكَرِيمَةِ! أَيْنَ أَنْتُمْ مِنْ أَوْصَافِكُمْ؟ وَيَا أَصْحَابَ الدَّعَاوَى الشَّرِيفَةِ! أَيْنَ أَنْتُمْ مِنْ شَرَفِ مَا تَدَّعُونَ؟ أَلَا يَعْلَمُ هَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ مَسْؤُولُونَ؟! وَأَنَّهُمْ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِمْ مَوْقُوفُونَ؟! وَأَنَّهُمْ بِصِدْقِهِمْ مُنَعَّمُونَ، أَوْ بِكَذِبِهِمْ وَخِدَاعِهِمْ مُعَذَّبُونَ!! فَشَتَّانَ مَا بَيْنَ أَهْلِ الْحَقِّ الصَّادِقِينَ، وَأَهْلِ الْخِدَاعِ وَالْغِشِّ الْكَاذِبِينَ‼ وَبَيْنَ عِبَادِ الرَّحْمَنِ الْمُخْلِصِينَ، وَبَيْنَ عِبَادِ الشَّهَوَاتِ الْمُخَادِعِينَ‼ أَفِيقُوا عِبَادَ اللهِ! قَبْلَ مُكَاشَفَةِ الْكِتَابِ، وَمُوَاجَهَةِ الْحِسَابِ، وَمُعَايَنَةِ الْعِقَابِ، وَالْخِزْيِ الْأَكْبَرِ أَمَامَ الْأَهْلِ وَالْأَصْحَابِ. فَكَمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِمَّنْ تَسَمَّى: بِأَحْمَدَ أَوْ مُحَمَّدٍ أَوْ مَحْمُودٍ أَوْ مُحْسِنٍ أَوْ صَالِحٍ أَوْ صَلَاحٍ...؛ لَمْ تَأْتِ مَعَهُ مِنَ اسْمِهِ مَحَاسِنُهُ وَمَحَامِدُهُ، وَأَحْوَالُهُ الْفَاضِلَةُ وَأَعْمَالُهُ الصَّالِحَةُ، بَلْ رَافَقَتْهُ أَوْزَارُهُ وَآثَامُهُ، وَأَخْزَتْهُ أَمَامَ الْخَلْقِ أَقْوَالُهُ وَأَفْعَالُهُ، وَحَلَّ عَلَيْهِ مَقْتُ اللهِ وَغَضَبُهُ وَعِقَابُهُ وَانْتِقَامُهُ؛ لِانْتِحَالِهِ اسْمًا لَمْ يُحَقِّقْ فِي نَفْسِهِ مُسَمَّاهُ، وَلَمْ يُخْلِصْ فِي ذَلِكَ الِاسْمِ لِرَبِّهِ وَمَوْلَاهُ، وَإِنَّمَا اتَّبَعَ نَفْسَهُ الْأَمَّارَةَ بِالسُّوءِ، وَحَظَّهُ وَشَيْطَانَهُ وَهَوَاهُ؛ فَبَارَتْ سِلْعَتُهُ الرَّخِيصَةُ، وَانْكَشَفَتْ سَوْءَتُهُ الْمَقِيتَةُ، وَبَدَتْ أَمَامَ الْعَالَمِينَ خِسَّتُهُ وَحَقَارَتُهُ، وَانْحِطَاطُ هِمَّتِهِ وَعَمَى بَصِيرَتِهِ. فَأَيْنَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ اسْمُهُ وَنَسَبُهُ وَعِزُّهُ وَشَرَفُهُ؟!! صَارَ ذَلِكَ كُلُّهُ حُجَّةً عَلَيْهِ أَحْمَالًا وَأَوْزَارًا، ذُلًّا وَانْكِسَارًا، خِزْيًا وَعَارًا. وَسَيَنْدَمُ! وَلَكِنْ... لَاتَ حِينَ مَنْدَمٍ!! وَسَيَعْلَمُ قَدْرَ نَفْسِهِ، وَحَقَارَةَ مَطْلُوبِهِ فِي يَوْمٍ لَا يَنْفَعُ فِيهِ ذَلِكَ الْعِلْمُ، وَإِنَّمَا سَيَزْدَادُ بِهِ حَسْرَةً وَأَلَمًا، وَهَمًّا وَغَمًّا، وَسُوءًا وَخِزْيًا! وَسَيَعْرِفُ قِيمَةَ الَّذِي كَانَ يَرْجُو وَيَطْلُبُ، وَيَسْعَى إِلَى تَحْصِيلِهِ وَيَحْفِدُ! لَقَدْ صَارَ هَبَاءً مَنْثُورًا، وَعَمَلًا مَرْذُولًا، وَسَعْيًا مَمْقُوتًا! وَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ بِلِسَانٍ؛ يَكْسُو كَلِمَاتِهِ النَّدَمُ وَالْحَسْرَةُ، وَحَالُ قَائِلِهِ الذِّلَّةُ وَالْمَهَانَةُ: (يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا أَوْ نَسْيًا مَنْسِيًا!! يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا!! لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا!!). وَاأسَفَاهُ!! (يَا لَيْتَ...؟!). لَا تَرْوِي فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ غَلِيلًا، وَلَا تَشْفِي عَلِيلًا. وَإِنَّمَا تَصِيرُ حَسَراتٍ بَعْدَهَا حَسَرَاتٌ، وَآهَاتٍ بَعْدَهَا آهَاتٌ!! فَانْظُرُوا -يَرْعَاكُمُ اللهُ!- فِي تَطَابُقِ أَسْمَائِكُمْ مَعَ حَالِ مُسَمَّاكُمْ؛ لِتَعْرِفُوا مَثْوَاكُمْ، وَنَعِيمَكُمْ مِنْ جَحِيمِكِمْ، وَعِزَّكُمْ مِنْ ذُلِّكُمْ. وَيَا أَصْحَابَ الْهِمَمِ الْعَالِيَةِ وَالنُّفُوسِ الزَّاكِيَةِ! تَعَالَوْا بِنَا إِلَى تَطْهِيرِ قُلُوبِنَا، وَتَزْكِيَةِ نُفُوسِنَا، وَتَنْقِيَةِ ضَمَائِرِنَا، وَتَهْذِيبِ مَشَاعِرِنَا، وَالسُّمُوِّ بِأَرْوَاحِنَا؛ لِنَعْلُوَ بِهَا فَوْقَ شَهَوَاتِنَا، وَالِاهْتِمَامِ بِعُقُولِنَا؛ لِنَثْبُتَ بِالْعِلْمِ الصَّافِي أَمَامَ شُبُهَاتِ أَعْدَائِنَا. تَعَالَوْا لِتُعْلِنَ حَالُ مُسَمَّيَاتِنَا عَنْ صِدْقِ أَسْمَائِنَا، وَمَظَاهِرُنَا عَنْ جَوْهَرِ مُعْتَقَدِنَا، وَأَفْعَالُنَا عَنْ حَقِيقَةِ أَخْلَاقِنَا. فَهَذَا هُوَ سَبِيلُ فَلَاحِنَا، وَطَرِيقُ عِزِّنَا وَنَجَاتِنَا وَأَبْنَاؤُنَا وَإِخْوَانُنَا. فَاللَّهُمَّ! آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا، إِلَيْكَ يَرْجِعُ أَمْرُهَا وَمُنْتَهَاهَا. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ. * * * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٢) إِنَّ الْحَاجَةَ إِلَى تَزْكِيَةِ النَّفْسِ بِالْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ مَاسَّةٌ، أَشَدُّ مِنْ حَاجَةِ الْجَسَدِ إِلَى الرُّوحِ، وَحَاجَتِهِ إِلَى الْمَاءِ وَالْهَوَاءِ. فَلَا غِنًى لِلْمَرْءِ عَنْ تَزْكِيَةِ نَفْسِهِ فِي أُمُورِ حَيَاتِهِ كُلِّهَا؛ فِي: عَقِيدَتِهِ، وَعِبَادَاتِهِ، وَمُعَامَلَاتِهِ، وَأَخْلَاقِهِ، وَسُلُوكِهِ، وَهِيَ الْأَصْلُ وَالْأَسَاسُ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ بِنَاءُ شَخْصِيَّةِ الْمُسْلِمِ فِي دُنْيَا اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَكَمَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا -عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ-: «مَنْ رَامَ الوُصُولَ فَعَلَيْهِ بِالْأُصُولِ». وَتَزْكِيَةُ النَّفْسِ وَبِنَاؤُهَا عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ هُوَ أَصْلُ بِنَاءِ الْأُسَرِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ وَالْأُمَمِ.. وَفَاقِدُ الشَّيْءِ لَا يُعْطِيهِ، وَلَا يَسْتَقِيمُ الظِّلُّ وَالْعُودُ أَعْوَجُ! وَبِنَاءُ الْأُسْرَةِ وَالْقِيَامُ عَلَيْهَا رِعَايَةً وَتَرْبِيَةً؛ لَا يُتَوصَّلُ إِلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ بِنَاءِ تِلْكَ الشَّخْصِيَّةِ الْمُسْلِمَةِ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ بَدْءًا وَمُنْتهًى. وَمَا تَرَاهُ مِنْ: خَلَلٍ مُجْتَمَعِيٍّ، وَنِزَاعٍ دَعَوِيٍّ، وَفَسَادٍ خُلُقِيٍّ، وَتَصَارُعٍ عَالَمِيٍّ؛ إِنَّمَا هُوَ نَتِيجَةُ الْخَلَلِ الْكَائِنِ فِي تَزْكِيَةِ الْمُسْلِمِ لِنَفْسِهِ فِي أُسْرَتِهِ الْكَبِيرَةِ الَّتِي تَتَأَلَّفُ مِنَ: الْأَبِ وَالْأُمِّ، وَالْأَخِ وَالْأُخْتِ، وَالْأَعْمَامِ وَالْأَخْوَالِ، ثُمَّ فِي الْأُسْرَةِ الصَّغِيرَةِ الْمُكَوَّنَةِ مِنَ: الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ، وَالْوَلَدِ وَالْبِنْتِ، وَالْحَمْوِ لِكُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ، وَالَّذِي يُؤَثِّرُ بِالضَّرُورَةِ عَلَى الْمُجْتَمَعَاتِ الْكَبِيرَةِ. فَمِنْ هَذِهِ الْأُسْرَةِ الصَّغِيرَةِ يَخْرُجُ: الطَّالِبُ وَالْعَالِمُ، وَالْجُنْدِيُّ وَالْقَائِدُ، وَالْخَصْمُ وَالْقَاضِي، وَالْمَحْكُومُ وَالْحَاكِمُ، وَالْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ، وَالْعَظِيمُ وَالْحَقِيرُ، وَالطَّائِعُ وَالْعَاصِي. وَفِي حَالِ غِيَابِ الْقَائِمِينَ عَلَى تَزْكِيَةِ النَّفْسِ بِالْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَغِيَابِ أَهْلِهَا، وَالدَّاعِينَ إِلَيْهَا، وَتَفْرِيطِهِمْ فِي الْقِيَامِ بِدَوْرِهِمْ فِي تَأْسِيسِ هَذِهِ الْأُسْرَةِ الصَّغِيرَةِ فِي ذَوَاتِهِمْ أَوَّلًا، وَفِي الْأُسَرِ الْمُحِيطَةِ بِهِمْ ثَانِيًا؛ فَإِنَّكَ -بِالتَّبَعِيَّةِ الْمُبَاشِرَةِ- تَرَى فِي هَذَا الْمُجْتَمَعِ: جُسُومًا لَا أَرْوَاحَ فِيهَا!! وَأَقْوَالًا لَا مِصْدَاقِيَّةَ وَرَاءَهَا!! وَأَعْمَالًا لَا إِخْلَاصَ يُقِيمُهَا وَيَرْفَعُهَا!! فَتُصْبِحُ الْحَيَاةُ قَلِقَةً مُضْطَرِبَةً كَئِيبَةً، لَا يَسْعَدُ بِهَا الْمَرْءُ، وَلَا تَطْمَئِنُّ فِيهَا النَّفْسُ، وَلَا يَنْشَرِحُ بِأَحْوَالِ أَهْلِهَا الصَّدْرُ، وَلَا يَسْتَقِرُّ لِلْمَرْءِ فِيهَا قَرَارٌ، وَلَا يَهْدَأُ فِيهَا بَالٌ، وَلَا يَتَّضِحُ لَهُ فِيهَا طَرِيقٌ، وَلَا يَصِحُّ لَهُ فِيهَا صَاحِبٌ وَلَا صَدِيقٌ، وَلَا يُرْجَعُ عِنْدَ النَّوَازِلِ إِلَى عَالِمٍ ، وَلَا يُسْمَعُ وَيُطَاعُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ إِلَى حَاكِمٍ، وَتَتَصَارَعُ فِيهَا الْأَهْوَاءُ، وَتَتَخَالَفُ الْآرَاءُ. وَكُلُّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى: التَّخَلُّفِ عَنْ تَصْفِيَةِ النُّفُوسِ وَتَزْكِيَتِهَا مِنْ رُعُونَاتِهَا، وَالْقُلُوبِ مِنْ شَهَوَاتِهَا، وَالْعُقُولِ مِنْ شُبُهَاتِهَا، وَالْمُجْتَمَعَاتِ مِنْ فَسَادِ عَقَائِدِهَا، وَالْآرَاءِ مِنْ زُبَالَاتِ أَفْكَارِهَا وَتُرَّهَاتِهَا. فَمَا أَحْوَجَ الشَّابَّ الْمُسْلِمَ وَالْفَتَاةَ الْمُسْلِمَةَ إِلَى تَزْكِيَةِ النَّفْسِ! لِيَتَعَلَّمَ الزَّوْجُ قَبْلَ زَوَاجِهِ كَيْفَ يُعَامِلُ زَوْجَهُ عَلَى مُقْتَضَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَبِقَانُونِ الْأَخْلَاقِ الْعَالِيَةِ الرَّفِيعَةِ، لَا بِقَانُونِ الْأَعْرَافِ الْعَامَّةِ وَالْأَخْلَاقِ السَّافِلَةِ الْوَضِيعَةِ؛ فَيَتَعَلَّقُ قَلْبُهَا بِقَلْبِهِ، وَتَتَعَلَّقُ نَفْسُهَا بِنَفْسِهِ، وَرُوحُهَا بِرُوحِهِ؛ لِكَرِيمِ صِفَاتِهِ وَجَمِيلِ أَخْلَاقِهِ وَشِيَاتِهِ، فَمَا أَسْعَدَهُمَا مِنْ زَوْجَيْنِ! وَمَا أَهْنَأَهُمَا مِنْ حَبِيبَيْنِ! جَمَعَتْ بَيْنَ قَلْبَيْهِمَا الْمَحَبَّةُ، وَبَيْنَ نَفْسَيْهِمَا الْمَوَدَّةُ، وَبَيْنَ رُوحَيْهِمَا الْأُلْفَةُ، فَهُوَ أَغْلَى النَّاسِ عِنْدَها، وَأَحَبُّ الْأَشْخَاصِ إِلَى قَلْبِهَا، تَفْدِيهِ بِالْغَالِي وَالنَّفِيسِ، وَالْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، تَتَمَنَّى مَوْتَهَا قَبْلَ مَوْتِهِ، وَلَا تَأْنَسُ إِلَى أَحَدٍ أُنْسَهَا بِهِ وَإِلَيْهِ. فَمِنْ هَذِهِ الْعَلَاقَةِ الْحَمِيمَةِ وَالرَّابِطَةِ الْقَوِيَّةِ الْمَتِينَةِ؛ يُرَبِّي هَذَا الزَّوْجُ الصَّالِحُ وَلَدَهُ، وَيُعَامِلُ أَحْمَاءَهُ وَأَنْسِبَاءَهُ، وَيَتَعَامَلُ مَعَ أَقَارِبِهِ وَإِخْوَانِهِ وَجِيرَانِهِ وَوُلَاةِ أَمْرِهِ وَدُعَاتِهِ وَعُلَمَائِهِ؛ فَتَرَاهُ كَيْفَ يُنْفِقُ وَيَبْذُلُ حَالَ غِنَاهُ وَيُسْرِهِ، وَكَيْفَ يَرْضَى وَيَصْبِرُ حَالَ فَقْرِهِ وَعُسْرِهِ، وَكَيْفَ يَحْلُمُ وَيَكْظِمُ حَالَ قَهْرِهِ وَغَبْنِهِ، وَكَيْفَ يَحْكُمُ وَيَعْدِلُ حَالَ تَمْكِينِهِ وَعُلُوِّ شَأْنِهِ، وَكَيْفَ يَسْمُو بِنَفْسِهِ؛ لِيَعْلُوَ بِهَا عَلَى شَهَوَاتِهِ، وَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ لَهُ عَقْلُهُ وَفِكْرُهُ لِيَثْبُتَ بِهِمَا أَمَامَ تَغَيُّرَاتِ الْمُجْتَمَعِ وَشُبُهَاتِهِ. وَمَا أَحْوَجَنَا إِلَى الْفَتَاةِ الْمُسْلِمَةِ الَّتِي تُزَيِّنُ الْبَيْتَ الْمُسْلِمَ وَتُجَمِّلُهُ وَتُحَلِّيهِ بِإِيمَانِهَا وَإِسْلَامِهَا وَإِحْسَانِهَا قَبْلَ أَنْ تُجَمِّلَهُ بِأَثَاثِهِ وَحِيطَانِهِ وَجُدْرَانِهِ! تِلْكَ الزَّوْجَةُ الَّتِي تَجْعَلُ مِنْ بَيْتِهَا سَبِيلًا لِعِزِّهَا وَسَعَادَتِهَا، وَعُلُوِّ شَأْنِهَا وَحِفْظِ كَرَامَتِهَا، وَلَا تَصِلُ إِلَى ذَلِكَ إِلَّا بِتَزْكِيَةِ نَفْسِهَا بِمَا يَجِبُ عَلَيْهَا تِجَاهَ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي هُوَ: جَنَّتُهَا أَوْ نَارُهَا، نَعِيمُهَا الدُّنْيَوِيُّ أَوْ جَحِيمُهَا الْأُخْرَوِيُّ، سَبِيلُ بَهْجَتِهَا وَسَعَادَتِهَا أَوْ ذُلِّهَا وَشَقَائِهَا. ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَعُودَ إِلَى بَيْتِهِ؛ لِيَجِدَهُ رَوْضَةً فَيْحَاءَ وَجَنَّةً خَضْرَاءَ، مَمْلُوءًا بِرَيَاحِينِ الْكَلِمَاتِ وَوَرْدِ الْبَسَمَاتِ، وَطِيبِ الْأَحَاسِيسِ وَالْمَشَاعِرِ، وَحُسْنِ اللُّقْيَا بِالْوَجْهِ الْمُشْرِقِ وَالثَّغْرِ الْبَاسِمِ؛ لِيُزِيلَ هَذَا الْبَيْتُ عَنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ: وَعْثَاءَ الطَّرِيقِ، وَعِنَادَ الصَّاحِبِ، وَشِقَاقَ الرَّفِيقِ؛ لِيَجِدَ الْيَدَ الْحَانِيَةَ، وَالنَّفْسَ الْهَادِئَةَ الْوَادِعَةَ الَّتِي تُشَارِكُهُ هُمُومَهُ وَأَفْرَاحَهُ، وَتُخَفِّفُ عَنْهُ أَحْزَانَهُ وَأَتْرَاحَهُ، وَتُعِينُهُ عَلَى بِرِّ وَالِدَيْهِ وَصِلَةِ أَرْحَامِهِ، وَالْإِحْسَانِ إِلَى إِخْوَانِهِ وَجِيرَانِهِ، وَالثَّبَاتِ عَلَى الْحَقِّ فِي كُلِّ أَمْرِهِ وَشَأْنِهِ. وَهَلْ يُتَوَصَّلُ إِلَى ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَّا بِتَزْكِيَةِ النَّفْسِ بِالْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ؟! فَالْعِلْمَ الْعِلْمَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَقَبْلَ أَيِّ شَيْءٍ! وَمِنْ أَنْفَعِ الْعُلُومِ: الْعِلْمُ بِتَهْذِيبِ النَّفْسِ وَتَصْفِيَتِهَا، وَإِقَامَتِهَا عَلَى الْجَادَّةِ الْمُسْتَقِيمَةِ وَتَثْبِيتِهَا. فَاللَّهُمَّ! هَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا. وَصَلِّ اللهُ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ. * * * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٣) إِنَّ الْعَاقِلَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ هُوَ الَّذِي يَعْرِفُ قِيمَةَ الْأَشْيَاءِ وَحَقيِقَتَهَا، وَيَنْظُرُ إِلَى قَدْرِهَا وَمَآلِهَا، فَالْحَيَاةُ قَصِيرَةُ الْعُمُرِ، قَلِيلَةُ الْقَدْرِ، سَرِيعَةُ الزَّوَالِ، كَثِيرَةُ التَّحَوُّلِ، تُقَلِّبُ النَّاسَ تَقْلِيبَ الْقِدْرِ لِلْمَاءِ عِنْدَ غَلَيَانِهِ؛ حَلَالُهَا حِسَابٌ، وَحَرَامُهَا عِقَابٌ، مَنْ مَلَكَهَا مَلَكَتْهُ، وَمَنْ أَخْرَجَهَا مِنْ قَلْبِهِ طَلَبَتْهُ، الْحِرْصُ عَلَيْهَا ضَيَاعٌ لِلْعُمُرِ وَهَوَانٌ لِلشَّأْنِ، مُلُوكُهَا خُدَّامُ الْمُلْكِ، وَأَغْنِيَاؤُهَا حُرَّاسُ الْمَالِ، الْعُلَمَاءُ فِيهَا تِيجَانٌ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ؛ رَفَضُوهَا فَلَمْ تَرْفُضْهُمْ، وَأَعْرَضُوا عَنْهَا فَلَمْ تَتْرُكْهُمْ، فَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ طَرِيقٍ، وَاتَّجَهَتْ إِلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ صَوْبٍ؛ فَحَاجَةُ النَّاسِ إِلَى هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءِ وَفَقْرُهُمْ إِلَى مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ شَدِيدَةٌ مَاسَّةٌ. وَالزُّهَّادُ فِي تِلْكَ الْحَيَاةِ هُمْ أَهْنَأُ النَّاسِ عَيْشًا، وَأَهْدَؤُهُمْ نَفْسًا، وَأَرْوَحُهُمْ بَالًا؛ أَشْرَحُ النَّاسِ فِيهَا صَدْرًا مَنْ نَفَضَ لِسَانَهُ وَقَلْبَهُ مِنَ الدُّنْيَا ضَبْطًا وَطَلَبًا، فَاكْتَفَى مِنْهَا بِبُلْغَةِ الرَّاكِبِ، وَزَادِ الْمُسَافِرِ؛ فَلَمْ يُكْثِرْ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ أَحْمَالِهَا، وَلَمْ يَشْغَلْ نَفْسَهُ بِهُمُومِهَا وَأَحْزَانِهَا، يَعِيشُ فِيهَا بِبَدَنِهِ، قَدْ آثَرَ الْآجِلَةَ عَلَى الْعَاجِلَةِ، وَالْبَاقِيَةَ عَلَى الْفَانِيَةِ؛ يَمْشِي بِبَدَنِهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَيُحَلِّقُ بِرُوحِهِ وَقَلْبِهِ فِي السَّمَاءِ، تَطُوفُ رُوحُهُ وَنَفْسُهُ حَوْلَ الْعَرْشِ مَعَ الْمَلَأِ الْأَعْلَى حَيْثُ: الْقُرُبَاتُ وَالدَّرَجَاتُ، وَالنُّفُوسُ الشَّرِيفَاتُ، وَالْأَحْوَالُ الْفَاضِلَاتُ بِمَنْأًى عَنْ الدَّنَايَا وَالْمُحْتَقَرَاتِ مِنْ حُظُوظِ الدُّنْيَا وَشَهَوَاتِهَا وَرُعُونَاتِ النَّفْسِ وَتَطَلُّعَاتِهَا؛ فَهُوَ طِينِيُّ الْخِلْقَةِ، عُلْوِيُّ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالضَّمِيرِ، لَا يُشَابِهُ أَهْلَ زَمَانِهِ فِي آمَالِهِمْ وَأَحْلَامِهِمْ، وَأَحْوَالِهِمْ وَدُرُوبِهِمْ؛ قَدْ عَادَ بِعَقْلِهِ وَقَلْبِهِ وَرُوحِهِ إِلَى الرَّعِيلِ الْأَوَّلِ، وَالنُّمُوذَجِ الْأَوْحَدِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْمَرْحُومَةِ؛ إِلَى جِيلِ الصَّحَابَةِ، يَتَفَقَّدُ أَحْوَالَهُمْ، وَيَتَلَمَّسُ آثَارَهُمْ، وَيَتَأَمَّلُ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، وَيُشَمِّرُ عَنْ سَاعِدِ الْجِدِّ لِيَلْحَقَ بِهِمْ، فَيَسْعَى فِي رَكْبِهِمْ، وَمِضْمَارُ السِّبَاقِ قَائِمٌ، لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّحَاقِ بِرَكْبِهِمْ حَائِلٌ! فَالنِّدَاءُ الَّذِي نُودِيَ بِهِ عَلَيْهِمْ مَا زَالَ قَائِمًا، وَالْمُنَادَى عَلَيْهِمْ فِي سَالِفِ زَمَانِهِمْ هُوَ الْمُنادَى عَلَيْهِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَالْإِصْبَاحِ وَالْإِمْسَاءِ؛ فَلَا تَرَاهُ إِلَّا مُلَبِّيًا لِلنِّدَاءِ، مِنْ أَهْلِ الْإِجَابَةِ وَالْوَفَاءِ، فَهُوَ فِي الْمُتَسَابِقِينَ مُتَسَابِقٌ، وَفِي الْمُسَارِعِينَ مُسَارِعٌ. فَحَادِي الشَّوْقِ إِلَى لِقَائِهِمْ يَحْدُوهُ، وَبَرِيقُ الْأَمَلِ فِي الْوُصُولِ إِلَى مَقِيلِهِمْ يَدْعُوهُ؛ فَأَسْهَرَ لَيْلَهُ، وَأَقْلَقَ عَلَيْهِ مَضْجَعَهُ، فَلَا تَرَاهُ إِلَّا بَيْنَ الْقَائِمِينَ قَائِمًا، وَبَيْنَ الْبَكَّائِينَ بَاكِيًا، وَبَيْنَ الْمُتَبَتِّلِينَ مُتَبَتِّلًا. فَيَا لَهَا مِنْ حَيَاةٍ...! وَمَا أَعْظَمَهَا مِنْ حَيَاةٍ...! فَقْرُهَا غِنًى، وَذُلُّهَا عِزٌّ، وَعُزْلَتُهَا أُنْسٌ، وَأَلَمُهَا لَذَّةٌ، وَابْتِلَاءَاتُهَا رِفْعَةٌ وَرَحْمَةٌ، هَوَانُ الظَّاهِرِ فِيهَا شَرَفُ الْبَاطِنِ، وَهَضْمُ النَّفْسِ فِيهَا هُوَ عَيْنُ جَلَالِهَا، وَسَبِيلُ صَفَائِهَا وَنَقَائِهَا. فَالنَّاسُ فِي وَادٍ، وَهُوَ فِي وَادٍ آخَرَ...! النَّاسُ فِي وَادِي الْأَوْهَامِ وَالْخَيَالَاتِ، وَهُوَ فِي وَادِي الْحَقَائِقِ الْبَيِّنَاتِ. يُحِبُّ لِلنَّاسِ فَوْقَ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ؛ حَرِيصًا بِذَلِكَ عَلَى الْوُصُولِ إِلَى مَحَابِّ رَبِّهِ وَمَرَاضِيهِ. فَاللَّهُمَّ! اسْلُكْ بِنَا هَذِهِ السَّبِيلَ، وَاجْعَلْنَا فِيهَا مِنَ السَّائِرِينَ، وَأَلْحِقْنَا بِأَهْلِ الْفَضْلِ فِيهَا مِنَ الصَّادِقِينَ. وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَصَلَّى اللهُ وسَلَّمَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. * * * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (4) اعْلَمُوا -عِبَادَ اللهِ- أَنَّ الْفُرْصَةَ الَّتِي أُعْطِيَتْ لِمَنْ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى مِنَ الْجَنَّةِ هِيَ هِيَ الَّتِي أُعْطِيَتْ لِمَنِ اسْتَحَقَّ الدَّرْكَ الْأَسْفَلَ الْهَابِطَ مِنَ النَّارِ! وَلَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْأَوَّلَ بَذَلَ الْجَهْدَ وَالسَّهَرَ وَالتَّعَبَ. وَالثَّانِيَ رَكَنَ إِلَى الرَّاحَةِ وَالْكَسَلِ وَالدَّعَةِ. فَالْأَوَّلُ خَالَفَ نَفْسَهُ وَهَوَاهُ، وَبَذَلَ مَالَهُ وَعُمُرَهُ فِي مَرْضَاتِ رَبِّهِ وَمَوْلَاهُ، وَأَمَّا الثَّانِي؛ فَقَدِ اتَّبَعَ شَيْطَانَهُ وَهَوَاهُ، وَعَصَى رَبَّهُ، وَخَالَفَ نَبِيَّهُ وَمُصْطَفَاهُ. فَعَلَى كُلِّ عَاقِلٍ أَنْ يَغْتَنِمَ الْفُرْصَةَ قَبْلَ فَوَاتِهَا، وَأَنْ يُدْرِكَ الْحَيَاةَ قَبْلَ انْقِضَائِهَا. فَالْيَوْمَ صِحَّةٌ وَعَافِيَةٌ وَبَقَاءٌ، وَغَدًا مَرَضٌ وَمَوْتٌ وَفَنَاءٌ. فَاغْتَنِمُوا زَمَانَ الْعَافِيَةِ قَبْلَ زَمَانِ الْبَلَاءِ، وَزَمَانَ الْحَيَاةِ وَالْبَقَاءِ قَبْلَ زَمَانِ الْمَوْتِ وَالْفَنَاءِ. وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ غَالِيَةٌ لَا يَنَالُهَا بَخِيلٌ وَلَا شَحِيحٌ وَلَا جَبَانٌ، فَهِيَ سِلْعَةُ اللهِ الْغَالِيَةُ، وَهِيَ طَرِيقُ الْحَيَاةِ السَّرْمَدِيَّةِ الْبَاقِيَةِ. فَمِنْ أَجْلِ الْوُصُولِ إِلَيْهَا تُتْرَكُ الضَّيْعَاتُ، وَتُنْفَقُ الثَّرْوَاتُ، وَتُبْذَلُ الطَّاقَاتُ، وَلَا سَبِيلَ لِلْوُصُولِ إِلَى ذَلِكَ إِلَّا بِهَضْمِ النَّفْسِ وَاحْتِقَارِهَا، وَمَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الْحَيَاةِ وَازْدِرَائِهَا، وَالْوُقُوفِ عَلَى قِلَّةِ قَدْرِهَا وَهَوَانِ شَأْنِهَا. فَهِيَ دَارُ تَعَبٍ وَنَصَبٍ وَهَمٍّ وَضِيقٍ وَضَجَرٍ إِلَّا لِمَنْ عَرَفَهَا؛ فَجَعَلَهَا بِمَنْزِلَةِ الْخَادِمِ لِلْمَخْدُومِ، وَالْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، وَالدَّابَّةِ لِرَاكِبِهَا؛ فَهِيَ خَدَّاعَةٌ غَدَّارَةٌ، لَا تَفِي بِوَعْدٍ وَلَا تَحْفَظُ وُدًّا أَوْ عَهْدًا. فَمَنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْهَا فِي خِدْمَتِهِ اسْتَعْمَلَتْهُ فِي خِدْمَتِهَا، وَمَنْ لَمْ يَمْلِكْهَا مَلَكَتْهُ، وَمَنْ لَمْ يُصَرِّفْ شَهَوَاتِهَا بِأَزِمَّتِهَا فِي مَرْضَاتِ ربِّهِ صَرَّفَتْهُ -تِلْكَ الشَّهَوَاتُ-؛ فَصَارَتْ سَبَبَ ذُلِّهِ وَبَوَارِهِ، وَخِسَّةِ شَرَفِهِ وَقِلَّةِ مِقْدَارِهِ. فَأَفِيقُوا عِبَادَ اللهِ، وَأَدْرِكُوا فُرْصَتَكُمْ قَبْلَ فَوَاتِهَا، وَاغْتَنِمُوا حَيَوَاتِكُمْ قَبْلَ انْصِرَامِهَا! وَعَلَيْكُمْ بِطَاعَةِ اللهِ وَتَقْوَاهُ، وَالسَّعْيِ إِلَى مَرْضَاتِهِ، وَاتِّبَاعِ نَبِيِّهِ وَمُصْطَفَاهُ. فَطُوبَى لِمَنْ نَالَ رِضَا رَبِّهِ وَمَوْلَاهُ! وَصَارَتْ جَنَّةُ الْخُلْدِ دَارَهُ وَمَأْوَاهُ! وَحُشِرَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. * * * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٥) إِنَّ أَبَاكُمْ آدَمَ  خَلَقَهُ اللهُ بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكَتَهُ، وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ تَكْرِيمًا وَتَشْرِيفًا وَتَفَضُّلًا. وَلَمَّا نَسِيَ وَعَصَى أَخْرَجَهُ مِنْهَا، وَأَنْزَلَهُ إِلَى الْأَرْضِ عُقُوبَةً وَاسْتِخْلَافًا، وَتَكْلِيفًا وَامْتِحَانًا. وَلَمَّا تَابَ وَأَنَابَ اصْطَفَاهُ وَاجْتَبَاهُ، وَوَعَدَهُ بِالْجَنَّةِ حِينَ يَرْجِعُ إِلَيْهِ وَيَلْقَاهُ، وَاسْتَخْلَفَكُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِ؛ لِيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، وَعَلَى طَرِيقِ مَنْ وَمَعَ مَنْ تَسِيرُونَ، وَحَذَّرَكُمْ وَأَنْذَرَكُمْ، وَوَعَدَكُمْ وَتَوَعَّدَكُمْ، وَبَيَّنَ لَكُمْ: طَرِيقَ الْفَوْزِ بِالْجَنَّةِ، وَطَرِيقَ الْهَلَكَةِ بِالنَّارِ. فَصَارَ النَّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ فَرِيقَيْنِ: فَرِيقٍ إِلَى الْجَنَّةِ، وَفَرِيقٍ إِلَى السَّعِيرِ. وَصَارَ لَهُمْ طَرِيقَانِ: طَرِيقُ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَطَرِيقُ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ. فَمَعَ أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ وَفِي أَيِّ الطَّرِيقَيْنِ تَسِيرُ؟؟! وَاصْدُقِ الْجَوَابَ عَبْدَ اللهِ! وَلَا تُدَارِ فِيهِ أَوْ تُمَارِ! فَأَشَدُّ النَّاسِ خِدَاعًا مَنْ يَخْدَعُ نَفْسَهُ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْهِ، فَسِرُّكَ الْيَوْمَ غَدًا عَلَانِيَةٌ، وَخَدِيعَةُ الْيَوْمِ نَدَامَةُ الْغَدِ، وَأَوْبَةُ الْيَوْمِ وَتَوْبَتُهُ عِزَّةُ الْغَدِ وَفَرْحَتُهُ. فَأَدْرِكْ مَاضِيَكَ بِالتَّوْبَةِ الصَّادِقَةِ، وَحَاضِرَكَ بِالْعَزِيمَةِ الرَّاشِدَةِ، وَمُسْتَقْبَلَكَ بِالنِّيَّةِ الصَّالِحَةِ. وَأَدْرِكْ حَيَاتَكَ قَبْلَ مَمَاتِكَ، وَاغْتَنِمْ أَحْوَالَكَ قَبْلَ قِيَامِكَ مِنْ قَبْرِكَ لِحِسَابِكَ وَعَذَابِكَ، وَأَنْفِقْ مِنْ مَالِكَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ طَرِيقَ ذُلِّكَ وَهَلَاكِكَ. وَاتَّخِذْ لَكَ صَاحِبًا يَكُونُ لَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خَلِيلًا وَشَفِيعًا، وَاحْذَرْ أَهْلَ زَمَانِكَ! فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ مِنْكَ وَلَا يُرِيدُونَ لَكَ، فَكُنْ مِنْهُمْ عَلَى حَذَرٍ، وَمِنْ مَكْرِهِمْ عَلَى اسْتِعْدَادٍ وَوَجَلٍ. وَعَلَامَةُ مَنْ يُحِبُّكَ إِيثَارُهُ لَكَ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِذَا وَجَدْتَهُ فَعَضَّ عَلَيْهِ بِالنَّوَاجِذِ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْ زَوْجِكَ وَوَلَدِكَ وَمَالِكَ وَأَهْلِكَ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَيَاةَ بِطُولِهَا وَعَرْضِهَا ظِلٌّ زَائِلٌ، وَعَرَضٌ عَنْ نَعِيمِ الْجَنَّةِ حَائِلٌ، فَاسْتَعْمِلْهَا فِيمَا يَنْفَعُكَ حَتَّى لَا تَسْتَعْمِلَكَ فِيمَا يَضُرُّكَ. وَاعْلَمْ أَنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ عَقَبَاتٍ ثَلَاثًا: ١- شَهَوَاتٌ. ٢- وَشُبُهَاتٌ. ٣- وَفِتَنٌ وَابْتِلَاءَاتٌ. وَلَا وُصُولَ لَكَ يَا بْنَ آدَمَ إِلَى الْجَنَّةِ إِلَّا: ١- بِنَفْسٍ تَسْمُو بِهَا فَوْقَ الشَّهَوَاتِ. ٢- وَعَقِيدَةٍ صَحِيحَةٍ تَرُدُّ بِهَا جَمِيعَ الشُّبُهَاتِ. ٣- وَعَزِيمَةٍ صَادِقَةٍ تَثْبُتُ بِهَا أَمَامَ الْفِتَنِ وَالِابْتِلَاءَاتِ. فَهَلْ وَصَلْتَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؟! أَمْ شَغَلَتْكَ الزَّخَارِفُ وَالشَّهَوَاتُ؟! وَحَرَفَتْكَ الشُّبُهَاتُ وَالِافْتِرَاءَاتُ؟! وَضَعْضَعَتْكَ الْفِتَنُ وَالِابْتِلَاءَاتُ؟! فَتَعَالَ نَعُدْ سَوِيًّا قَبْلَ حَسْرَةِ الْفَوْتِ، وَسَكَرَاتِ الْمَمَاتِ، فِي زَمَانِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالْقُرُبَاتِ، وَوُجُودِ النَّاصِحِينَ وَالنَّاصِحَاتِ، وَالسَّالِكِينَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالسَّالِكَاتِ. فَالرُّفْقَةُ صَالِحَةٌ، وَالْفُرْصَةُ سَانِحَةٌ، وَخَرِيطَةُ الطَّرِيقِ وَاضِحَةٌ لَائِحَةٌ. فَاللَّهُمَّ! بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ! فَاشْهَدْ. وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. * * * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٦) اعْلَمُوا -عِبَادَ اللهِ- أَنَّ الْأَصْلَ فِي النَّفْسِ أَنَّهَا أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ، وَمَا تَرَكَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَهْلَكَتْهُ وَأَفْسَدَتْهُ. وَقَدْ أَقْسَمَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي أَطْوَلِ قَسَمٍ فِي الْقُرْآنِ كُلِّهِ فِي سُورَةِ الشَّمْسِ؛ أَنَّ الْفَلَاحَ كُلَّ الْفَلَاحِ فِي الْقِيَامِ عَلَى تَزْكِيَةِ هَذِهِ النَّفْسِ وَتَطْهِيرِهَا مِنْ فُجُورِهَا، وَأَنَّ الْخَيْبَةَ كُلَّ الْخَيْبَةِ فِي إِهْمَالِ هَذِهِ النَّفْسِ، وَتَرْكِهَا لِتَسْتَرْسِلَ مَعَ عَادَاتِهَا وَمَأْلُوفَاتِهَا وَتَطَلُّعَاتِهَا. وَالْمَغْبُونُ حَقًّا فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ مَنْ غُبِنَ هَذِهِ الْفُرْصَةَ الْعَظِيمَةَ وَالْمِنَّةَ الْجَسِيمَةَ؛ لِأَنَّ مَنْ قَامَ عَلَى نَفْسِهِ رِعَايَةً وَتَهْذِيبًا وَتَزْكِيَةً وَتَأْدِيبًا فَقَدْ مَلَكَ زِمَامَ أَمْرِهِ، وَاسْتَقَرَّ لَهُ عُمُومُ شَأْنِهِ فِي: أَهْلِهِ، وَمُجْتَمَعِهِ، وَجَمِيعِ الْمُحِيطِينَ بِهِ مِنْ حَوْلِهِ. وَمَا تَرَاهُ فِي دُنْيَا اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مِنْ تَخَبُّطٍ فِي الْحَيَاةِ الْأُسَرِيَّةِ وَالْعَلَاقَاتِ الْمُجْتَمَعِيَّةِ؛ إِنَّمَا هُوَ نِتَاجُ أَنْفُسٍ خَبِيثَةٍ، لَمْ يَنْتُجْ عَنْهَا إِلَّا كُلُّ خَبِيثٍ، وَأَنْفُسٍ مَرِيضَةٍ أَعْدَتْ بِمَرَضِهَا كُلَّ مَنْ عَاشَرَهَا وَعَامَلَهَا، فَلَا يَزَالُ أَمْثَالُ هَؤُلَاءِ يَعِيثُونَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا حَتَّى تُمْلَأَ الدُّنْيَا بِمَنْ هُمْ عَلَى شَاكِلَتِهِمْ. وَمَنْ لَمْ يَحْفَظْ نَفْسَهُ مِنْ عَدْوَى هَؤُلَاءِ بِتَزْكِيَةِ نَفْسِهِ؛ انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ الْعَدْوَى مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي وَلَا يَشْعُرُ، وَحِينَئِذٍ؛ فَلَا يَلُومَنَّ امْرُؤٌ إِلَّا نَفْسَهُ! وَلَا عُذْرَ لَهُ بَيْنَ يَدَيِ رَبِّهِ؛ لِأَنَّ اللهَ لَمْ يَظْلِمْهُ، وَلَكِنْ هُوَ الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ. وَقَدْ ضَرَبَ اللهُ لَنَا فِي ذَلِكَ مَثَلًا؛ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ﴾ [سورة الفرقان: 27- 29]. فَإِلَى مَتَى تُتْرَكُ هَذِهِ النَّفْسُ بِلَا تَزْكِيَةٍ وَلَا تَخْلِيَةٍ وَلَا تَحْلِيَةٍ؟! وَإِلَى مَتَى تَتْرُكُهَا لِيَتَحَكَّمَ فِيهَا غَيْرُكَ تَحْرِيفًا وَإِفْسَادًا وَتَغْيِيرًا؟! وَإِلَى مَتَى تَسِيرُ وَرَاءَ زَوْجِكَ وَوَلَدِكَ وَعَمِّكَ وَخَالِكَ وَأَخِيكَ وَأُخْتِكَ؛ يُدَبِّرُونَ لَكَ شَأْنَكَ فِي أَمْرِ دِينِكَ وَآخِرَتِكَ؟! إِلَى مَتَى تَرْكَنُ إِلَى هَذِهِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ مُضَيِّعًا بِحِرْصِكَ عَلَيْهَا الْآخِرَةَ الْبَاقِيَةَ؟! إِلَى مَتَى تَمُرُّ عَلَيْكَ الشُّهُورُ وَالْأَعْوَامُ، وَأَنْتَ مُنْشَغِلٌ بِمَالِكَ وَأَهْلِكَ، مُهْمِلٌ لِأَمْرِ دِينِكَ وَنَفْسِكَ؟! فَأَفِيقُوا عِبَادَ اللهِ قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ وَانْصِرَامِ الزَّمَانِ، وَمُعَايَنَةِ الْخِزْيِ عِنْدَ الْعَرْضِ عَلَى ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ! تَزَوَّدُوا بِالتَّقْوَى، فَلَا تَدْرُوا مَنْ نَامَ مِنْكُمْ بِلَيْلٍ هَلْ يُدْرِكُ صَلَاةَ الْفَجْرِ؟! فَإِنَّ الْحَيَاةَ أَنْفَاسٌ مَعْدُودَةٌ، وَآجَالٌ مَحْدُودَةٌ، وَأَعْمَالٌ عَلَى اللهِ مَعْرُوضَةٌ؛ فَفَرِحٌ بِتَزْكِيَةِ نَفْسِهِ وَصَالِحِ عَمَلِهِ مَسْرُورٌ، وَتَعِيسٌ بِإِهْمَالِ نَفْسِهِ وَعَمَلِهِ الطَّالِحِ حَزِينٌ مَثْبُورٌ. فَالبَدَارَ البَدَارَ إِلَى تَزْكِيَةِ النَّفْسِ وَتَهْذِيبِهَا مِنْ طَيْشِهَا وَرُعُونَاتِهَا، وَطُولِ أَمَلِهَا وَنِسْيَانِ مَوْتِهَا، وَحِسَابِهَا فِي قَبْرِهَا وَبَيْنَ يَدَيْ خَالِقِهَا وَمَالِكِ أَمْرِهَا. وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. * * * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٧) خَلَقَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْإِنْسَانَ مِنْ: جَسَدٍ وَرُوحٍ؛ فَجَاءَ الْجَسَدُ مِنْ قَبْضَةٍ تُرَابِيَّةٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَجَاءَتِ الرُّوحُ مِنْ نَفْخَةٍ عُلْوِيَّةٍ فِي السَّمَاءِ، فَالْجَسَدُ أَرْضِيٌّ سُفْلِيٌّ فِي أَصْلِهِ وَخِلْقَتِهِ، وَالرُّوحُ سَمَاوِيَّةٌ عُلْوِيَّةٌ فِي أَصْلِهَا وَخِلْقَتِهَا، وَمَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَهُوَ عَائِدٌ إِلَى أَصْلِهِ وَنَشْأَتِهِ؛ فَالْجَسَدُ مِنَ الْأَرْضِ وَإِلَى الْأَرْضِ يَعُودُ، وَالرُّوحُ مِنَ السَّمَاءِ وَإِلَى السَّمَاءِ تَعُودُ. وَجَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْوُجُودَ الْإِنْسَانِيَّ قَائِمًا عَلَى التَّلَازُمِ بَيْنَ الْجَسَدِ وَالرُّوحِ؛ فَلَا انْفِكَاكَ لِأَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ إِلَّا بِالْمَوْتِ، وَمِنْ جَرَّاءِ ذَلِكَ التَّلَازُمُ -مَعَ اخْتِلَافِ الْأَصْلِ وَالنَّشْأَةِ-؛ نَشَأَ الصِّرَاعُ بَيْنَ الْجَانِبَيْنِ، وَنَشِبَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ الْمُعَسْكَرَيْنِ: الْمُعَسْكَرِ الْجَسَدِيِّ، وَالْمُعَسْكَرِ الرُّوحِيِّ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحُرُوبَ تَحْتَاجُ إِلَى عُدَدٍ وَعَتَادٍ، فَعُدَدُ الْجَسَدِ وَعَتَادُهُ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ؛ وَهُوَ غِذَاؤُهُ، وَمِدَادُ وُجُودِهِ، وَأَصْلُ قُوَّتِهِ، وَمَادَّةُ عَتَادِهِ، وَعَتَادُ الرُّوحِ وَسِلَاحُهَا وَغِذَاؤُهَا مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ؛ فَهُوَ مَادَّةُ قُوَّتِهَا، وَسَبَبُ ثَبَاتِهَا، وَمِنْهُ تَسْتَمِدُّ خُطَطَهَا، وَبِنَاءً عَلَيْهَا تُنَظَّمُ صُفُوفُهَا، وَتُشَنُّ عَلَى الْجَسَدِ غَارَاتُهَا، وَالْبَقَاءُ لِلْأَقْوَى؛ فَعَلَى حَسَبِ صَبْرِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَثَبَاتِهِ يَكُونُ النَّصْرُ وَالْغَلَبَةُ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ. وَأَكْثَرُ النَّاسِ عَنْ ذَلِكَ الصِّرَاعِ فِي شُغُلٍ شَاغِلٍ، وَهَمٍّ عَاجِلٍ؛ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ الْحَرْبَ قَدْ وَضَعَتْ أَوْزَارَهَا، وَأَنَّ الْهُدْنَةَ بَيْنَ الْجَسَدِ وَالرُّوحِ قَدْ أَنْهَتْ صِرَاعَاتِهَا، وَأَنَّ الْوُجُودَ الْإِنْسَانِيَّ مُفْرَغٌ مِنْ قِيمَتِهِ، وَمَسْلُوبٌ مِنْ غَايَتِهِ وَمُهِمَّتِهِ، وَمِنْ حِكْمَةِ اللهِ فِي ابْتِلَاءِ خَلْقِهِ بِالْحَيَاةِ عَلَى الْأَرْضِ وَتَكْلِيفِهِمْ بِعِبَادَتِهِ. وَجَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- اسْتِقْرَارَ الْحَيَاةِ الْإِنْسَانِيَّةِ بِأَنْ يُعْطِيَ الْمَرْءُ لِكُلِّ شَيْءٍ حَقَّهُ؛ فَيُعْطِيَ الْجَسَدَ حَظَّهُ مِمَّا أَخْرَجَ اللهُ لَهُ مِنَ الْأَرْضِ؛ مِنْ: مَأْكَلٍ وَمَشْرَبٍ وَمَلْبَسٍ وَمَنْكَحٍ وَمَسْكَنٍ وَمَرْكَبٍ، وَأَنْ يُعْطِيَ الرُّوحَ حَظَّهَا مِمَّا أَنْزَلَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنَ السَّمَاءِ؛ مِنْ وَحْيِهِ الْمُنَزَّلِ وَشَرْعِهِ الْمُطَهَّرِ، وَأَلَّا يَغْفُلَ عَنْ أَمْرٍ فِي غَايَةِ الْأَهَمِّيَّةِ؛ وَهُوَ: أَنَّ حَاجَةَ الْجَسَدِ مِمَّا يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ عَلَى قَدْرِ بَقَائِهِ فِيهَا، وَحَاجَةَ الرُّوحِ إِلَى مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى قَدْرِ خُلُودِهَا فِيهَا، وَشَتَّانَ مَا بَيْنَ الْوُجُودَيْنِ! وَالشَّرِيعَةُ قَائِمَةٌ عَلَى حِمَايَةِ الْجَسَدِ وَصِيَانَةِ الرُّوحِ دُنْيَا وَآخِرَةً، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، وَعَنْ شَرِيعَةِ رَبِّهِمْ بِمُتْطَلَّبَاتِ أَجْسَادِهِمْ مُنْشَغِلُونَ. وَالصِّرَاعُ الْقَائِمُ فِي دُنْيَا اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِي حَقِيقَةِ أَمْرِهِ حَوْلَ اخْتِلَافِ الرُّوحِ وَتَعَارُضِهَا مَعَ الْجَسَدِ، فَلَا يَزَالُ الْجَسَدُ آخِذًا بِالرُّوحِ لِيَنْزِلَ بِهَا إِلَى الْأَرْضِ، حَيْثُ أَصْلُهُ وَنَشْأَتُهُ، وَلَا تَزَالُ الرُّوحُ تَأْخُذُ الْجَسَدَ إِلَى السَّمَاءِ حَيْثُ كَانَتْ فِي أَصْلِهَا وَنَشْأَتِهَا، وَالْحُكْمُ لِلْغَالِبِ؛ فَإِذَا مَا قَامَ الْمَرْءُ عَلَى أَمْرِ جَسَدِهِ عِنَايَةً وَاهْتِمَامًا، إِقْبَالًا وَانْشِغَالًا؛ فَقَدْ جَعَلَ الْغَلَبَةَ لَهُ عَلَى الرُّوحِ؛ فَإِذَا بِهَا تَسْكُنُ إِلَى مَا إِلَيْهِ سَكَنَ، وَتَرْكَنُ إِلَى مَا إِلَيْهِ رَكَنَ، فَلَا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ الْجَسَدِ وَالرُّوحِ مِنْ حَيْثُ اخْتِلَافُ الْأَصْلِ وَالنَّشْأَةِ، وَإِنَّمَا يَصِيرَانِ كَأَنَّهُمَا أُخْرِجَا مِنْ أَرْضٍ وَاحِدَةٍ. وَأَمَّا إِذَا قَامَ الْمَرْءُ عَلَى رُوحِهِ تَهْذِيبًا وَرِعَايَةً، تَزْكِيَةً وَتَرْبِيَةً، إِصْلَاحًا وَتَقْوِيمًا، فَشُغُلُهُ وَهَمُّهُ وَغَايَتُهُ وَهَدَفُهُ: إِقَامَةُ تِلْكَ الرُّوحِ لِتَعُودَ بِالْجَسَدِ إِلَى أَصْلِهَا وَنَشْأَتِهَا فِي السَّمَاءِ؛ فَيَصِيرَ الْجَسَدُ طَوْعَ أَمْرِهَا وَرَهْنَ إِشَارَتِهَا. فَلَا رَاحَةَ لِلْجَسَدِ إِلَّا لِمَا فِيهِ رَاحَةُ الرُّوحِ، وَلَا لَذَّةَ لَهُ إِلَّا فِيمَا تَتَلَذَّذُ بِهِ، وَلَا مَيْلَ لَهُ إِلَى شَيْءٍ إِلَّا مَا إِلَيْهِ تَمِيلُ الرُّوحُ، فَصَارَا كَأَنَّهُمَا قَدْ أُنْزِلَا مِنَ السَّمَاءِ مَعًا، لَا أَنَّ أَحَدَهُمَا مِنَ السَّمَاءِ، وَالْآخَرَ مِنَ الْأَرْضِ. وَآفَةُ النَّاسِ فِي دُنْيَا اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَنَّ أَبْدَانَهُمْ أَخَذَتْ غَالِبَ أَوْقَاتِهِمْ، وَعَلَى شَأْنِهَا ذَهَبَتْ أَكْثَرُ أَعْمَالِهِمْ فِي مُدَّةِ أَعْمَارِهِمْ، فِي هُمُومِهَا وَغُمُومِهَا فَتَضَعْضَعَتْ نُفُوسُهُمْ، وَخَارَتْ عَزَائِمُهُمْ، وَفَسَدَتْ أَدْيَانُهُمْ، فَمِنْ أَجْلِ الْجَسَدِ يَفْرَحُ أَحَدُهُمْ وَيَهْنَأُ، أَوْ يَضْطَرِبُ وَيَفْزَعُ؛ فَتَارَةً مَهْمُومًا بِأَكْلِهِ وَشَرَابِهِ، وَتَارَةً بِمَلْبَسِهِ وَشَكْلِهِ، وَآخَرُ بِمَرْكَبِهِ وَمَسْكَنِهِ ...، وَهَكَذَا -دَوَالَيْكَ- يَتَقَلَّبُ فِي حَاجَاتِ الْجَسَدِ وَرَغَبَاتِهِ، مُخَلِّيًا وَرَاءَهُ حَاجَاتِ الرُّوحِ وَمُتَطَلَّبَاتِهَا! وَيَنْسَى -أَوْ يَتَنَاسَى!- أَنَّ لِرُوحِهِ عَلَيْهِ حَقًّا، وَلَهَا عَلَى الْجَسَدِ شَرَفًا وَفَضْلًا! فَقَلَّ أَنْ تَرَاهُ مَهْمُومًا بِغِذَاءِ رُوحِهِ وَمَادَّةِ ثَبَاتِهَا؛ بِصِيَامِهِ وَقِيَامِهِ، وَوِرْدِهِ وَقُرْآنِهِ، وَبِرِّ وَالِدَيْهِ وَصِلَةِ أَرْحَامِهِ، وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَالتَّوَدُّدِ بِالْبَذْلِ وَالْإِحْسَانِ وَالْجُودِ إِلَى إِخْوَانِهِ، وَالسَّعْيِ إِلَى دَعْوَةِ الْخَلْقِ إِلَى دِينِ رَبِّهِ، وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ، وَإِقَامَةِ أَوْطَانِهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْجَسَدَ أَخَذَ بِأَزِمَّةِ الرُّوحِ قِيَادَةً وَتَحَكُّمًا، تَدْبِيرًا وَتَصَرُّفًا، انْهِمَاكًا وَتَطَلُّعًا. لَقَدْ أسْمَعْتَ لَوْ نَادَيْتَ حَيًّا وَلَكِنْ لَا حَيَاةَ لِمَنْ تُنَادِي فَصَارَتِ الْأَجْسَادُ قُبُورًا لِأَرْوَاحِهَا، وَسِجْنًا لِأَصْحَابِهَا، وَكَهْفًا لِأَرْبَابِهَا. فَلَا شَيْءَ يَنْفَعُ وَيُؤَثِّرُ مِنَ النُّصْحِ وَالتَّحْذِيرِ، وَلَا مِنَ التَّرْهِيبِ وَالتَّبْشِيرِ. وَإِنَّمَا النَّفْسُ وَالرُّوحُ دُونَهَا أَبْوَابٌ مُقْفَلَةٌ، وَحُصُونٌ مُحَصَّنَةٌ، وَقُبُورٌ مُظْلِمَةٌ. لَا يَصِلُ إِلَيْهَا وَعْظُ وَاعِظٍ، وَلَا تَرْغِيبُ مُرَغِّبٍ! لَا يَأْتِيهَا مِنْ دَاخِلِهَا هَمْسٌ، وَلَا يَنْفَذُ إِلَيْهَا مِنْ خَارِجِهَا نُصْحٌ. فَالصَّوْلَةُ وَالْجَوْلَةُ فِي أَزْمَةِ الرُّوحِ لَا فِي أَزْمَةِ الْجَسَدِ. فَاللهُ الْمُسْتَعَانُ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى الْبَشِيرِ النَّذِيرِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الْمُطَهَّرِينَ. * * * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٨) إِنَّ الْمُحْكَمَاتِ لَيْسَتْ كَالْمُتَشَابِهَاتِ، وَالْمُسَلَّمَاتِ هِيَ مِنْ قَبِيلِ الْيَقِينِيَّاتِ، وَالْخَبَرَ لَيْسَ كَالْمُعَايَنَةِ، وَالْوَصْفَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ كَالْمُشَاهَدَةِ، وَمَا نُقِلَ إِلَيْكَ عَبْرَ الْأَذْهَانِ لَيْسَ كَالَّذِي نُقِلَ إِلَيْكَ عَبْرَ الْعِيَانِ. وَأَكْثَرُ النَّاسِ اخْتَلَّتْ عِنْدَهُمُ الْمَوَازِينُ، وَانْقَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَعَايِيرُ؛ فَصَارَتِ الْمُتَشَابِهَاتُ عِنْدَهُمْ كَالْمُحْكَمَاتِ، وَالْخَيَالَاتُ آكَدَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْوَاضِحَاتِ الْبَيِّنَاتِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ إِلَى الْأَشْيَاءِ بِصُورَةِ الْعِلْمِ، لَا بِجَوْهَرِهِ وَحَقِيقَتِهِ، وَيَتَعَلَّمُونَ لِمُتْعَةِ الْعِلْمِ وَشَهْوَتِهِ، لَا لِلْعَمَلِ بِهِ وَتَحَمُّلِ تَبِعَتِهِ. وَمِنَ الْحَقَائِقِ الَّتِي صَارَتْ عِنْدَ أَكْثَرِ النَّاسِ أَوْهَامًا وَخَيَالَاتٍ، وَدَعَاوَى وَحِكَايَاتٍ: أَنَّ الْحَيَاةَ دَارُ مَفَرٍّ لَا دَارُ مُسْتَقَرٍّ، وَأَنَّهَا مَاضِيَةٌ وَلَيْسَتْ بَاقِيَةً، وَأَنَّهُمْ مِنْ يَقَظَتِهِمْ إِلَى مَنَامِهِمْ وَمِنْ مِيلَادِهِمْ إِلَى مَمَاتِهِمْ مُسَافِرُونَ إِلَى اللهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ، وَأَنَّ أَعْمَارَهُمْ مَا هِيَ إِلَّا مُدَّةُ ذَلِكَ السَّفَرِ، وَأَنَّ لِذَلِكَ السَّفَرِ نِهَايَةً وَمَصِيرًا، فَبِدَايَتُهُ الْمِيلَادُ وَنِهَايَتُهُ الْمَوْتُ، وَمَصِيرُهُ الْجَنَّةُ أَوِ النَّارُ! وَمَا مِنْ مُسَافِرٍ إِلَّا وَسَيَحُطُّ رَحْلَهُ يَوْمًا مَا، إِمَّا فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ، فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ، وَإِمَّا فِي نَارٍ تَلَظَّى لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى، وَكُلُّ لَحْظَةٍ تَمُرُّ عَلَيْكَ مِنْ دُنْيَاكَ تُقَرِّبُكَ بِمِثْلِهَا إِلَى أُخْرَاكَ. وَالنَّاسُ فِي سَيْرِهِمْ إِلَى اللهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ يَتَبَايَنُونَ: فَمُجِدٌّ فِي سَيْرِهِ مُسْرِعٌ ، وَمُقَصِّرٌ فِيهِ مُتَبَاطِئٌ، وَلَاطِئٌ بِالْأَرْضِ، لَا حَظَّ لَهُ فِي ذَلِكَ السَّيْرِ وَلَا نَصِيبَ، وَكُلُّ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ حَظِّهِمْ فِي الْعِلْمِ وَالْيَقِينِ. لِذَا كَانَ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَسْرَعِ النَّاسِ سَيْرًا إِلَى اللهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ، وَصَدَقَ اللهُ -وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا-: ﴿ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲﲳ﴾ [سورة فاطر: 28]. فَعَلَى قَدْرِ مَا مَعَ الْمَرْءِ مِنَ الْعِلْمِ تَكُونُ خَشْيَتُهُ لِرَبِّهِ وَمَوْلَاهُ، وَتَكُونُ حَرَكَتُهُ فِي سَيْرِهِ فِي أَمْرِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ. وَلَقَدْ ضَبَطَ لَنَا رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- حَرَكَتَنَا فِي ذَلِكَ السَّيْرِ فِي جَمِيعِ مَنَاحِيهِ، فَفِي شَأْنِ الْأَرْزَاقِ وَالْمُعَامَلَاتِ لَمْ يَطْلُبْ مِنَّا سَعْيًا وَلَا جَرْيًا، وَإِنَّمَا أَرَادَ مِنَّا اطْمِئْنَانًا وَمَشْيًا، وَهُوَ أَقَلُّ حَرَكَاتِ السَّائِرِينَ فِي دُنْيَا اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ فَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: ﴿ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟﱠ ﱡ ﱢ ﱣ﴾ [سورة الملك: 15]، فَقَرَنَ -سُبْحَانَهُ- بَيْنَ الْمَشْيِ وَتَحْصِيلِ الرِّزْقِ، وَهِيَ أَفْضَلُ حَرَكَاتِ طَلَبِ الرِّزْقِ لِلْفَرْدِ وَالْأُسْرَةِ وَالْمُجْتَمَعِ، فَالسَّعْيُ وَالتَّنَافُسُ فِي أَمْرِ الرِّزْقِ يَضُرُّ النَّفْسَ وَالْأُسْرَةَ وَالْمُجْتَمَعَ، فَيُورِثُ أَفْرَادَهُ الْأَنَانِيَّةَ، وَحُبَّ النَّفْسِ، وَالطَّمَعَ وَالْجَشَعَ وَالِاسْتِئْثَارَ، وَمَا تَكَالَبَ أَحَدٌ عَلَى الرِّزْقِ إِلَّا أَضَاعَ نَفْسَهُ وَأَهْلَهُ وَوَطَنَهُ، وَدُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ. وَفِي أَمْرِ الْعِبَادَةِ طَلَبَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنَّا السَّعْيَ، وَهُوَ حَرَكَةٌ فَوْقَ الْمَشْيِ؛ فَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: ﴿ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ﴾ [سورة الجمعة: 9]. وَنَهَى النَّبِيُّ  عَنِ الْجَرْيِ وَالْهَرْوَلَةِ حَالَ ذَهَابِكَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَأَمَّا فِي النَّوَافِلِ وَالْقُرُبَاتِ فَحَثَّنَا عَلَى الْأَخْذِ بِأَسْرَعِ الْحَرَكَاتِ مِنَ الْمُسَارَعَةِ وَالْمُسَابَقَةِ وَالْمُنَافَسَةِ وَالْفِرَارِ، وَالْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ وَاضِحَاتٌ جَلِيِّاتٌ، أَشْهَرُ مِنْ أَنْ تُعْرَفَ، وَأَبْيَنُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ. وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ عَنْهَا وَعَنِ الْعَمَلِ بِهَا بِمَبْعَدَةٍ، فَتَرَى الْأَمْرَ مَعْكُوسًا، وَالْمِيزَانَ مُخْتَلًّا! الْوَاقِعُ مَرِيرٌ! فْالَآذَانُ عَنْ سَمَاعِ الْآيَاتِ قَدْ صُمَّتْ! وَالْعَيْنُ عَنِ النَّظَرِ فِيهَا قَدْ عَمِيَتْ! وَالْعُقُولُ عَنْ تَدَبُّرِ مَعَانِيهَا قَدْ أُغْلِقَتْ! وَالَّذِينَ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ مِنْ (أَهْلِ الْحَقِّ وَالسُّنَّةِ) تَرَاهُمْ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَلَى الدُّنْيَا تَنَافُسًا، وَعَلَى الْوُصُولِ إِلَى أَفْضَلِ مَا فِيهَا تَكَالُبًا، وَمِنْ أَشَدِّ النَّاسِ سَعْيًا وَحِرْصًا عَلَى كَنْزِهَا وَتَثْمِيرِهَا!! وَهَلْ هَكَذَا تُعَامَلُ الدُّنْيَا؟!! وَهَكَذَا تُعَامَلُ الْآخِرَةُ؟!! وَصَدَقَ اللهُ فِيمَا قَالَ: ﴿ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ﴾ [سورة النحل: 62]. فَإِلَى اللهِ الْمُشْتَكَى، وَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ الْمَأْمُونِ وَآلِهِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. * * * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) إِنَّ أَعْظَمَ بِنَاءٍ يُمْكِنُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَبْنِيَهُ فِي حَيَاتِهِ كُلِّهَا أَنْ يَبْنِيَ نَفْسَهُ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْهِ؛ فَهِيَ مَطِيَّتُهُ الَّتِي يَمْتَطِيهَا، وَدَابَّتُهُ الَّتِي يَرْكَبُهَا؛ لِتَصِلَ بِهِ إِلَى الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى مِنَ الْجَنَّةِ، أَوْ لِتَنْزِلَ بِهِ إِلَى الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ الْهَابِطِ مِنَ النَّارِ، فَعَلَى حَسَبِ بِنَائِهَا يَكُونُ سَيْرُهَا: صُعُودًا إِلَى الْقُرُبَاتِ وَالْمَعَالِي، أَوْ هُبُوطًا إِلَى السَّفَاسِفِ وَالدَّنَايَا، فَنَفْسٌ تَطُوفُ بِصَاحِبِهَا حَوْلَ الْعَرْشِ، وَأُخْرَى تَدُورُ بِصَاحِبِهَا حَوْلَ الْحُشِّ! * وَالنُّفُوسُ فِي الْمُنْتَهَى تَؤُولُ إِلَى نَفْسَيْنِ: طَيِّبَةٍ أَوْ خَبِيثَةٍ، مُؤْمِنَةٍ أَوْ كَافِرَةٍ، بَرَّةٍ أَوْ فَاجِرَةٍ، نَقِيَّةٍ أَوْ مَاكِرَةٍ. وَعَلَامَةُ النَّفْسِ الطَّيِّبَةِ: أَنَّهَا طَيِّبَةٌ فِي ذَاتِهَا، طَيِّبَةٌ فِي صِفَاتِهَا، طَيِّبَةٌ فِي أَحْوَالِهَا، فَالطِّيبُ مُلَازِمٌ لَهَا. وَعَلَامَةُ النَّفْسِ الْخَبِيثَةِ: أَنَّهَا خَبِيثَةٌ فِي ذَاتِهَا، خَبِيثَةٌ فِي صِفَاتِهَا، خَبِيثَةٌ فِي أَحْوَالِهَا، وَالْخُبْثُ مُقْتَرِنٌ بِهَا. قَالَ تَعَالَى: ﴿ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ﴾ [سورة الأعراف: 58]. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : «هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ»( ). وَقِيَاسًا عَلَى ذَلِكَ؛ يَدْخُلُ فِيهَا الْبَّرُّ وَالْفَاجِرُ، وَالْأَمِينُ وَالْخَائِنُ، وَالْحَيِيُّ وَالدَّنِيُّ، فَكُلُّ خَبِيثٍ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْكَلِمَاتِ وَالْأَفْعَالِ مُنَاسِبٌ لِلنَّفْسِ الْخَبِيثَةِ، وَمُوَافِقٌ لَهَا، وَمُقْتَرِنٌ بِهَا، وَعَلَى شَاكِلَتِهَا، وَكُلُّ طَيِّبٍ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْكَلِمَاتِ وَالْأَفْعَالِ مُنَاسِبٌ لِلنَّفْسِ الطَّيِّبَةِ، وَمُوَافِقٌ لَهَا، وَمُقْتَرِنٌ بِهَا، وَعَلَى شَاكِلَتِهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿ﲪ ﲫ ﲬ ﲭﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ﴾ [سورة النور: 26]. فَصَاحِبُ النَّفْسِ الطَّيِّبَةِ يُصْبِحُ وَبَدَنُهُ طَيِّبٌ، وَنِيَّتُهُ طَيِّبَةٌ، وَقَوْلُهُ طَيِّبٌ، وَفِعْلُهُ طَيِّبٌ، قَدْ طَابَتْ نَفْسُهُ بَاطِنًا؛ فَطَابَتْ أَحْوَالُهُ ظَاهِرًا. وَصَاحِبُ النَّفْسِ الْخَبِيثَةِ يُصْبِحُ وَبَدَنُهُ خَبِيثٌ، وَنِيَّتُهُ خَبِيثَةٌ، وَقَوْلُهُ خَبِيثٌ، وَفِعْلُهُ خَبِيثٌ، قَدْ خَبُثَتْ نَفْسُهُ بَاطِنًا؛ فَخَبُثَ مِنْ ذَلِكَ ظَاهِرًا. وَالْعَاقِلُ هُوَ الَّذِي يَنْظُرُ فِي شَأْنِ نَفْسِهِ وَحَالِهَا إِصْلَاحًا وَتَهْذِيبًا فِي عَاجِلِ دُنْيَاهُ، قَبْلَ أَنْ يُنْظَرَ فِي شَأْنِهَا حِسَابًا وَعِقَابًا فِي أُخْرَاهُ. وَقَدْ جَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- تَزْكِيَةَ الْأَنْفُسِ عَمَلَ الْأَنْبِيَاءِ، وَوَظِيفَةَ الْمُرْسَلِينَ، وَذَلِكَ بِتَعْبِيدِهَا لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ﴾ [سورة الجمعة: 2]. وَجَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وِرَاثَةَ هَذَا الْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِلْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ، وَالدُّعَاةِ الصَّادِقِينَ، وَهُمْ أَقْدَرُ وَأَجْدَرُ مَنْ يَقُومُونَ عَلَى أَمْرِ تَزْكِيَةِ نُفُوسِ الْمُؤْمِنِينَ. وَأَعْقَلُ النَّاسِ وَأَقْوَمُهُمْ مَنْ يَجْعَلُ هَذَا الْأَمْرَ أَهَمَّ الْقَضَايَا الَّتِي تَشْغَلُهُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَلِمَ لَا يَكُونُ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَقَدْ أَقْسَمَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي أَطْوَلِ قَسَمٍ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: أَنَّ الْفَلَاحَ كُلَّ الْفَلَاحِ فِي تَزْكِيَةِ تِلْكَ النَّفْسِ، وَتَطْهِيرِهَا مِنْ كُلِّ مَا يُنَافِي أَصْلَ خِلْقَتِهَا فِي صَفَائِهَا وَنَقَائِهَا؛ فَقَالَ -سُبْحَانَهُ- بَعْدَ أَنْ أَقْسَمَ بِمَخْلُوقَاتِهِ وَذَاتِهِ إِحْدَى عَشْرَةَ مَرَّةً: ﴿ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ﴾ [سورة الشمس: 9- 10]. وَلَا سَبِيلَ لِتَزْكِيَةِ النَّفْسِ إِلَّا عَنْ طَرِيقِ الْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ؛ فَهُمَا أَعْظَمُ سُبُلِ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ وَتَطْهِيرِهَا، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ كَذَلِكَ إِلَّا بِحَمْلِ الْعِلْمِ عَلَى قَانُونِهِ الصَّحِيحِ، فَالْعِلْمُ لَيْسَ سِلْعَةً تُبَاعُ أَوْ تُشْتَرَى؛ لِتَحْصِيلِ غَرَضٍ عَاجِلٍ، أَوْ حَظٍّ مِنْ حُظُوظِ الدُّنْيَا آجِلٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مِيرَاثُ النُّبُوَّةِ، تَلَقَّتْهُ الْأَنْفُسُ الزَّكِيَّةُ بِآذَانٍ مُصْغِيَةٍ، وَعُقُولٍ وَاعِيَةٍ، وَقُلُوبٍ طَاهِرَةٍ، فَتَحَوَّلَ ذَلِكَ الْعِلْمُ إِلَى أَعْمَالٍ صَالِحَةٍ، وَأَحْوَالٍ فَاضِلَةٍ، وَأَخْلَاقٍ حَسَنَةٍ، وَأَقْوَالٍ طَيِّبَةٍ، فَظَهَرَ الْعِلْمُ فِي سُلُوكِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ، قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ عَلَى أَقْلَامِهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ. وَالْعِلْمُ إِنْ لَمْ يَتَزَكَّ بِهِ طُلَّابُهُ وَدُعَاتُهُ فَلَا حَاجَةَ فِيهِ لِغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ فَاقِدَ الشَّيْءِ لَا يُعْطِيهِ، وَلَا يَسْتَقِيمُ الظِّلُّ وَالْعُودُ أَعْوَجُ. وَمَنْ لَمْ يَنْفَعْكَ لَحْظُهُ فَلَنْ يُؤَثِّرَ فِيكَ وَعْظُهُ. وَعَالِمٌ بِلَا عَمَلٍ كَشَجَرَةٍ بِلَا ظِلٍّ وَلَا ثَمَرٍ، مَآلُهُ فِي الدُّنْيَا إِلَى الْهَجْرِ وَالْبَوَارِ، وَفِي الْآخِرَةِ إِلَى الْخِزْيِ وَالنَّارِ، وَبِئْسَ الْمَأْوَى وَالْقَرَارُ. وَصَاحِبُ النَّفْسِ الْخَبِيثَةِ مِنْ حَمَلَةِ الْعِلْمِ هُوَ رَجُلٌ قَعَدَ عَلَى طَرِيقِ النَّاسِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ بِأَقْوَالِهِ، وَيَصْرِفُهُمْ عَنْهَا بِأَحْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ! فَهُوَ حَجَرُ عَثْرَةٍ فِي طَرِيقِ السَّائِرِينَ، وَبِسَبَبِهِ يُصْرَفُ الْكَثِيرُ عَنْ دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَهُوَ فِتْنَةٌ أَيْنَمَا حَلَّ وَارْتَحَلَ. فَتَزَكَّوْا -عِبَادَ اللهِ- بِالْعِلْمِ الَّذِي يُرَادُ لِلْعَمَلِ، وَاحْرِصُوا عَلَى الْإِخْلَاصِ فِي تَحْصِيلِهِ؛ فَهُوَ طَرِيقُ فَلَاحِكُمْ، وَسَبِيلُ عِزِّكُمْ، وَبِغَيْرِ الْعِلْمِ فَلَنْ تَتَزَكَّى نُفُوسُكُمْ، وَتَصْلُحَ قُلُوبُكُمْ، وَتَسْتَقِرَّ أَحْوَالُكُمْ، وَيَرْتَفِعَ فِي الْحَيَاةِ شَأْنُكُمْ وَمَجْدُكُمْ. وَالْعِلْمُ حُجَّةٌ عَلَى قَائِلِهِ وَسَامِعِهِ؛ فَالْقَائِلُ بِالْعِلْمِ مُطَالَبٌ: بِصِحَّةِ النَّقْلِ، وَحُسْنِ الْعَرْضِ، وَتَحْوِيلِهِ إِلَى عَمَلٍ، وَالسَّامِعُ مُطَالَبٌ: بِحُسْنِ الْإِصْغَاءِ، وَصِحَّةِ الْفَهْمِ، وَسُرْعَةِ الْإِجَابَةِ بِتَحْوِيلِ الْقَوْلِ إِلَى عَمَلٍ. قَالَ تَعَالَى: ﴿ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ﴾ [سورة الصف: 2- 3]. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝﲞ﴾ [سورة الزمر: 18]. فَالْمُتَكَلِّمُ بِالْعِلْمِ يَنْبَغِي عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ الْعَامِلِينَ، وَالسَّامِعُ لِلْعِلْمِ يَنْبَغِي عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْتَجِيبِينَ، وَهُمَا -الِاسْتِجَابَةُ وَالْعَمَلُ- مِنْ أَدَلِّ الدَّلَائِلِ وَمِنْ أَكْبَرِ الْعَلَامَاتِ عَلَى طِيبِ صَاحِبِ هَذِهِ النَّفْسِ وَسَلَامَتِهَا مِنَ الْخُبْثِ وَالْمَكْرِ وَالْغِشِّ. وَلَقَدْ ضَرَبَ اللهُ لَنَا الْأُسْوَةَ فِي نَبِيِّنَا ، ﴿ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎﲏ﴾ [سورة البقرة: 258]؛ فَقَدْ كَانَ  أَوَّلَ الدَّاعِينَ إِلَى الْإِيمَانِ وَأَوَّلَ الْمُسْتَجِيبِينَ إِلَيْهِ. فَانْتَبِهُوا أَيُّهَا الطَّالِبُونَ لِلْعَلْمِ وَأَيَّتُهَا الطَّالِبَاتُ! وَأَخْلِصُوا فِيمَا تُسَطِّرُونَ، أَوْ يُسَطَّرُ لَكُمْ مِنْ كَلِمَاتٍ، هَلْ هِيَ لِمَرْضَاتِ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ؟ أَمْ لِحُظُوظٍ عَاجِلَاتٍ وَمَآرِبَ خَافِيَاتٍ؟! وَلَا تَكُونُوا فِي ذَلِكَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ، عَلَيْهِ مَخَايِلُ زُورٍ وَبُهْتَانٍ، أَوْ كَحَامِلِ الْمَاءِ وَالطَّعَامِ عَلَى ظَهْرِهِ، فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُعَانِي فِيهِ مِنَ الْعَطَشِ وَالْجُوعِ وَالْحِرْمَانِ! فَوَاللهِ! مَا هَذِهِ بِأَحْوَالِ النُّفُوسِ الزَّاكِيَةِ وَالْأَنْفُسِ الطَّاهِرَةِ، وَالْهِمَمِ الْعَالِيَةِ، وَالرَّاغِبِينَ وَالرَّاغِبَاتِ فِي مَرْضَاتِ اللهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ. وَصَلِّ اللهُ وَسَلِّمْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. * * * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (١٠) اعْلَمُوا عِبَادَ اللهِ أَنَّ: الصِّدْقَ وَالطُّمَأْنِينَةَ قَرِينَانِ، وَأَنَّ الْكَذِبَ وَالرِّيْبَةَ قَرِينَانِ، فَمَا هَدَأَتْ نَفْسٌ وَاسْتَقَرَّتْ وَاطْمَأَنَّتْ إِلَّا بِمِقْدَارِ مَا تَحْمِلُهُ مِنَ الصِّدْقِ، وَمَا اضْطَرَبَتْ نَفْسٌ وَارْتَابَتْ إِلَّا عَلَى حَسَبِ مَا تَحْمِلُهُ مِنَ الْكَذِبِ. وَالنَّاسُ فِي الْمُنْتَهَى فَرِيقَانِ: آمِنٌ مُطْمَئِنٌ، وَخَائِفٌ مُرْتَابٌ. صَادِقُونَ بَرَرَةٌ، وَكَاذِبُونَ فَجَرَةٌ. فَمَا أَحْوَجَنَا لِسَاعَةِ صِدْقٍ نَنْظُرُ فِيهَا إِلَى حَقَائِقِ نِيَّاتِنَا، وَنَتَعَرَّفُ مِنْ خِلَالِهَا عَلَى مَا يَدُورُ فِي خَلَجَاتِ عُقُولِنَا، وَمَا تَنْطَوِي عَلَيْهِ ضَمَائِرُنَا وَمَا نَتَطَلَّعُ إِلَى تَحْقِيقِهِ فِي أَمْرِ دُنْيَانَا وَآخِرَتِنَا. مَا أَحْوَجَنَا جَمِيعًا رِجَالًا وَنِسَاءً، شِيبًا وَشُبَّانًا، أَغْنِيَاءَ وَفُقَرَاءَ، حُكَّامًا وَمَحْكُومِينَ، دُعَاةً وَمَدْعُوِّينَ، عُلَمَاءَ وَمُتَعَلِّمِينَ إِلَى وَقْفَةٍ تُطَهَّرُ بِهَا مِنَ الْغِشِّ نُفُوسُنَا، وَتَزْكُو بِهَا مِنَ الْأَهْوَاءِ قُلُوبُنَا، وَتُصَفَّى بِهَا مِنَ الْأَحْقَادِ وَالْأَحْسَادِ نُفُوسُنَا. وَنَقِفُ مِنْ خِلَالِ تِلْكَ الْوَقْفَةِ عَلَى: حَقِيقَةِ غَايَاتِنَا وَأَهْدَافِنَا، وَصِحَّةِ مُعْتَقَدَاتِنَا، وَنُبْلِ أَقْوَالِنَا وَأَعْمَالِنَا، وَسَبِيلُنَا إِلَى ذَلِكَ سُؤَالَاتٌ نَسْتَثِيرُ بِهَا الْكَامِنَ فِي ضَمَائِرِنَا، وَنُحَاقِقُ بِهَا الْأَصِيلَ وَالدَّخِيلَ فِي نِيَّاتِنَا، وَنُصَحِّحُ بِهَا الْمَسَارَ الَّذِي اعْوَجَّ فِي حَيَوَاتِنَا. مَا أَحْوَجَنَا إِلَى وَقْفَةٍ صَادِقَةٍ حَازِمَةٍ يَتْبَعُهَا تَحَرُّكَاتٌ عَازِمَةٌ، وَأَحْوَالٌ فَاضِلَةٌ، وَمُؤَاخَذَاتٌ صَارِمَةٌ، يَتْبَعُهَا تَغَيُّرَاتٌ ظَاهِرَةٌ، فِي الْحَيَاةِ فَاعِلَةٌ. فَتَعَالَوْا بِنَا لِيَسْأَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ: (مَنْ أَنَا؟): حُرٌّ أَمْ عَبْدٌ؟ سَيِّدٌ أَمْ مَسُودٌ؟ قَائِدٌ أَمْ مَقُودٌ؟ أَنْطَلِقُ فِي الْحَيَاةِ جَادًّا مُتَرَفِّعًا أَمْ هَازِلًا مَائِعًا؟ (مَنْ أَكُونُ؟): مُسْلِمٌ تَقِيٌّ أَمْ فَاجِرٌ شَقِيٌّ؟ بَرٌّ وَلِيٌّ أَمْ عَاقٌّ عَصِيٌّ؟ عَبْدٌ لِرَبِّهِ وَمَوْلَاهُ أَمْ عَبْدٌ لِحَظِّهِ وَهَوَاهُ؟ (مَا الَّذِي أَسْعَى لِلْوُصُولِ إِلَيْهِ؟): عَاجِلَةٌ أَمْ آجِلَةٌ؟ دُنْيَا أَمْ آخِرَةٌ؟ حَسَنَةٌ أَمْ سَيِّئَةٌ؟ إِخْلَاصٌ وَإِخْبَاتٌ أمَ ْعُجْبٌ وَرِيَاءٌ؟ (مَا الَّذِي حَصَّلْتُهُ مِنْ وَرَاءِ أَعْمَالِي وَأَقْوَالِي وَأَحْوَالِي؟): حَصَّلْتُ تَوْفِيقًا وَإِحْسَانًا أَمْ خِذْلَانًا وَمَهَانَةً؟ عُلُوًّا وَازْدِهَارًا أَمْ خُمُولًا وَانْهِيَارًا؟ وَالْإِنْسَانُ مَهْمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَخْدَعَ الْعَالَمَ مِنْ حَوْلِهِ، فَهُوَ -جَلَّ وَعَلَا- عَلِيمٌ خَبِيرٌ بِحَقِيقَةِ نَفْسِهِ. وَأَخْدَعُ النَّاسِ مَنْ خَدَعَتْهُ نَفْسُهُ فَبَاعَ دِينَهُ وَدُنْيَاهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ، وَمَا أَكْثَرَ هَذَا الصِّنْفَ فِي دُنْيَا اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ! أَسْئِلَةٌ كَثِيرَةٌ يَحْتَاجُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا أَنْ يَسْأَلَهَا لِنَفْسِهِ. لَقَدِ انْشَغَلْنَا فِي دَوَّامَةِ الْحَيَاةِ بِالْأَرْصِدَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَنِ الْأَرْصِدَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ، فَشُغِلْنَا بِالْمَفْضُولِ عَنِ الْفَاضِلِ، وَبِالْفَانِي عَنِ الْبَاقِي، وَبِأَمْرِ الدُّنْيَا عَنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ. فَهَلْ تَذْكُرُ أَخِي الْمُسْلِمَ وَأُخْتِي الْمُسْلِمَةَ أَنَّكُمَا حَرِصْتُمَا يَوْمًا عَلَى السُّؤَالِ عَنْ أَرْصِدَةِ الْآخِرَةِ كَمَا تَحْرِصُونَ عَلَى تَفَقُّدِ أَرْصِدَةِ الْحَيَاةِ الْحَاضِرَةِ؟! مَتَى سَأَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا نَفْسَهُ: مَا رَصِيدِي الْعِلْمِيُّ الشَّرْعِيُّ الَّذِي أَحْمِلُهُ فِي عَقْلِي؟ وَمَا قَدْرُ مِيزَانِي الْإِيمَانِيِّ الَّذِي أَرْبِطُهُ عَلَى قَلْبِي؟ وَمَا رَصِيدِي الْخُلُقِيُّ وَالتَّعَبُّدِيُّ وَالْمُعَامَلَاتِيُّ؟ أَلَيْسَتْ هَذِهِ الْأَرْصِدَةُ أَوْلَى بِالتَّفْكِيرِ وَالِاهْتِمَامِ؟!! لِمَاذَا لَمْ يَعُدْ لَهَا فِي بُؤْرَةِ الشُّعُورِ تَفْكِيرٌ وَلَا اهْتِمَامٌ؟! مَا أَحْوَجَ كُلَّ وَاحِدٍ إِلَى أَنْ يَزِنَ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ عَلَى مِيزَانِ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ، لَا عَلَى مِيزَانِ الْهَوَى وَالْعُرْفِ. فَهَلْ -أَخِي فِي اللهِ- وَزَنْتَ نَفْسَكَ يَوْمًا لِتَعْرِفَ قَدْرَكَ فِي إِسْلَامِكَ وَإِيمَانِكَ وَإِحْسَانِكَ؟ هَلْ قُلْتَ لِنَفْسِكَ يَوْمًا: يَا نَفْسُ! إِلَى أَيْنَ وَصَلْتِ فِي إِسْلَامِكِ؟ وَكَمْ حَقَّقْتِ فِي مُعْتَقَدِكِ وَإِيمَانِكِ؟ وَمَا الَّذِي ارْتَقَيْتِ إِلَيْهِ فِي فَضَائِلِكِ وَإِحْسَانِكِ؟ وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ -إنْ كُنَّا صَادِقِينَ-: نَحْنُ تَائِهُونَ فِي بَيْدَاءِ الظُّلُمَاتِ!! حَائِرُونَ فِي دُنْيَا الشُّبُهَاتِ!! أَصْدَقُ أَوْصَافِنَا أَنَّنَا كَوَرَقَةِ شَجَرٍ فِي مَهَبِّ رِيحِ الشَّهَوَاتِ، مُقَصِّرُونَ فِي أَمْرِ الْحُقُوقِ وَالْوَاجِبَاتِ، ضُعَفَاءُ أَمَامَ الْفِتَنِ وَالِابْتِلَاءَاتِ. الدُّنْيَا بِهُمُومِهَا تَسُوقُنَا، وَالْمُجْتَمَعُ بِعَادَاتِهِ وَأَعْرَافِهِ يَقُودُنَا. لَوْ صَدَقْنَا لَقَالَ الْوَاحِدُ مِنَّا لِنَفْسِهِ: أَنَا مَهْزُومٌ أَمَامَ أَعْدَائِي مِنْ نَفْسِي وَشَيْطَانِي وَأَهْوَائِي، بَعِيدٌ عَنْ عُلَمَائِي وَإِخْوَانِي، وَهُمْ أَنْصَارِي فِي حِلِّي وَتَرْحَالِي! مُسْلِمٌ...، وَلَكِنَّنِي ضَعِيفٌ فِي إِسْلَامِي! مُؤْمِنٌ...، وَلَكِنِّي مُتَزَعْزِعٌ فِي إِيمَانِي! سُنِّيٌّ...، وَلَكِنِّي بَعِيدٌ عَنْ إِخْوَانِي! مُقَصِّرٌ فِي الْمُسَارَعَةِ فِي الْخَيْرَاتِ، وَمُتَلَكِّئٌ فِي الْمُنَافَسَةِ عَلَى الْقُرُبَاتِ، ضَعِيفُ السَّيْرِ عَلَى الصِّرَاطِ، بَعِيدٌ عَنِ الْعُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ، وَالدُّعَاةِ الصَّادِقِينَ، وَالْأَصْحَابِ النَّاصِحِينَ! غَارِقٌ بَيْنَ الْكَسَالَى وَالْبَطَّالِينَ وَالْحَيَارَى وَالتَّائِهِينَ، قَائِمٌ لَيْلًا نَهَارًا عَلَى أَمْرِ الدُّنْيَا، مُتَشَاغِلٌ عَنْ أَمْرِ الدِّينِ وَالْآخِرَةِ، مَشْغُولٌ بِنَفْسِي وَأَهْلِي وَأَمْوَالِي عَنْ أَمْرِ نَفْسِي فِي دِينِي وَآخِرَتِي وَمَآلِي! أَيْنَ أَنَا فِي رِحَابِ الذَّاكِرِينَ؟! وَعِدَادِ الْخَاشِعِينَ؟! وَقِيَامِ الْقَائِمِينَ؟! وَزَجَلِ الْمُسَبِّحِينَ؟! وَأَصْحَابِ الْعَبَرَاتِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الْبَهِيمِ؟! وَالْمُنْفِقِينَ الْبَاذِلِينَ؟! وَطُلَّابِ الْعِلْمِ السَّاهِرِينَ؟! وَالدُّعَاةِ الرَّبَّانِيِّينَ؟! وَالْإِخْوَانِ النَّاصِحِينَ؟! وَالسَّاعِينَ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ؟! إِنَّنَا بِحَقٍّ بِمَبْعَدَةٍ عَنْ فَهْمِ حَقِيقَةِ الدِّينِ، وَنُوقِنُ كَذِبًا وَزُورًا أَنَّنَا مِنْ أَفْهَمِ النَّاسِ لِهَذَا الدِّينِ! إِنَّنَا بِحَقٍّ نَرْتَكِبُ أَكْبَرَ الْحَمَاقَاتِ بِوَصْفِهَا وَعَيْنِهَا! وَالْحُمْقُ دَاءٌ مَا لَهُ دَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الْأَحْمَقَ لَا يَرَى إِلَّا نَفْسَهُ وَعَقْلَهُ وَرَأْيَهُ. فَمَنْ مِنَّا لَهُ نَاصِحٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ إِلَيْهِمْ يَرْجِعُ وَيَسْتَشِيرُ؟! وَفِي النَّوَازِلِ وَالْفِتَنِ إِلَيْهِمْ يَلْجَأُ وَيَسْتَجِيرُ؟! وَعِنْدَ الْجَهْلِ فِي أَحْكَامِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ بِالْحَقِّ يَسْتَنِيرُ؟! لَقَدْ صِرْنَا كُلُّنَا عُلَمَاءَ يَا صَاحِبِي!! نُدِيرُ حَيَاتَنَا بِجَهْلِنَا وَحُمْقِنَا وَسَفَهِنَا وَطَيْشِنَا وَأَعْرَافِنَا وَعَادَاتِنَا وَزُبَالَاتِ أَفْكَارِ غَيْرِنَا وَتُرَّهَاتِ عُقُولِنَا؛ بِمَبْعَدَةٍ عَنْ عُلَمَائِنَا وَدُعَاتِنَا وَفُقَهَائِنَا وَالنَّاصِحِينَ مِنْ إِخْوَانِنَا؛ حَتَّى اسْتَأْسَدَتْ عَلَيْنَا نُفُوسُنَا، وَسَقَطْنَا مِنْ عُيُونِ أَبْنَائِنَا وَنِسَائِنَا وَجِيرَانِنَا وَمُجْتَمَعَاتِنَا! فَمَا أَغْنَتْ عَنَّا أَمْوَالُنَا الَّتِي حَصَّلْنَاهَا، وَلَا أَعْمَارُنَا الَّتِي لِزَوْجَاتِنَا وَأَبْنَائِنَا بَذَلْنَاهَا! وَالسِّرُّ وَرَاءَ ذَلِكَ كُلِّهِ: أَنَّنَا وَقَعْنَا فِي أَكْبَرِ الْحَمَاقَاتِ وَأَعْظَمِهَا؛ وَهِيَ أَنَّنَا انْشَغَلْنَا بِإِصْلَاحِ الْعَالَمِ مِنْ حَوْلِنَا، وَتَنَاسَيْنَا الْفَوْضَى فِي دَاخِلِ نُفُوسِنَا! فَانْشَغَلَ الزَّوْجَانِ -وَهُمَا أَصْلُ صَلَاحِ الْمُجْتَمَعِ- بِالْمَالِ وَالْعِيَالِ عَنْ إِصْلَاحِ نَفْسْهِمَا، وَتَزْكِيَةِ رُوحَيْهِمَا؛ فَفَسَدَ الْمُجْتَمَعُ بِفَسَادِهِمَا، وَلَمْ يَسْعَدَا فِي الْمُنْتَهَى لَا بِأَمْوَالِهِمَا وَلَا بِأَوْلَادِهِمَا، بَلْ صَارَتِ الْأَمْوَالُ وَالْأَوْلَادُ سَبَبَ شَقَائِهِمَا وَتَعَاسَتِهِمَا. فَمَا أَكْثَرَ الْحَمْقَى فِي دُنْيَا اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مِنَ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَالْأَزْوَاجِ وَالزَّوْجَاتِ وَالْمُعَلِّمِينَ وَالْمُعَلِّمَاتِ! الَّذِينَ قَدْ شُغِلُوا بِإِصْلَاحِ الْعَالَمِ مِنْ حَوْلِهِمْ تَارِكِينَ الْفَوْضَى دَاخِلَ نُفُوسِهِمْ. وَصَدَقَ اللهُ -وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ-: ﴿ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥﲦ﴾ [سورة الرعد: 11]. فَقِفُوا عِبَادَ اللهِ مَعَ أَنْفُسِكُمْ سَاعَةَ صِدْقٍ، يَتْبَعُهَا حَرَكَةُ إِصْلَاحٍ وَتَهْذِيبٍ، وَسَاعَةَ مُحَاقَقَةٍ يَعْقُبُهَا تَصْفِيَةٌ وَتَزْكِيَةٌ؛ لِتُكَوِّنَ حَالًا مِنَ الْإِخْلَاصِ بَاطِنَةً، وَمِنَ الْمُتَابَعَةِ ظَاهِرَةً؛ فَتَسْتَقِيمَ بِهَا أَعْمَالُنَا الظَّاهِرَةُ وَأَحْوَالُنَا الْبَاطِنَةُ. وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِهِ وَنَبِيِّهِ وَرَسُولِهِ وَخَلِيلِهِ وَصَفِيِّهِ، وَعَلَى أَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. * * * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (١١) النَّفْسُ الْبَشَرِيَّةُ أَكْبَرُ حَائِلٍ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَسَعَادَتِهِ، وَهِيَ سَبَبُ شَقَائِهِ وَتَعَاسَتِهِ، وَلَا سَبِيلَ لِلْحَيَاةِ الْحَقَّةِ حَيْثُ الْفَرَحُ وَالْحُبُورُ وَالْهَنَاءَةُ وَالسُّرُورُ إِلَّا بِالْفَكَاكِ مِنْ أَسْرِهَا، وَالْخُرُوجِ مِنْ قُيُودِهَا وَأَغْلَالِهَا. وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: يَا رَبِّ! كَيْفَ آتِيكَ؟ لَكَانَ الْجَوَابُ: خَلِّ نَفْسَكَ وَتَعَالَ! فَمَا أَحْوَجَ الْمَرْءَ أَنْ يَقُومَ عَلَى نَفْسِهِ تَهْذِيبًا وَتَصْفِيَةً، تَرْبِيَةً وَتَزْكِيَةً؛ لِتَصْفُوَ لَهُ الْحَيَاةُ مَعَ اللهِ  فِي صُبْحِهِ وَمَسَائِهِ، وَغُدُوِّهِ وَرَوَاحِهِ. فَمَا أَجْمَلَ الْحَيَاةَ مَعَ اللهِ ! فِي طَاعَتِهِ وَالْقُرْبِ مِنْهُ، بِامْتِثَالِ أَمْرِهِ وَاجْتِنَابِ نَهْيِهِ، وَالْإِيمَانِ بِقَضَائِهِ، وَالرِّضَا بِقَدَرِهِ، وَالْأَخْذِ وَالْعَطَاءِ لَهُ وَمِنْ أَجْلِهِ، وَالْحُبِّ فِيهِ وَلِأَوْلِيَائِهِ، وَالْبُغْضِ فِيهِ وَلِأَعْدَائِهِ. مَا أَجْمَلَ الْحَيَاةَ مَعَ اللهِ! فِي زَمَانِ الْغُرْبَةِ حِينَ يُصْبِحُ الْحَقُّ أَنِيسَكَ وَجَلِيسَكَ، وَرَفِيقَكَ وَخَلِيلَكَ، وَشِعَارَكَ وَوَصْفَكَ، وَرَسْمَكَ وَهَدَفَكَ؛ حِينَ يَتِيهُ أَهْلُ الْمَلَذَّاتِ فِي مَلَذَّاتِهِمْ، وَيَغِيبُ أَهْلُ الشَّهَوَاتِ فِي شَهَوَاتِهِمْ، وَغَيِّهِمْ وَضَلَالِهِمْ، وَأَهْلُ الشُّبُهَاتِ فِي زَيْغِهِمْ وَزَيْفِهِمْ. مَا أَجْمَلَ الْحَيَاةَ مَعَ اللهِ! حِينَ يَعِيشُ أَهْلُ الْحَقِّ وَالسُّنَّةِ فِي لَيْلِهِمْ وَنَهَارِهِمْ مَعَ الْحَقِّ وَالسُّنَّةِ سَائِرِينَ، وَأَيْنَمَا حَطَّا بِرِحَالِهِمَا نَازِلِينَ، وَحَيْثُمَا انْطَلَقَا مُرْتَحِلِينَ، وَلِأَعْلَامِهِمَا وَرَايَاتِهِمَا رَافِعِينَ، وَبِالْغَالِي وَالنَّفِيسِ عَنْ حِيَاضِهِمَا ذَابِّينَ مُدَافِعِينَ، وَبِأَعْلَامِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مُؤْتَمِّينَ مُقْتَدِينَ. مَا أَجْمَلَ الْحَيَاةَ مَعَ اللهِ! حِينَ يَجْمَعُ الْأَغْنِيَاءُ الْأَمْوَالَ وَالدُّثُورَ، وَيَجْمَعُ أَهْلُ الْقُرُبَاتِ الْحَسَنَاتِ وَالْأُجُورَ، وَحِينَ يَبْنِي أَهْلُ التَّرَفِ فِي الدُّنْيَا الْأَبْرَاجَ وَالدُّورَ، وَيَبْنِي أَصْحَابُ الطَّاعَاتِ فِي الْجَنَّاتِ الْخِيَامَ وَالقُصُورَ. فَيَا لَفَرَحِهِمْ! حِينَ يَخْلُونَ بِاللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَيَنْعَمُونَ بِذِكْرِهِ وَمَعِيَّتِهِ وَحِفْظِهِ وَفَرَحِهِ بِهِمْ، وَذِكْرِهِ لَهُمْ بَيْنَ أَهْلِ سَمَوَاتِهِ مِنْ مَلَائِكَتِهِ، فَوَاللهِ لَهِيَ الْحَيَاةُ، الْحَيَاةُ الْحَقَّةُ وَمَا أَجَلَّهَا مِنْ حَيَاةٍ! وَمَنْ لَمْ يَحْيَهَا فَمَا عَرَفَ الْحَيَاةَ. فَأَصْحَابُهَا هُمُ الْغُرَبَاءُ فِي غُرْبَةِ الْإِسْلَامِ الثَّانِيَةِ، وَهُمُ الْقِلَّةُ فِي زَمَانِ الْكَثْرَةِ الْكَاثِرَةِ، وَغُرْبَتُهُمْ مَا أَحْلَاهَا مِنْ غُرْبَةٍ! وَكُرْبَتُهُمْ مَا أَلَذَّهَا مِنْ كُرْبَةٍ! النَّاسُ فِي وَادٍ، وَهُمْ فِي وَادٍ آخَرَ، النَّاسُ لِلدُّنْيَا وَعَلَى الدُّنْيَا يَتَكَالَبُونَ، وَبِهَا يَفْرَحُونَ، وَعَلَى فَقْدِهَا يَحْزَنُونَ، وَمِنْ أَجْلِهَا يَعْمَلُونَ وَيَكْدَحُونَ، وَبِإِقْبَالِهَا وَإِدْبَارِهَا يَنْعَمُونَ وَيَبْأَسُونَ. وَأَمَّا هُمْ؛ فَلِمَرْضَاتِ اللهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ يَعْمَلُونَ وَيَكْدَحُونَ، وَلِلطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ يَجْمَعُونَ وَيُحَصِّلُونَ، وَبِطَاعَاتِهِمْ إِدْرَاكًا وَتَفْرِيطًا يَفْرَحُونَ وَيَحْزَنُونَ، وَهُمْ عَلَى أَقْدَارِ اللهِ الْمُؤْلِمَةِ وَابْتِلَاءَاتِهِ يَحْمَدُونَ وَيَصْبِرُونَ؛ لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ أُولِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ لَمْ يَبْلُغُوا تِلْكَ الْمَقَامَاتِ الْعُلْيَا إِلَّا عَلَى جِسْرِ الْبَذْلِ وَالتَّضْحِيَاتِ، وَتَرْكِ الْمَلَذَّاتِ، وَمُقاسَاةِ الْغُمُومِ بِمُفَارَقَةِ الْأَهْلِ، وَتَرْكِ الْأَمْوَالِ وَالضَّيْعَاتِ. لَقَدْ عَلِمُوا عِلْمَ يَقِينٍ أَنَّ الدَّرَجَاتِ لَا تُنَالُ إِلَّا بِتَجَاوُزِ الْبَلَايَا، وَالصَّبْرِ عَلَى الْمِحَنِ وَالِابْتِلَاءَاتِ؛ قَالَ -تَعَالَى-: ﴿ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ﴾ [سورة البقرة: 214]. فَالصَّبْرَ الصَّبْرَ يَا أَهْلَ الْحَقِّ وَالسُّنَّةِ، وَالرِّضَا الرِّضَا بِأَقْدَارِ اللهِ الْمُؤْلِمَةِ، وَتَكَالِيفِهِ الْوَاجِبَةِ، وَمَنْهِيَّاتِهِ الْجَازِمَةِ، وَمَنْدُوبَاتِهِ الْمَسْنُونَةِ، فَلَيْسَ بَعْدَ الرِّضَا إِلَّا الرِّضْوَانُ، وَلَيْسَ بَعْدَ الِامْتِثَالِ لِلَّهِ بِالطَّاعَةِ إِلَّا زِيَادَةُ الْإِيمَانِ، وَسُكْنَى الْجِنَانِ حَيْثُ الرَّوْحُ وَالرَّيْحَانُ، وَالْحُورُ الْعِينُ مِنَ الْأَبْكَارِ الْحِسَانِ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ، وَحَيْثُ الْوِلْدَانُ الْمُخَلَّدُونَ مِنْ حَوْلِهِمْ فِي الْجَنَّةِ يَطُوفُونَ، وَلِلْأَبَارِيقِ مِنْ شَرَابِهَا يَحْمِلُونَ. فَهَلْ بَعْدَ الشَّوْقِ إِلَى ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ تَعَبٍ أَوْ نَصَبٍ؟! وَمَهْمَا كَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ ضِيقٍ وَشِدَّةٍ وَعُسْرٍ وَمِحْنَةٍ؛ فَلَيْسَ بَعْدَ الْعُسْرِ فِي الدُّنْيَا إِلَّا الْيُسْرُ، وَلَيْسَ بَعْدَ الضِّيقِ إِلَّا الْفَرَجُ، وَلَيْسَ بَعْدَ الْمِحْنَةِ إِلَّا الْمِنْحَةُ، وَلَيْسَ بَعْدَ الدُّنْيَا إِلَّا الْآخِرَةُ...! فَاصْدُقُوا -عِبَادَ اللهِ- فِي عُبُودِيَّتِهِ يَصْدُقْكُمْ بِمَوْعُودِهِ فِي دُنْيَاكُمْ بِتَنَزُّلِ بَرَكَاتِهِ، وَالتَّمْكِينِ فِي أَرْضِهِ وَالْوِلَايَةِ عَلَى أَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ وَحِزْبِهِ، وَكَذَا بِالنَّعِيمِ الْأَبَدِيِّ السَّرْمَدِيِّ فِي جَنَّتِهِ وَدَارِ كَرَامَتِهِ، وَاللهُ الْمَوْعِدُ، وَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ. * * * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (١٢) مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ كَمْ تَكُونُ فِي الْحَيَاةِ قِيمَتُهُ؛ فَلْيَنْظُرْ أَيْنَ تَكُونُ فِي الْحَيَاةِ هِمَّتُهُ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ: «قِيمَةَ الْمَرْءِ عَلَى قَدْرِ هِمَّتِهِ». فَرَجُلٌ هِمَّتُهُ فِي تَحْصِيلِ الدَّنَايَا وَالدَّرَكَاتِ لَيْسَ كَمَنْ هِمَّتُهُ فِي الْوُصُولِ إِلَى الْمَعَالِي وَالدَّرَجَاتِ؛ ﴿ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ﴾ [سورة الإسراء: 84]. وَالنَّبِيُّ  حَضَّنَا عَلَى أَنْ نَكُونَ أَصْحَابَ هِمَمٍ عَالِيَةٍ؛ فَقَالَ : «إِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ الْجَنَّةَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى مِنَ الْجَنَّةِ،...»( ). وَالْمُسْلِمُ يَنْبَغِي عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا عَلَى نَفْسِهِ مُزَكِّيًا وَمُصْلِحًا وَمُهَذِّبًا وَنَاصِحًا، لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَحْرِصْ عَلَى ذَلِكَ فَسَيَجِدُ مَنْ يَكُونُ قَائِمًا عَلَيْهِ مُفْسِدًا وَمُدَنِّسًا لِيَحْرِفَهُ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، لِيَكُونَ مِنَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ أَوْ مِنَ الضَّالِّينَ. وَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَعِيشُ فِي الْحَيَاةِ وَحْدَهُ، وَإِنَّمَا يَعِيشُ فِي دَوَائِرَ مُتَعَدِّدَةٍ مُتَدَاخِلَةٍ، بَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ، وَبَعْضُهَا أَهَمُّ مِنْ بَعْضٍ، وَالْإِنْسَانُ فِي الْمُنْتَهَى لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ تِلْكَ الدَّوَائِرِ شَاءَ أَمْ أَبَى، رَضِيَ أَمْ سَخِطَ، وَهَذِهِ الدَّوَائِرُ فِي مَجْمُوعِهَا فَاعِلَةٌ فِيهِ وَمُنْفَعِلَةٌ بِهِ، مُؤَثِّرَةٌ فِيهِ وَمُتَأَثِّرَةٌ بِهِ؛ فَهِيَ الْمُحِيطُ الْحَيَاتِيُّ الَّذِي يَعِيشُ الْإِنْسَانُ فِيهِ فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِهِ، وَجُزْءًا مِنْ أَجْزَائِهِ، وَهَذَا الْمُحِيطُ فِي مَجْمُوعِهِ عِبَارَةٌ عَنْ دَوَائِرَ عِدَّةٍ، وَالْإِنْسَانُ يَعِيشُ فِي تِلْكَ الدَّوَائِرِ؛ دَائِرَتُهُ فِي أُسْرَتِهِ، وَدَائِرَتُهُ فِي مُجْتَمَعِهِ، وَدَائِرَتُهُ فِي بَلَدِهِ وَوَطَنِهِ، وَدَائِرَتُهُ فِي دِينِهِ وَأُمَّتِهِ، وَدَائِرَتُهُ فِي الْعَالَمِ الْمُحِيطِ مِنْ حَوْلِهِ. فَمَنْ لَمْ يَكُنْ سَاعِيًا فِي تِلْكَ الدَّوَائِرِ بِإِصْلَاحِهَا؛ فَسَتَكُونُ تِلْكَ الدَّوَائِرُ سَاعِيَةً لِإِفْسَادِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْحَيَاةِ دَاعِيًا إِلَى الْخَيْرِ وَالْبِرِّ؛ فَهُوَ مَدْعُوٌّ -لَا مَحَالَةَ- إِلَى الشَّرِّ وَالْإِثْمِ. وَأَصْغَرُ هَذِهِ الدَّوَائِرِ هِيَ أَهَمُّهَا دَوْرًا، وَأَشْرَفُهَا قَدْرًا وَأَعْظَمُهَا أَثَرًا وَهِيَ دَائِرَةُ النَّفْسِ الْإِنْسَانِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا مَرْكَزُ الدَّوَائِرِ جَمِيعًا، فَبِصَلَاحِ الْإِنْسَانِ وَإِصْلَاحِهِ يَصْلُحُ الْمُجْتَمَعُ مِنْ حَوْلِهِ، وَبِفَسَادِهِ وَإِفْسَادِهِ يَفْسَدُ الْمُجْتَمَعُ مِنْ حَوْلِهِ. وَالْقَاعِدَةُ عِنْدَ عُلَمَائِنَا -عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ-: «مَنْ رَامَ الْوُصُولَ فَعَلَيْهِ بِالْأُصُولِ، وَمَنْ حُرِمَ الْأُصُولَ حُرِمَ الْوُصُولَ». وَأَصْلُ الشَّيْءِ هُوَ: أَسَاسُهُ الَّذِي يُبْنَى عَلَيْهِ. وَمَفادُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ: أَنَّ مَنْ أَرَادَ الْوُصُولَ إِلَى مَا يُرِيدُ مِنْ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ فَلْيَقُمْ عَلَى نَفْسِهِ تَهْذِيبًا وَإِصْلَاحًا، فَبِصَلَاحِ نَفْسِهِ يَصْلُحُ الْمَرْءُ فِي ذَاتِهِ، وَتَصْلُحُ بِهِ أُسْرَتُهُ وَمُجْتَمَعُهُ وَدَوْلَتُهُ وَأُمَّتُهُ، وَيَكُونُ سَبَبًا فِي إِصْلَاحِ الْعَالَمِ مِنْ حَوْلِهِ، وَبِفَسَادِهِ يَفْسَدُ كُلُّ هَؤُلَاءِ مِنْ حَوْلِهِ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ: ﴿ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥﲦ﴾ [سورة الرعد: 11]. وَالنَّاسُ فِي الْإِصْلَاحِ وَالْإِفْسَادِ قِسْمَانِ: فَفِي الْإِصْلَاحِ صَالِحٌ مُصْلِحٌ، وَصَالِحٌ غَيْرُ مُصْلِحٍ، وَفِي الْإِفْسَادِ فَاسِدٌ مُفْسِدٌ، وَفَاسِدٌ غَيْرُ مُفْسِدٍ، وَكُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ. وَأَكْثَرُ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ مَنْ يَعِيشُ فِي دَائِرَةِ نَفْسِهِ لَا يَتَخَطَّاهَا، وَلَا يَتَعَدَّاهَا لِغَيْرِهَا، وَكَأَنَّهُ لَا يَرَى لَهُ دَوْرًا فِيهَا إِلَّا تِلْكَ الْحُدُودَ الضَّيِّقَةَ الَّتِي تُحِيطُ بِهِ! وَإِنَّهُ عَلَى قَدْرِ صَلَاحِ الْمَرْءِ وَنِيَّتِهِ؛ تَكُونُ حُدُودُ دَائِرَتِهِ وَهِمَّتُهُ، وَقَدْ قَالُوا قَدِيمًا: «رَجُلٌ ذُو هِمَّةٍ يُحْيِي اللهُ بِهِ أُمَّةً». وَالتَّارِيخُ قَدْ سَطَّرَ لَنَا أَمْجَادًا لِأُنَاسٍ أَصْحَابِ هِمَمٍ عَالِيَةٍ، فَسَطَّرُوا لَنَا أَخْلَاقًا فَاضِلَةً، وَأَمْجَادًا بَاهِرَةً، وَأَعْمَالًا فِي الْوُجُودِ ظَاهِرَةً، إِنَّهُمْ أَنْبِيَاءُ اللهِ وَرُسُلُهُ، وَالصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ، وَالْأَئِمَّةُ الْعَالِمُونَ، وَالْعُلَمَاءُ الرَّبَّانِيُّونَ، وَالْقَادَةُ الْمُظَفَّرُونَ، وَالْحُكَمَاءُ الْمُرَبُّونَ، وَالْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ الْعُقَلَاءُ الْمُتَفَقِّهُونَ. وَهَلْ كَانَ تَغْيِيرُ الْعَالَمِ مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الْإِيمَانِ، وَمِنَ الْكِبْرِ وَالطُّغْيَانِ إِلَى الْخُضُوعِ وَالطَّاعَةِ وَالْإِذْعَانِ؛ إِلَّا عَلَى يَدَيِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ؛ أَشْرَفِ الْخَلْقِ نُفُوسًا وَأَطْهَرِهِمْ قُلُوبًا، وَأَرْفَعِهِمْ هِمَمًا؟ وَحَمَلَ الرَّايَةَ مِنْ بَعْدِهِمْ أَصْحَابُهُمْ وَأَتْبَاعُهُمْ، فَأَكْمَلُوا الْمَسِيرَةَ وَلَمْ يُخَالِفُوا الطَّرِيقَةَ، فَفَتَحَ اللهُ بِهِمْ أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا؛ فَغَيَّرُوا الْعَالَمَ بِالْهُدَى وَالْإِيمَانِ وَالنُّورِ وَالْفُرْقَانِ، فَكَانُوا فِي الْخَيْرِ قَادَةً، وَفِي الْبَذْلِ وَالتَّضْحِيَةِ لَهُمُ السَّبْقُ وَالرِّيَادَةُ. وَهَذَا وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَهُوَ رِبْعِيُّ بْنُ عَامِرٍ  يَقِفُ فِي مُوَاجَهَةِ رُسْتُمَ قَائِدِ الْفُرْسِ؛ يُبَيِّنُ لَهُ دَوْرَ الْمُسْلِمِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ حِينَ قَالَ لَهُ رُسْتُمُ: مَنْ أَنْتُمْ؟ وَمَا الَّذِي جَاءَ بِكُمْ؟ فَقَالَ : «نَحْنُ قَوْمٌ ابْتَعَثَنَا اللهُ لِنُخْرِجَ الْعِبَادَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ رَبِّ الْعِبَادِ، وَمِنْ جَوْرِ الْأَدْيَانِ إِلَى عَدْلِ الْإِسْلَامِ، وَمِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا إِلَى سَعَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»( ). وَهَكَذَا الْمُسْلِمُ؛ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَقِفَ فِي حَيَاتِهِ عِنْدَ حُدُودِ نَفْسِهِ، وَلَا عِنْدَ حُدُودِ أُسْرَتِهِ، وَلَا عِنْدَ حُدُودِ حَيِّهِ وَمُجْتَمَعِهِ، وَلَا فِي حُدُودِ وَطَنِهِ وَدَوْلَتِهِ، وَلَا فِي حُدُودِ أُمَّتِهِ، وَلَكِنْ يَعِيشُ لِيَكُونَ سَبَبًا فِي تَغْيِيرِ الْعَالَمِ مِنْ حَوْلِهِ، وَكَمَا قَالَ الْقَائِلُ: كُنْ كَالصُّقُورِ عَلَى الذُّرَى تُصْغِي لِوَسْوَسَةِ الْقَمَرْ لَا كَالْغُرَابِ يُطَارِدُ الْـ ـجِيَفَ الْحَقِيرَةَ فِي الْحُفَرْ مَنْ هَانَ تَسْحَقُهُ السَّنَا بِكُ فِي مَتَاهَاتِ الْعُمُرْ فَالْهِمَّةَ الْهِمَّةَ عِبَادَ اللهِ، فَهَا هُوَ التَّارِيخُ يَحْكِي لَنَا أَنَّ عَظَمَةَ الْمَرْءِ مَرْهُونَةٌ بِعِظَمِ هِمَّتِهِ، وَهَذِهِ نُفُوسٌ شَرِيفَةٌ كَانَتْ تَحْمِلُ بَيْنَ طَيَّاتِهَا آمَالًا عَظِيمَةً، وَغَايَاتٍ شَرِيفَةً. وَهَذِهِ امْرَأَةٌ مِنْ بَعْضِ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، تُقَدِّمُ لِلْأُمَّةِ دَرْسًا عَمَلِيًّا فِي شَرَفِ الْغَايَةِ وَعُلُوِّ الْهِمَّةِ، وَهَذِهِ رِسَالَتُهَا إِلَى وَلَدِهَا، وَهُوَ بَعِيدٌ عَنْهَا، مُفَارِقٌ لَهَا، إِنَّهَا رِسَالَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ أُمٍّ عَظِيمَةٍ، وَهِيَ (رِسَالَةُ أُمِّ شَيْخِ الْإِسْلَامِ إِلَى ابْنِهَا شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ). فَقَدْ أَرْسَلَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللهُ- رِسَالَةً لِأُمِّهِ، يَعْتَذِرُ لَهَا فِيهَا عَنْ بُعْدِهِ عَنْهَا لِمُدَّةٍ، وَإِقَامَتِهِ فِي مِصْرَ لِبَعْضِ شُؤُونِ الدِّينِ وَالْعِلْمِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ، فَلَمَّا وَصَلَتْهَا الرِّسَالَةُ رَدَّتْ عَلَيْهِ أُمُّهُ فَقَالَتْ: «وَلَدِي الْحَبِيبَ الرَّضِيَّ أَحْمَدَ بْنَ تَيْمِيَّةَ، وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ...؛ فَإِنَّهُ -وَاللهِ- لِمِثْلِ هَذَا رَبَّيْتُكَ، وَلِخِدْمَةِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ نَذَرْتُكَ، وَعَلَى شَرَائِعِ الدِّينِ عَلَّمْتُكَ، وَلَا تَظُنَّنَّ -يَا وَلَدِي- أَنَّ قُرْبَكَ مِنِّي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ قُرْبِكَ مِنْ دِينِكَ وَخِدْمَتِكَ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ فِي شَتَّى الْأَمْصَارِ، بَلْ -يَا وَلَدِي- إِنَّ غَايَةَ رِضَائِي عَلَيْكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِقَدْرِ مَا تُقَدِّمُهُ لِدِينِكَ وَلِلْمُسْلِمِينَ، وَإِنِّي يَا وَلَدِي لَنْ أَسْأَلَكَ غَدًا أَمَامَ اللهِ عَنْ بُعْدِكَ عَنِّي؛ لِأَنِّي أَعْلَمُ أَيْنَ وَفِيمَ أَنْتَ، وَلَكِنْ يَا أَحْمَدُ سَأَسْأَلُكَ أَمَامَ اللهِ وَأُحَاسِبُكَ إِنْ قَصَّرْتَ فِي خِدْمَةِ دِينِ اللهِ وَخِدْمَةِ أَتْبَاعِهِ مِنْ إِخْوَانِكَ الْمُسْلِمِينَ. رَضِيَ اللهُ عَنْكَ، وَأَنَارَ بِالْخَيْرِ دَرْبَكَ، وَسَدَّدَ خُطَاكَ، وَجَمَعَنِي اللهُ وَإِيَّاكَ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِ الرَّحْمَنِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ». وَمِثْلُ هَذَا الَّذِي أَرَادَتْهُ أُمُّ ابْنِ تَيْمِيَّةَ يَنْبَغِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُرِيدَهُ مِنْ وَلَدِهِ، وَأَنْ يُرَبِّيَهُ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُعَلِّمَ وَلَدَهُ مِنْ مُرَادِهِ مِنْهُ فِي تَعْلِيمِهِ وَتَرْبِيَتِهِ؛ حَتَّى يَنْشَأَ عَالِيًا بِهِمَّتِهِ، نَافِعًا لِنَفْسِهِ وَأُسْرَتِهِ وَمُجْتَمَعِهِ وَوَطَنِهِ وَأُمَّتِهِ، بِعِلْمِهِ وَعَمَلِهِ وَوَظِيفَتِهِ، وَالْأَعْمَالِ الْعَظِيمَةِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي لَا تَخْرُجُ إِلَّا مِنْ نُفُوسٍ زَاكِيَةٍ شَرِيفَةٍ. فَقُومُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ -عِبَادَ اللهِ- تَزْكِيَةً وَتَطْهِيرًا؛ لِتَقُومَ بِكُمْ وَبِأَبْنَائِكُمْ مُجْتَمَعَاتُكُمْ وَأَوْطَانُكُمْ وَأُمَّتُكُمْ، وَالْعَالَمُ مِنْ حَوْلِكُمْ. وَإِنَّ فَاقِدَ الشَّيْءِ لَا يُعْطِيهِ، وَلَا يَسْتَقِيمُ الظِّلُّ وَالْعُودُ أَعْوَجُ! وَمَنْ لَمْ تَسْتَقِمْ لَهُ نَفْسُهُ فَلَنْ يَسْتَقِيمَ بِهِ غَيْرُهُ. وَإِنَّ مِنَ الْحَمَاقَةِ أَنْ تُصْلِحَ الْعَالَمَ مِنْ حَوْلِكَ وَتَنْسَى الْفَوْضَى فِي دَاخِلِ نَفْسِكَ! وَابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى الْبَشِيرِ النَّذِيرِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. ✍ وَكَتَبَهُ: أَبُو عَبْدِ اللهِ صَلَاحُ بْنُ مُحَمَّدِ غَانِمٍ

ملف نصي

قد أفلح من زكاها
ملف نصي
عرض

تفاصيل مؤلفة الشيخ

الزيارات
13 مشاهدة
تاريخ الإضافة
السبت 1448‏/02‏/25 1448‏/صفر‏/24

مشاركة مؤلفة الشيخ

13 مشاهدة

مؤلفات الشيخ ذات صلة