رسالة إلى كل من ضاقت به نفسه ويفكر في الانتحار - مؤلفات الشيخ

فضيلة الشيخ صلاح غانم · 17 مشاهدة

رسالة إلى كل من ضاقت به نفسه ويفكر في الانتحار

رسالة إلى كل من ضاقت به نفسه ويفكر في الانتحار

المحتوي

رِسَالَةٌ إِلَى كُلِّ مَنْ ضَاقَتْ عَلَيْه نَفْسُهُ وَيُفَكِّرُ فِي الانْتِحَارِ الْمُقَدِّمَةُ إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ . أَمَّا بَعْدُ: فَمَا مِنْ يَوْمٍ يَمُرُّ عَلَيْنَا إِلَّا وَتُطَالِعُنَا الْأَخْبَارُ فِي الصُّحُفِ وَالْمَجَلَّاتِ وَعَلَى مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ وَعَلَى الشَّاشَاتِ بِأَخْبَارٍ سَيِّئَةٍ وَحَوَادِثَ مُرَوِّعَةٍ، فَنَقْرَأُ وَنَسْمَعُ عَنْ حَالَةِ انْتِحَارٍ لِشَابٍّ فِي رَيْعَانِ شَبَابِهِ.. أَوْ لِفَتَاةٍ فِي مُقْتَبَلِ عُمُرِهَا.. أَوْ لِزَوْجَةٍ مَا زَالَتْ حَدِيثَةَ عَهْدٍ بِزَوَاجِهَا.. أَوْ زَوْجٍ تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ مَسْئُولِيَّةُ أُسْرَةٍ بِكَامِلِهَا.. فَمِنْهُمْ مَنْ يُلْقِي بِنَفْسِهِ مِنْ مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ أَوْ فِي بَحْرٍ أَوْ نَهْرٍ! أَوْ يُلْقِي بِنَفْسِهِ تَحْتَ عَجَلَاتِ الْقِطَارَاتِ وَالسَّيَّارَاتِ! أَوْ يَتَنَاوَلُ سُمًّا قَاتِلًا أَوْ يَقُومُ بِشَنْقِ نَفْسِهِ فِي حُجْرَتِهِ! أَوْ يَضْرِبُ نَفْسَهُ بِسِكِّينٍ! وَعِنْدَ النَّظَرِ فِي الْأَسْبَابِ الدَّاعِيَةِ إِلَى ذَلِكَ يَجِدُهَا أَسْبَابًا وَاهِيَةً وَأُمُورًا تَافِهَةً، وَلَكِنَّهَا لَمْ تَجِدْ حُلُولًا مُرْضِيَةً، أَوْ مُسَاعَدَةً مُجْتَمَعِيَّةً، وَإِنَّمَا اكْتَنَفَهَا رُدُودُ فِعْلٍ سَرِيعَةٌ، وَقَرَارَاتٌ يَائِسَةٌ، وَأَعْمَالٌ طَائِشَةٌ، أَدَّتْ إِلَى حَادِثٍ مُرَوِّعٍ اسْتَيْقَظَ النَّاسُ عَلَيْهِ بَعْدَ فَوَاتِ الزَّمَانِ! وَمَا أَحْوَجَنَا إِلَى نَظْرَةٍ فَاحِصَةٍ مُتَفَحِّصَةٍ، دَقِيقَةٍ مُتَأَنِّيَةٍ، غَيْرِ عَاجِلَةٍ وَلَا مُتَعَجِّلَةٍ، لِنَرَى صُورَةَ الْمُنْتَحِرِ وَالِانْتِحَارِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، فَهَذِهِ الْخَاتِمَةُ الَّتِي يَكْتُبُهَا الْمُنْتَحِرُ بِيَدِهِ وَحْدَهُ لَيْسَتْ هِيَ حَقِيقَةَ الِانْتِحَارِ، بَلْ هِيَ صُورَةٌ زَائِفَةٌ وَحَقِيقَةٌ مُشَوَّهَةٌ لِحَقِيقَةِ الِانْتِحَارِ. * * * عَلَى مَنْ تَعُودُ مَسْئُولِيَّةُ ظَاهِرَةِ الِانْتِحَارِ؟ فَالْمَسْئُولِيَّةُ لَا تَعُودُ عَلَى الْمُنْتَحِرِ وَحْدَهُ، بَلْ يُشَارِكُهُ فِيهَا الْكَثِيرُ مِنَ الْمُحِيطِينَ بِهِ، فَهِيَ لَيْسَتْ وَلِيدَةَ لَحْظَتِهَا وَلَا ابْنَةَ سَاعَتِهَا، وَلَكِنَّهَا مَوْلُودٌ قَدِيمٌ قَدْ وُلِدَ فِي ظُرُوفٍ قَاسِيَةٍ، وَأَحْدَاثٍ مُتَتَالِيَةٍ، فَبَدَأَتْ بِكَلِمَةٍ عَابِرَةٍ مِنْ نَفْسٍ مُسْتَهْتِرَةٍ أَثَّرَتْ فِي الْمُنْتَحِرِ تَأْثِيرَ السِّكِّينِ فِي الْبَدَنِ! لِأَنَّ أَثَرَ الْكَلِمَةِ فِي النَّفْسِ أَشَدُّ وَقْعًا مِنْ أَثَرِ السَّيْفِ فِي الْجِسْمِ، ثُمَّ تَنَامَتْ بِمَوْقِفٍ سَيِّئٍ لِشَخْصٍ مُتَعَنِّتٍ لَمْ يَرْقُبْ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً، فِي الْوَقْتِ الَّذِي قَصَّرَ وَأَهْمَلَ فِي عِلَاجِ ذَلِكَ كُلِّهِ إِمَامٌ فِي مَسْجِدِهِ وَمُدَرِّسٌ فِي مَدْرَسَتِهِ وَأُسْتَاذٌ فِي جَامِعَتِهِ وَأَبٌ مُرَبٍّ فِي أُسْرَتِهِ.. فَتَضَافَرَتْ تِلْكَ الْأَسْبَابُ، وَاجْتَمَعَتْ تِلْكَ الْآلَامُ عَلَى نَفْسٍ ضَعِيفَةٍ لَمْ تَتَأَصَّلْ بِأُصُولِ الْإِيمَانِ وَلَمْ تَتَرَبَّ عَلَى تَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ وَالْآلَامِ.. فَضَاقَتْ بِذَلِكَ كُلِّهِ نُفُوسُ أَحْدَاثٍ وَغِلْمَانٍ.. وَاسْوَدَّتِ الْحَيَاةُ فِي وُجُوهِ آبَاءٍ وَأَقْوَامٍ.. فَضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ.. وَاسْتَوْحَشَتْهُمُ الْغُمُومُ وَالْآلَامُ، فَلَمْ يَرَوْا مَخْلَصًا مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ (إِلَّا الْمَوْتَ!). فَأَلْقَى الْمُنْتَحِرُ بِنَفْسِهِ فِي أَتُّونِهِ، بِلَا تَرَيُّثٍ وَلَا مُبَالَاةٍ، حَيْثُ ظَنَّ الْبَائِسُ الْمِسْكِينُ أَنَّهَا آلَامُ لَحْظَةٍ أَوْ سَاعَةٍ ثُمَّ تَنْقَضِي بَعْدَهَا جَمِيعُ الْهُمُومِ وَالْأَحْزَانِ، فَإِذَا بِهَا تُخَلِّفُ وَرَاءَهَا آلَامًا وَهُمُومًا وَأَحْزَانًا. فَمَا أَحْوَجَنَا إِلَى أَنْ نَتَدَارَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ قَبْلَ فَدَاحَةِ الْخَطْبِ وَزِيَادَةِ الْأَمْرِ، بِمُرَاجَعَةٍ دَقِيقَةٍ وَوَقْفَةٍ مُتَأَنِّيَةٍ، لِنَنْظُرَ فِي أَحْوَالِنَا وَلِنُؤَصِّلَ مُعْتَقَدَاتِنَا، وَلِنُعَالِجَ مَشَاكِلَنَا وَنَسْتَدْرِكَ أَخْطَاءَنَا، قَبْلَ أَنْ نُفَاجَأَ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ بِمُنْتَحِرٍ يَفْجَعُنَا مِنْ دَاخِلِ بُيُوتِنَا!، أَوْ فِي حَيٍّ مِنْ أَحْيَائِنَا! أَوْ فِي بَعْضِ أقَارِبِنَا وَجِيرَانِنَا! وَالْمَسْئُولِيَّةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ جَمَاعِيَّةٌ لَا فَرْدِيَّةٌ، لِأَنَّ الْمُنْتَحِرَ لَمْ يَقْتُلْ نَفْسَهُ فِي حَالَةٍ مِنَ الْهُدُوءِ وَالْأَرْيَحِيَّةِ، وَإِنَّمَا حَالَ تَذَبْذُبٍ وَاضْطِرَابٍ، أَوْصَلَهُ إِلَيْهَا مُجْتَمَعٌ مُتَفَكِّكٌ وَعَقَائِدُ فَاسِدَةٌ وَأُسَرٌ مُتَحَلِّلَةٌ، وَلَا مَخْرَجَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَّا.. (بِإِعَادَةِ النَّظَرِ فِي كَيْفِيَّةِ التَّعَامُلِ مَعَ مَشَاكِلِنَا الْحَيَاتِيَّةِ وَأُصُولِنَا التَّرْبَوِيَّةِ وَخِلَافَاتِنَا الْمُجْتَمَعِيَّةِ وَمُعَامَلَاتِنَا الْأُسْرِيَّةِ، وَكَيْفِيَّةِ مُوَاجَهَةِ أَزَمَاتِنَا النَّفْسِيَّةِ). لِأَنَّ مَرْدُودَ ذَلِكَ كُلِّهِ يَعُودُ عَلَى الْفَرْدِ سَلْبًا أَوْ إِيجَابًا، اسْتِقْرَارًا أَوِ اضْطِرَابًا، تَمَاسُكًا وَارْتِفَاعًا، أَوْ تَبَايُنًا وَانْهِيَارًا. * * * أَهَمِّيَّةُ النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ فِي الشَّرَائِعِ السَّمَاوِيَّةِ لَقَدْ أَعْلَتِ الشَّرِيعَةُ مِنْ قِيمَةِ النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ، حَتَّى جَعَلَتْ بَقَاءَ الْحَيَاةِ الْإِنْسَانِيَّةِ فِي بَقَائِهَا، وَفَنَاءَ الْحَيَاةِ الْإِنْسَانِية فِي فَنَائِهَا. قَالَ تَعَالَى: ﴿ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ﴾( ). وَإِنَّ الْمُتَدَبِّرَ فِي آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ يَجِدُ أَنَّهَا قَدْ أَعْطَتْ أَهَمِّيَّةً كُبْرَى لِضَرُورَةِ الْحِفَاظِ عَلَى النَّفْسِ، فَأَمَرَتْنَا بِأَنْ نُحَافِظَ عَلَى أَنْفُسِنَا وَلَا نَقْتُلَهَا، وَالِانْتِحَارُ جَرِيمَةٌ كُبْرَى وَسُوءُ خَاتِمَةٍ، بِسَبَبِهَا يُعَرِّضُ الْمُنْتَحِرُ نَفْسَهُ لِعُقُوبَةِ اللهِ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ﱩ ﱪ ﱫﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﴾( ). وَالسُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ تَحْتَرِمُ النَّفْسَ الْإِنْسَانِيَّةَ، وَتُعْلِي مِنْ شَأْنِهَا، وَتُحَرِّمُ قَتْلَهَا أَوْ إِيذَاءَهَا انْطِلَاقًا مِنْ تَعَالِيمِ الرَّسُولِ  وَتَوْجِيهَاتِهِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي نَهَتْ عَنْ الِانْتِحَارِ، وَشَدَّدَتِ الْوَعِيدَ لِمَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ، أَوْ يُسْهِمُ فِيهِ بِأَيِّ شَكْلٍ مِنَ الْأَشْكَالِ. وَقَدْ دَلَّتِ النَّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ مِنْ كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ  أَنَّ ‌الِانْتِحَارَ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ عِنْدَ اللهِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ  قَالَ: «مَن تَرَدَّى مِن جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهو في نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فيه خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَن تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ في يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَن قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ في يَدِهِ يَجَأُ بِهَا في بَطْنِهِ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا»( ). وَعَنْهُ أَيْضًا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : «الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ، وَالَّذِي يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ»( ). وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ: أَنَّ النَّبِيَّ  قَالَ: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا، عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»( ). وَالْمُنْتَحِرُ مَصِيرُهُ إِلَى النَّارِ، وَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ، فَعَنْ جُنْدُبٍ  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : «كَانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ اللَّهُ: بَدَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»( ). * * * ضَرُورَةُ تَضَافُرِ جُهُودِ الْمُجْتَمَعِ لِلْحَيْلُولَةِ دُونَ وُقُوعِ الِانْتِحَارِ إِنَّ قَضِيَّةَ الِانْتِحَارِ قَضِيَّةٌ عَامَّةٌ تَحْتَاجُ إِلَى الِاهْتِمَامِ الْعَامِّ مِنْ قِبَلِ الْعَدِيدِ مِنَ الْمُؤَسَّسَاتِ الدِّينِيَّةِ وَالْعِلْمِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ الطِّبِّيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ، وَبِخَاصَّةٍ مَعَ تَفَاقُمِ هَذِهِ الْمُشْكِلَةِ وَزِيَادَتِهَا وَتَعَدُّدِ أَشْكَالِهَا وَاخْتِلَافِ الْأَسَالِيبِ وَتَكْرَارِ الْوَسَائِلِ الْمُسْتَخْدَمَةِ فِي مُحَاوَلَاتِ الِانْتِحَارِ. مِثْلُ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ يَجِبُ أَنْ تُدْرَسَ وَيُبْحَثَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا مُشْكِلَةٌ حَقِيقِيَّةٌ تُعَانِي مِنْهَا الْمُجْتَمَعَاتُ عَامَّةً وَالْمُجْتَمَعُ الْمِصْرِيُّ خَاصَّةً. وَلَعَلَّ أَهَمَّ الْأَسْبَابِ الَّتِي أَدَّتْ إِلَى ظُهُورِ مِثْلِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ فِي الْمُجْتَمَعَاتِ عَامَّةً وَفِي الْمُجْتَمَعِ الْمِصْرِيِّ خَاصَّةً هُوَ «الْفَشَلُ فِي الْحَيَاةِ، أَوِ التَّعَرُّضُ لِضُغُوطَاتٍ عَدِيدَةٍ بِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا، أَوِ التَّعَرُّضُ لِلْعُنْفِ بِأَشْكَالِهِ كَافَّةً، أَوْ قَدْ تَكُونُ أَسْبَابًا مَرَضِيَّةً نَفْسِيَّةً أَوْ جِسْمِيَّةً». وَتُعَدُّ مُشْكِلَةُ الِانْتِحَارِ مِنَ الْمَشَاكِلِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي أَيِّ مُجْتَمَعٍ تَتَفَشَّى فِيهِ، وَأَنَّهَا تُهَدِّدُ بَقَاءَ أَيِّ مُجْتَمَعٍ؛ لِأَنَّهَا تُؤَدِّي إِلَى تَفَشِّي دَاءِ الِاسْتِهَانَةِ بِقِيمَةِ النَّفْسِ وَضَرُورَةِ الْحِفَاظِ عَلَيْهَا( ). وَالشَّرَائِعُ السَّمَاوِيَّةُ تَأْمُرُ بِالْحِفَاظِ عَلَى النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ؛ فَهِيَ أَمَانَةٌ وَمَسْئُولِيَّةٌ وَالِاعْتِدَاءُ عَلَيْهَا جَرِيمَةٌ «فَاتَّفَقَتْ سَائِرُ الْمِلَلِ عَلَى أَنَّ الشَّرِيعَةَ وُضِعَتْ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى هَذِهِ الضَّرُورِيَّاتِ الْخَمْسِ؛ وَهِيَ: الدِّينُ، وَالنَّفْسُ، وَالْعَقْلُ، وَالنَّسْلُ، وَالْمَالُ، وَعِلْمُهَا عِنْدَ الْأُمَّةِ كَالضَّرُورِيِّ»( ). * * * الْإِحْصَائِيَّاتُ الْعَالَمِيَّةُ لِعَدَدِ الْمُنْتَحِرِينَ وَقَدْ أَعْلَنَتِ التَّقَارِيرُ الْبَحْثِيَّةُ الصَّادِرَةُ عَنِ الْهَيْئَاتِ الصِّحِّيَّةِ الْمُتَخَصِّصَةِ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَعْوَامٍ: أَنَّهُ يَنْتَحِرُ كُلَّ عَامٍ أَكْثَرُ مِنْ 700.000 شَخْصٍ! وَتُقَابِلُ كُلَّ حَالَةِ انْتِحَارٍ حَالَاتٌ أُخْرَى مِنْ مُحَاوَلَاتِ الِانْتِحَارِ تَمَّ إِسْعَافُهَا أَوْ مَنْعُهَا مِنَ التَّمَادِي فِي أَسْبَابِهِ تَزِيدُ عَلَى هَذَا الْعَدَدِ عَشْرَ مَرَّاتٍ، وَقَدْ تَصِلُ إِلَى عِشْرِينَ ضِعْفًا فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ! وَمُحَاوَلَةُ الِانْتِحَارِ مِنْ قَبْلُ هِيَ الْعَامِلُ الْوَحِيدُ الْأَهَمُّ الَّذِي يَزِيدُ مِنَ احْتِمَالِ الْإِقْدَامِ مَرَّةً أُخْرَى عَلَى الِانْتِحَارِ لَدَى الْمُنْتَحِرِينَ. وَحَالَاتُ الِانْتِحَارِ تَزِيدُ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً عَلَى حَالَاتِ الْقَتْلِ فِي الْحُرُوبِ وَالْمُشَاحَنَاتِ، وَهُوَ رَابِعُ سَبَبٍ لِلْوَفَاةِ عِنْدَ الْأَشْخَاصِ الَّذِينَ تَتَرَاوَحُ أَعْمَارُهُمْ بَيْنَ 15 و19 عَامًا. 77% مِنْ حَالَاتِ الِانْتِحَارِ فِي الْعَالَمِ تَحْدُثُ فِي الْبُلْدَانِ الْمُنْخَفِضَةِ وَالْمُتَوَسِّطَةِ الدَّخْلِ. وَيُعْتَبَرُ ابْتِلَاعُ الْمُبِيدَاتِ، وَالشَّنْقُ وَالْأَسْلِحَةُ النَّارِيَّةُ مِنْ بَيْنِ الْأَسَالِيبِ الْأَكْثَرِ شُيُوعًا لِلِانْتِحَارِ عَلَى مُسْتَوَى الْعَالَمِ، فَفِي كُلِّ عَامٍ يَضَعُ 1.576.800 شَخْصٍ نِهَايَةً لِحَيَاتِهِ، بِمُعَدَّلِ حَالَةِ انْتِحَارِ كُلَّ 20 ثَانِيَةً!! وَذَلِكَ مِنْ خِلَالِ آخِرِ الْإِحْصَائِيَّاتِ، وَبَيْدَ أَنَّ أَرْقَامَ حَالَاتِ مُحَاوَلَاتِ الِانْتِحَارِ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، وَتُخَلِّفُ كُلُّ حَالَةِ انْتِحَارٍ مَأْسَاةً تُؤَثِّرُ عَلَى الْأُسَرِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ وَالْبُلْدَانِ بِأَكْمَلِهَا وَتَتَرَتَّبُ عَنْهَا آثَارٌ طَوِيلَةُ الْأَمَدِ عَلَى ذَوِي الشَّخْصِ الْمُنْتَحِرِ، وَيَحْدُثُ الِانْتِحَارُ فِي أَيِّ مَرْحَلَةٍ مِنْ مَرَاحِلِ الْعُمُرِ( ). وَلَا يَحْدُثُ الِانْتِحَارُ فِي الْبُلْدَانِ الْمُرْتَفِعَةِ الدَّخْلِ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ ظَاهِرَةٌ تَحْدُثُ فِي جَمِيعِ أَقَالِيمِ الْعَالَمِ، وَالْوَاقِعُ أَنَّ أَكْثَرَ مِنْ 79% مِنْ حَالَاتِ الِانْتِحَارِ الْعَالَمِيَّةِ فِي عَامِ 2019 حَدَثَتْ فِي الْبُلْدَانِ الْمُنْخَفِضَةِ وَالْمُتَوَسِّطَةِ الدَّخْلِ( ). * * * تَعْرِيفُ الِانْتِحَارِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا وَالِانْتِحَارُ -كَمَا جَاءَ فِي «لِسَانِ الْعَرَبِ»-: هُوَ إِصَابَةُ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ بِقَصْدِ إِفْنَائِهَا. وَيُقَالُ: إِنَّ الِانْتِحَارَ هُوَ الْإِجْهَازُ عَلَى النَّفْسِ بِأَيِّ طَرِيقَةٍ كَانَتْ. وَيُقَالُ: انْتَحَرَ الرَّجُلُ أَيْ نَحَرَ نَفْسَهُ وَقَتَلَهَا( ). وَقَدْ عَرَّفَهُ بَعْضُ الْبَاحِثِينَ الْعَرَبِ بِأَنَّهُ: «هُوَ كُلُّ فِعْلٍ يَقُومُ بِهِ صَاحِبُهُ لِقَتْلِ نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ، وَقَدْ تَمَّ لَهُ ذَلِكَ وَانْتَهَتْ حَيَاتُهُ بِذَلِكَ نَتِيجَةً لِهَذِهِ الْأَفْعَالِ» ( ). وَالِانْتِحَارُ أَكْثَرُ شُيُوعًا مِنَ الْقَتْلِ فِي مُعْظَمِ بُلْدَانِ الْعَالَمِ - وَغَالِبًا مَا يَكُونُ أَعْلَى مِنْ حَوَادِثِ الْقَتْلِ مِنْ عَشْرَةٍ إِلَى عِشْرِينَ مَرَّةً. * * * هَمْسَةٌ فِي أُذُنِ مَنْ سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ بِالِانْتِحَارِ وَمِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ دِينُ الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ، وَيُلَبِّي رَغَبَاتِ الْبَشَرِ، وَيُوَجِّهُ طُمُوحَاتِهِمْ لِمَا فِيهِ خَيْرُهُمْ وَسَعَادَتُهُمْ، وَيُعَدُّ تَزَايُدُ نِسْبَةِ الِانْتِحَارِ فِي مُجْتَمَعِنَا أَمْرًا طَارِئًا وَمُسْتَغْرَبًا، فَحُبُّ النَّفْسِ غَرِيزَةٌ وَضَعَهَا اللهُ  فِي نَفْسِ الْإِنْسَانِ لِتَكُونَ يَنْبُوعَ الْعَمَلِ وَمَبْعَثَ الْحَرَكَةِ وَمَطْلَعَ شَمْسِ الْمَدَنِيَّةِ وَالْعُمْرَانِ، وَالْمُنْتَحِرُ يُبْغِضُ نَفْسَهُ بِأَشَدَّ مِمَّا يُبْغِضُ الْإِنْسَانُ أَعْدَى أَعْدَائِهِ، فَهُوَ شَاذٌّ فِي طَبِيعَتِهِ، غَرِيبٌ فِي خَلْقِهِ، مُعَانِدٌ لِإِرَادَةِ اللهِ تَعَالَى فِي حَيَاةِ الْكَوْنِ وَعُمْرَانِهِ، وَمَنْ كَانَ هَذَا شَأْنَهُ كَانَ بِلَا قَلْبٍ وَلَا عَقْلٍ( ). فَمَهْلًا أَيُّهَا الْمُقْدِمُ عَلَى الِانْتِحَارِ... فَالِانْتِحَارُ مُنْتَهَى مَا تَصِلُ إِلَيْهِ النَّفْسُ مِنَ الْجُبْنِ وَالْخَوَرِ، وَمَا يَصِلُ إِلَيْهِ الْعَقْلُ مِنَ الِاضْطِرَابِ وَالْهَوَسِ، وَأَحْسَبُ أَلَّا يُقْدِمَ الْإِنْسَانُ عَلَى ‌الِانْتِحَارِ وَفِي نَفْسِهِ ذَرَّةٌ مِنَ الْعَزْمِ، أَوْ فِي عَقْلِهِ لَمْحَةٌ مِنَ الْحَزْمِ. * * * لَا عُذْرَ لِلْمُنْتَحِرِ فِي انْتِحَارِهِ.. مَهْمَا امْتَلَأَ قَلْبُهُ مِنَ الْهَمِّ وَنَفْسُهُ مِنَ الْأَسَى، وَمَهْمَا أَلَمَّتْ بِهِ كَوَارِثُ الدَّهْرِ وَنَزَلَتْ بِهِ ضَائِقَاتُ الْعَيْشِ؛ فَإِنَّ مَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ أَشَدُّ مِمَّا فَرَّ مِنْهُ، وَمَا خَسِرَهُ أَضْعَافُ مَا كَسَبَهُ، وَلَوْ كَانَ ذَا عَقْلٍ لَعَلِمَ أَنَّ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ تَجْمَعُ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ جَمِيعَ مَا تَفَرَّقَ مِنْ آلَامِ النُّفُوسِ وَشَدَائِدِهَا، وَأَنَّ قَضَاءَ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ فِيمَا أَعَدَّ اللهُ لِقَاتِلِ نَفْسِهِ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ الدَّائِمِ أَشَدُّ مِمَّا يَتَعَرَّضُ لَهُ الْعَالَمُ كُلُّهُ مِنْ مَشَاقَّ وَآلَامٍ. وَإِنَّ فِكْرَةَ ‌الِانْتِحَارِ نَزْغَةٌ مِنْ نَزَغَاتِ النَّفْسِ وَخَطْرَةٌ مِنْ خَطَرَاتِ الشَّيْطَانِ، فَمَنْ حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ بِقَتْلِ نَفْسِهِ فَلْيَتَمَهَّلْ رَيْثَمَا يَتَبَيَّنُ كَيْفَ يَكُونُ صَبْرُهُ عَلَى احْتِمَالِ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ وَآلَامِ النَّزْعِ، وَكَيْفَ يَكُونُ حَدِيثُ النَّاسِ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ بَيْنَهُمْ عَاذِرٌ لَهُ؟ أَوْ سَاكِتٌ عَنْ ازْدِرَائِهِ وَاحْتِقَارِهِ وَرَمْيِهِ بِالْعَتَهِ وَالْجُنُونِ؟؟ وَلْيَسْتَحْضِرْ فِي مُخَيِّلَتِهِ أَشْكَالَ الْعَذَابِ وَأَلْوَانَ الْعِقَابِ الَّتِي أَعَدَّهَا اللهُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ لِأَمْثَالِهِ، ثُمَّ لْيَنْظُرْ أَيَرْتَكِبُ جَرِيمَةَ ‌الِانْتِحَارِ؟ لَا أَظُنُّهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَاعِلًا إِلَّا إِذَا كَانَ وَحْشًا فِي ثَوْبِ إِنْسَانٍ، أَوْ بَطَلًا مِنْ أَبْطَالِ الْبِيمَارِسْتَان( ). أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ هُمْ أَبْعَدُ النَّاسِ عَنِ الِانْتِحَارِ وَأَبْعَدُ النَّاسِ عَنْ قَتْلِ النَّفْسِ أَهْلُ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ، فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ ‌الِانْتِحَارَ جُبْنًا وَضَعْفًا فِي الْعَزِيمَةِ، وَوَهَنًا فِي الْهِمَّةِ. وَهُمْ إِذَا لَمْ يَبْلُغُوا مُنَاهُمْ عَادُوا فَأَمِلُوا، وَإِذَا زَالَتْ نِعْمَةٌ كَانُوا يَرْفُلُونَ فِي حُلَلِهَا قَنِعُوا بِآثَارِهَا، وَإِنْ فَقَدُوا مَالًا فَالْمَالُ أَدْنَى مَا يَتَطَلَّبُونَ، وَإِنْ نَالَهُمْ أَسْرٌ عَلِمُوا بِأَنَّ: لِكُلِّ شَيْءٍ مُدَّةٌ وَتَنْقَضِي مَا غَلَبَ الْأَيَّامَ إِلَّا مَنْ رَضِي وَهُمْ أَشَدُّ النَّاسِ إِحْجَامًا عَنِ الذُّنُوبِ، فَأَنَّى لَهُمْ أَنْ يُجْرِمُوا فَيَحْتَوِيَهِمُ الْقُنُوطُ؟ وَأُرِيدُ بِأَهْلِ الْحِكْمَةِ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَالُوا مِنَ الْعِلْمِ مَنَالًا كَبِيرًا، فَأَسْفَرَتْ لَهُمْ الْحَقِيقَةُ، وَعَلِمُوا بِخُلُودِ النَّفْسِ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ( ). * * * مِنْ أَيْنَ أَتَتْ إِلَيْنَا ظَاهِرَةُ الِانْتِحَارِ؟ إِنَّ ‌الِانْتِحَارَ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَبْدَأٌ فَاسِدٌ وَعَادَةٌ مُسْتَهْجَنَةٌ رَمَتْنَا بِهَا «الْمَدَنِيَّةُ الْغَرْبِيَّةُ» فِيمَا رَمَتْنَا بِهِ مِنْ مَفَاسِدِهَا وَآفَاتِهَا، وَلَقَدْ كُنَّا نَعْجَبُ قَبْلَ الْيَوْمِ مِنْ تَهَالُكِ الْمِصْرِيِّينَ عَلَى حُبِّ تَقْلِيدِ الْغَرْبِيِّينَ حَتَّى فِيمَا يُؤْذِيهِمْ فِي مَالِهِمْ أَوْ عِرْضِهِمْ وَصِحَّتِهِمْ! أَوْ كُنَّا إِذَا أَرَدْنَا الْمُبَالَغَةَ فِي تَمْثِيلِ هَذَا التَّهَالُكِ قُلْنَا: يُوشِكُ أَنْ يَقْتُلَ الْمِصْرِيُّ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ إِذَا عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ عَادَةٌ مِنَ الْعَادَاتِ الْغَرْبِيَّةِ( ) فَصَارَ ذَلِكَ وَاقِعًا مَعِيشًا نَرَاهُ وَنَسْمَعُ بِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ! * * * سَبِيلُ التَّخَلُّصِ مِنْ «وَسْوَاسِ الِانْتِحَارِ» إِنَّ الصَّبْرَ عَلَى الْمَكَارِهِ مِنْ عَلَامَاتِ قُوَّةِ الْعَزِيمَةِ، وَالْجَزَعَ وَالْيَأْسَ مِنْ صِفَاتِ أَهْلِ الضَّعْفِ وَالْخَوَرِ، فَالْعَاقِلُ مَنْ رَضِيَ بِالْعَيْشِ حُلْوِهِ وَمُرِّهِ، وَقَابَلَ الشَّدَائِدَ بِعَزِيمَةٍ ثَابِتَةٍ وَجَنَانٍ قَوِيٍّ، عِلْمًا بِأَّن الْأُمُورَ بِيَدِ اللهِ، وَأَنَّ الْعُسْرَ يَعْقُبُهُ الْيُسْرُ، وَالضِّيقَ يَأْتِي بَعْدَهُ الْفَرَجُ، وَالْفَقْرَ يَزُولُ بِالْغِنَى؛ لَا دَوَامَ لِحَالٍ وَلَا اسْتِمْرَارَ. فَمَنْ حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ بِالِانْتِحَارِ لِضِيقِ مَعِيشَتِهِ، أَوْ مَرَضٍ طَالَتْ مُدَّتُهُ؛ أَوْ إِخْفَاقٍ فِي امْتِحَانٍ، أَوْ ضَيَاعِ مَالٍ، أَوْ فَقْدِ حَبِيبٍ فَيَسْعَى لِلتَّخَلُّصِ مِنَ الْحَيَاةِ بِأَنْ يُلْقِيَ نَفْسَهُ مِنْ جَبَلٍ، أَوْ يَتَنَاوَلَ سُمًّا، أَوْ يَبْقُرَ بَطْنَهُ بِمُدْيَةٍ أَوْ خِنْجَرٍ؛ أَوْ يُطْلِقَ عَلَى رَأْسِهِ الرَّصَاصَ، أَوْ يَرْمِيَ بِنَفْسِهِ تَحْتَ قِطَارٍ فَلا يَظُنَّ أَنَّهُ بِذَلِكَ قَدْ نَجَا وَتَخَلَّصَ مِنَ الْعَذَابِ بَلْ تَعَرَّضَ لِعَذَابٍ طَوِيلِ الْأَمَدِ، شَدِيدِ الْأَلَمِ بِمَا قَتَلَ بِهِ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا، فَلَا هُوَ أَبْقَى عَلَى حَيَاتِهِ وَلَا هُوَ بِالنَّاجِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَذَابِ اللهِ. فَالْحَازِمُ الْمُفَكِّرُ، وَالْبَصِيرُ الْمُتَدَبِّرُ لَا يَسْتَسْلِمُ لِلْيَأْسِ، وَلَا يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ وَلَا يَلْجَأُ إِلَى مِثْلِ هَذِهِ النَّقَائِصِ، بَلْ يُثَابِرُ وَيَصْبِرُ، وَيَكِلُ إِلَى اللهِ تَصْرِيفَ الْأُمُورِ، فَالْمَرِيضُ يُشْفَى، وَمَنْ رَسَبَ فِي الِامْتِحَانِ هَذَا الْعَامَ فَقَدْ يَنْجَحُ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ، وَمَنْ نَزَلَتْ بِهِ كَارِثَةٌ فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَالِهِ فَإِنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُزِيلَهَا وَيُعَوِّضَهُ خَيْرًا مِنْهَا( ). * * * بَوَاعِثُ وَأَسْبَابُ الِانْتِحَارِ وَالِانْتِحَارُ لَا يَعْمِدُ الْمَرْءُ إِلَيْهِ حَتَّى تَضِيقَ بِهِ الدُّنْيَا أَوْ تَضِيقَ بِهِ نَفْسُهُ، وَلَا يَبْعَثُ الْإِنْسَانَ عَلَى ‌الِانْتِحَارِ بَاعِثٌ أَشَدُّ مِنْ ضَيَاعِ أَمَلٍ لَهُ كَانَ يُعَلِّلُ بِهِ قَلْبَهُ، أَوْ نِعْمَةٍ زَالَتْ كَانَ يَمْرَحُ فِي نَعِيمِهَا، أَوْ مَالٍ فَقَدَهُ عَلَى غَيْرِ رَغْبَةٍ مِنْهُ، أَوْ أَسْرٍ وَقَعَ فِيهِ وَهُوَ لَا يَرْجُو مِنْه فَكَاكًا، أَوْ ذَنْبٍ جَنَاهُ وَلَا يَرَى لَهُ مِنَ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ خَلَاصًا، أَوْ غَرَامٍ كَوَى فُؤَادَهُ وَهُوَ لَا يَرْجُو أَنْ يُطْفِئَ نَارَهُ بِمَاءِ الْوِصَالِ. وَهُنَاكَ بَاعِثٌ أَشَدُّ مِنْ تِلْكَ الْبَوَاعِثِ وَأَعْنِي بِهِ «سُوءَ التَّرْبِيَةِ وَنَقْصَ التَّهْذِيبِ»، فَإِنَّ النَّفْسَ السَّاذَجَةَ كَالسَّيْفِ الْبَتَّارِ الَّذِي أَغْفَلَتْهُ الصَّيَاقِلُ أَوْ كَالْحَجَرِ الْكَرِيمِ وَلَا يَبْدُو بَهَاؤُهَا حَتَّى يُزِيلَ صَدَأَهُ الْعَامِلُ الْحَاذِقُ فَيَبْهَرَ الْأَبْصَارَ بِنُورِهِ، وَالتَّهْذِيبُ يُصْقِلُ النُّفُوسَ وَيُظْهِرُ الْفَضِيلَةَ الْكَامِنَةَ. وَإِنَّكَ تَرَى أَخَا الْجَهْلِ إِذَا ثَارَتْ بِرَأْسِهِ ثَوْرَةُ الْغَضَبِ وَلَمْ يَكُنْ الِانْتِقَامُ طَوْعَ بَنَانِهِ، أَوْ أَحَبَّ حُبًّا أَخَذَ بِرُشْدِهِ وَغَشَّى عَلَى بَصِيرَتِهِ وَلَمْ يَنَلْ أَرَبَهُ، أَوْ فَقَدَ مَالًا قَلِيلًا تَعِبَ فِي الْحُصُولِ عَلَيْهِ، يَضِيقُ بِهِ عَقْلُهُ وَيَقْتُلُ نَفْسَهُ بِيَدِهِ( ). مَظَاهِرُ الْمَدَنِيَّةِ وَدَوَاعِي الِانْتِحَارِ وَالِانْتِحَارُ دَاءٌ مِنْ أَدْوَاءِ الْمَدَنِيَّةِ: قَالَ ابْنُ خَلْدُونَ: «إِنَّ الْبَدَاوَةَ أَقْرَبُ إِلَى الْخَيْرِ مِنَ الْحَضَارَةِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ النَّفْسَ إِذَا كَانَتْ عَلَى الْفِطْرَةِ الْأُولَى كَانَتْ مُتَهَيِّئَةً لِقَبُولِ مَا يَرِدُ عَلَيْهَا وَيَنْطَبِعُ فِيهَا مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَأَهْلُ الْحَضَرِ لِكَثْرَةِ مَا يُعَانُونَ مِنْ فُنُونِ الْمَلَاذِّ وَعَوَائِدِ التَّرَفِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى الدُّنْيَا وَالْعُكُوفِ عَلَى شَهَوَاتِهِمْ مِنْهَا قَدْ تَلَوَّثَتْ أَنْفُسُهُمْ بِكَثِيرٍ مِنْ مَذْمُومَاتِ الْخُلُقِ، وَبَعُدَتْ عَلَيْهِمْ طُرُقُ الْخَيْرِ ومَسَالِكُهُ. وَأَهْلُ الْبَدْوِ وَإِنْ كَانُوا مُقْبِلِينَ عَلَى الدُّنْيَا مِثْلَهُمْ فَإِنَّهُ فِي الْمِقْدَارِ الضَّرُورِيِّ لَا فِي التَّرَفِ، وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ أَسْبَابِ الشَّهَوَاتِ وَاللَّذَّاتِ وَدَوَاعِيهَا، فَعَوَائِدُهُمْ فِي مُعَامَلَاتِهِمْ»( ). * * * أَنْوَاعُ الِانْتِحَارِ وَأَشْكَالُهُ وَأَقْسَامُهُ * وَالِانْتِحَارُ يَنْقَسِمُ إِلَى نَوْعَيْنِ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: انْتِحَارٌ مُبَاشِرٌ: يُنَفَّذُ بِوَسَائِلَ مِثْلِ الشَّنْقِ، وَرَمْيِ الشَّخْصِ نَفْسَهُ مِنْ أَعْلَى سَطْحِ، وَإِطْلَاقِ النَّارِ، وَالطَّعْنِ بِسِكِّينٍ، وَشُرْبِ السُّمِّ، وَالْحَرْقِ وَالْغَرَقِ، وَتَنَاوُلِ الْعَقَاقِيرِ الطِّبِّيَّةِ. الْقِسْمُ الثَّانِي: انْتِحَارٌ غَيْرُ مُبَاشِرٍ: (لَا يَدْخُلُ ضِمْنَ إِحْصَائِيَّاتِ الِانْتِحَارِ) مِثْلَ تَعَاطِى الْمُخَدِّرَاتِ وَالْإِدْمَانِ عَلَيْهَا حَتَّى الْمَوْتِ، وَالسُّرْعَةِ الْقَاتِلَةِ عِنْدَ قِيَادَةِ السَّيَّارَاتِ وَالْحَوَادِثِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى ذَلِكَ، تَخَطِّي السَّيَّارَاتِ بِسُرْعَةٍ جُنُونِيَّةٍ أَثْنَاءَ الْقِيَادَةِ، مُمَارَسَةِ الْجِنْسِ دُونَ ضَوَابِطَ أَخْلَاقِيَّةٍ يَنْتُجُ عَنْهُ الْمَوْتُ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ، الْمُلَاكَمَةِ، وَالْمُصَارَعَةِ الْحُرَّةِ، وَمُصَارَعَةِ الثِّيرَانِ، وَالْمُسَابَقَاتِ بِالسَّيَّارَاتِ، وَالدَّرَّاجَاتِ النَّارِيَّةِ، إِلَى آخِرِ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُصَاحِبُهَا التَّفَاعُلَاتُ الْجُسْمَانِيَّةُِ الْعَنِيفَةُ، وَهُنَاكَ أَنْوَاعٌ أُخْرَى مِنَ الِانْتِحَارِ غَيْرِ الْمُبَاشِرِ. * * * عَوَامِلُ تَزَايُدِ الِانْتِحَارِ بَيْنَ «الْمُرَاهِقِينَ» وَهُنَاكَ عَدَدٌ مِنَ الْعَوَامِلِ الَّتِي تَرْتَبِطُ بِتَزَايُدِ خَطَرِ التَّعَرُّضِ لِلِانْتِحَارِ بَيْنَ الْمُرَاهِقِينَ: - الْمَرَضُ النَّفْسِيُّ: يَلْعَبُ الْمَرَضُ النَّفْسِيُّ دَوْرًا مُهِمًّا فِي مُعْظَمِ حَالَاتِ الِانْتِحَارِ لَدَى الْمُرَاهِقِينَ الَّذِينَ يُعَانُونَ مِنَ الِاضْطِرَابَاتِ الِانْفِعَالِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ. - الْمُحَاوَلَاتُ السَّابِقَةُ لِلِانْتِحَارِ: وَهِيَ تُعْتَبَرُ أَهَمَّ عَوَامِلِ الْخُطُورَةِ الَّتِي يَتَعَرَّضُ لَهَا الشَّخْصُ بِهَذَا الشَّأْنِ، فَمِنْ بَيْنِ 50- 80 مِنْ مُحَاوَلَاتِ الِانْتِحَارِ الَّتِي تَمَّتْ سَبَقَتْهَا مُحَاوَلَاتٌ أُخْرَى فِي الْبِدَايَةِ. - الظُّرُوفُ النَّفْسِيَّةُ: فَالْأَشْخَاصُ الَّذِينَ يُحَاوِلُونَ الِانْتِحَارَ يَمُرُّونَ عَادَةً بِتَوَتُّرٍ أَعْلَى فِي حَيَاتِهِمْ، وَخَسَائِرَ أَكْبَرَ وَتَغَيُّرَاتٍ أَكْثَرَ فِي أُسَرِهِمْ، مِمَّا يُؤَثِّرُ عَلَى حَالَتِهِمْ النَّفْسِيَّةِ. - عَدَمُ التَّوَازُنِ الْكِيميَائِيِّ: تُشِيرُ الدَّلَالَاتُ إِلَى عَلَاقَةِ الْمُرْسَلَاتِ الْعَصَبِيَّةِ بِالسُّلُوكِ الِانْتِحَارِيِّ، وَيَتَدَخَّلُ نَوْعَانِ مِنَ الْمُرْسَلَاتِ الْعَصَبِيَّةِ بِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ هُمَا السِّيرُوتُونِين وَالدُّوبَامِين، فَقَدِ اسْتَنْتَجَ الْبَاحِثُونَ وُجُودَ مُسْتَوَيَاتٍ مُنْخَفِضَةٍ مِنْ هَذَيْنِ الْمُنْتَجَيْنِ عِنْدَ الْمُنْتَحِرِينَ. * * * ‌‌الشَّجَاعَةُ وَأَثَرُهَا فِي عَظَمَةِ الْأُمَمِ فَفِي الدُّنْيَا لَذَّةٌ وَخَيْرٌ، وَفِي الدُّنْيَا أَلَمٌ وَشَرٌّ، وَفِي النُّفُوسِ طَبِيعَةُ الِارْتِيَاحِ وَالرَّغْبَةُ فِيمَا فِيهِ لَذَّةٌ أَوْ خَيْرٌ، وَطَبِيعَةُ النُّفُورِ وَالْخَوْفِ مِمَّا فِيهِ أَلَمٌ أَوْ شَرٌّ، وَعَلَى حَالِ الرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ تَقُومُ «فَضِيلَةُ الشَّجَاعَةِ»، وَرَذِيلَةُ الْجُبْنِ، ذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ فِي أَلَمٍ، أَوْ يَرْغَبُ فِي إِدْرَاكِ لَذَّةٍ، فَيَبْتَغِي الْوَسِيلَةَ إِلَى التَّخَلُّصِ مِنَ الْأَلَمِ، أَوْ الْوُصُولِ إِلَى اللَّذَّةِ. فَالشُّجَاعُ يَخَافُ مِنَ الْعَارِ الَّذِي يَلْحَقُهُ مِنَ احْتِمَالِ الضَّيْمِ، أَوْ يَرْغَبُ فِي أَنْ يُدْرِكَ مَجْدًا شَامِخًا، أَوْ ثَنَاءً فَاخِرًا، فَيُلْقِي بِنَفْسِهِ فِي مَوَاقِعِ الدِّفَاعِ، لَا يَلْوِي جَبِينَهُ عَنْ طِعَانٍ أَوْ نِضَالٍ. وَيَخَافُ الْجَبَانُ الْمَوْتَ، أَوْ يَرْغَبُ فِي نَعِيمٍ عَاجِلٍ، أَوْ زِينَةٍ، فَيَقْعُدُ مَعَ الْقَوَاعِدِ، وَلَا يُهِمُّهُ أَنْ تَزْدَرِيَهُ كُلُّ عَيْنٍ، أَوْ يَذُمَّهُ كُلُّ لِسَانٍ. إِذَا مَا الْفَتَى لَمْ يَبْغِ إِلَّا لِبَاسَهُ وَمَطْعَمَهُ فَالْخَيْرُ مِنْهُ بَعِيدُ وَلَيْسَ كُلُّ إِقْدَامٍ عَلَى الْمَوْتِ شَجَاعَةً، وَإِنَّمَا الشَّجَاعَةُ: الْإِقْدَامُ فِي الْمَوَاطِنِ الَّتِي يَنْبَغِي فِيهَا الْإِقْدَامُ، كَمَوَاقِفِ الدِّفَاعِ عَنِ النَّفْسِ، أَوِ الْعِرْضِ، أَوِ الدِّينِ، أَوِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ النَّاسِ، فَلَيْسَ بِالشُّجَاعِ ذَلِكَ الَّذِي يَحْمِلُ السِّلَاحَ، وَيَلْبَسُ ظَلَامَ اللَّيْلِ؛ لِيَسْفِكَ دَمًا مَعْصُومًا، أَوْ يَنْهَبَ مَالًا بِغَيْرِ حَقٍّ، وَإِنَّمَا هُوَ سَفَهُ الرَّأْيِ، وَقَسْوَةُ الْقَلْبِ، يَلْتَقِيَانِ، فَيَلِدَانِ بَغْيًا وَفَسَادًا فِي الْأَرْضِ. وَعُلَمَاءُ الْأَخْلَاقِ يُسَمُّونَ مِثْلَ هَذَا الْإِقْدَامَ: جَرَاءَةً وَتَهَوُّرًا( ). وَلَيْسَ بِالشُّجَاعِ ذَلِكَ الَّذِي يُفَاجِئُهُ مَكْرُوهٌ مِنْ نَحْوِ مَرَضٍ أَوْ خَيْبَةِ أَمَلٍ، فَيَسْوَدُّ فِي عَيْنِهِ وَجْهُ الْحَيَاةِ، وَيَرْتَكِبُ جَرِيمَةَ الِانْتِحَارِ؛ فَإِنَّ إِقْدَامَ الْمُنْتَحِرِ عَلَى الْمَوْتِ إِنَّمَا هُوَ أَثَرُ ضَعْفِ النَّفْسِ، وَفَقْدِ الْعَزْمِ الَّذِي يُعِدُّهُ عُظَمَاءُ الرِّجَالِ لِمَا يَعْرِضُ لَهَمْ مِنَ الشَّدَائِدِ. وَمِنْ هُنَا قَالَ أَرِسْطُو فِي كِتَابِ الْأَخْلَاقِ: «إِنَّ الْإْقِدَامَ عَلَى الِانْتِحَارِ خَلِيقٌ بِأَنْ يُسَمَّى: جُبْنًا، دُونَ أَنْ يُسَمَّى: شَجَاعَةً». وَإِذَا كَانَ الْإِقْدَامُ عَلَى الْمَوْتِ وَنَحْوِهِ قَدْ يُسَمَّى: تَهَوُّرًا، وَقَدْ يُسَمَّى: جُبْنًا، فَالشَّجَاعَةُ إِنَّمَا هِيَ الْإِقْدَامُ الصَّادِرُ عَنْ رَوِيَّةٍ وَحِكْمَةٍ. يَنْظُرُ حَكِيمُ الرَّأْيِ إِلَى مَا قَدْ يَلْحَقُهُ فِي مَوَاطِنِ الدِّفَاعِ مِنْ نَحْوِ مُصِيبَةِ الْمَوْتِ، وَيَزِنُهُ بِمَا يَلْحَقُهُ عِنْدَ الْإِحْجَامِ مِنْ نَحْوِ الذُّلِّ وَالْهَوَانِ، فَيَبْدُو لَهُ أَنَّ الْإِحْجَامَ لَا يَمْنَعُ مِنَ الْمَوْتِ. وَمَنْ لَمْ يَمُتْ بِالسَّيْفِ مَاتَ بِغَيْرِهِ تَنَوَّعَتِ الْأَسْبَابُ وَالْمَوْتُ وَاحِدُ وَإِنَّ الْعَارَ وَالْهَوَانَ يُمْكِنُ اتِّقَاؤُهُمَا بِالْإِقْدَامِ وَالثَّبَاتِ، فَيَكُونُ الْإِقْدَامُ فِي نَظَرِهِ أَرْجَحَ مِنَ الْإِحْجَامِ، قَالَ قَطَرِيُّ بْنُ الْفُجَاءَةِ: وَمَا لِلْمَرْءِ خَيْرُ فِي حَيَاةٍ إِذَا مَا عُدَّ مِنْ سَقَطِ الْمَتَاعِ وَقَدْ يَعْتَدِي عَلَى الرَّجُلِ طَائِفَةٌ مِنْ عَشِيرَتِهِ أَوْ قَوْمِهِ، فَيَنْظُرُ إِلَى اللَّذَّةِ الَّتِي قَدْ يُدْرِكُهَا بِالِانْتِقَامِ مِنْهَا، وَيَقِيسُهَا بِالضَّرَرِ الَّذِي يَلْحَقُهُ مِنْ هَذَا الِانْتِقَامِ، فَيَبْدُو لَهُ أَنَّ لَذَّةَ الِانْتِقَامِ عَرَضٌ زَائِلٌ، وَأَنَّ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى حَرْبِهِمْ تَوْسِيعًا لِدَائِرَةِ الشَّرِّ فَيُحْجِمُ عَنْ ذَلِكَ مُرُوءَةً»( ). الْخَاتِمَةُ إِلَى كُلِّ مَنْ يُرَاوِدُهُ تَفْكِيرُهُ إِلَى الِانْتِحَارِ، فَصَارَ فِي مُخَيِّلَتِهِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، التُّؤَدَةَ التُّؤَدَةَ، رُوَيْدًا رُوَيْدًا، فَلَسْتَ وَحْدَكَ الَّتِي تَأَزَّمْتَ بَيْنَ يَدَيْكَ الْأُمُورُ، وَضَاقَتْ عَلَيْكَ الصُّدُورُ، وَتَبَدَّدَتْ أَمَامَ نَاظِرَيْكَ الْأَحْلَامُ، وَانْهَارَتْ فِي طَرِيقِكَ الطُّمُوحَاتُ والْآمَالُ، فَالْمُجْتَمَعُ مِنْ حَوْلِكَ مَلِيءٌ بِمَنْ هُوَ أَشَدُّ مُعَانَاةً مِنْ مُعَانَاتِكَ، وَأَعْظَمُ فِي مُصَابِهِ مِنْ مُصَابِكَ وَابْتِلَاءَاتِكَ، وَلَكِنْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ ضَعْفُ نَفْسِكَ وَقُوَّةُ نَفْسِهِ، وَاضْطِرَابُكَ وَخَوَرُكَ وَثَبَاتُهُ وَيَقِينُهُ، فَإِنْ كُنْتَ قَدْ فَقَدْتَ مَحْبُوبَةً أَوْ مَخْطُوبَةً فَغَيْرُكَ قَدْ فَقَدَ زَوْجَةً وَوَلَدًا، وَحَنِينًا وَدِفْئًا. وَإِنْ كُنْتَ قَدْ حُرِمْتَ حَقًّا مِنْ بَعْضِ حُقُوقِكَ فَغَيْرُكَ قَدْ سُلِبَتْ مِنْهُ جَمِيعُ حُقُوقِهِ. وَإِنْ كُنْتَ مِمَّنْ يُعَانِي مَرَضًا وَآلَامًا فَغَيْرُكَ قَدْ فَقَدْ جَوَارِحَ وَأَعْضَاءً، وَآخَرُ قَدْ مَزَّقَتْهُ عَجَلَاتُ الْقِطَارَاتِ فَصَارَ تَحْتَهَا أَشْلَاءً فَلَمْ يُعْثَرْ لَهُ عَلى رَسْمٍ، وَلَمْ يُغَسَّلْ لَهُ جِسْمٌ، وَمَا مِنْ بَلِيَّةٍ إِلَّا وَفِي الْحَيَاةِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهَا، وَلَكِنَّ الْإِيمَانَ وَالْعَزِيمَةَ يُهَوِّنَانِ كُلَّ صَعْبٍ، وَيُسَهِّلَانِ كُلَّ وَعْرٍ، وَيُخَفِّفَانِ كُلَّ ثَقِيلٍ، لِأَنَّ الْحَيَاةَ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا عِنْدَ الْمُؤْمِنِ دَارُ تَعَبٍ وَابْتِلَاءٍ، وَلَيْسَتْ بِدَارِ رَاحَةٍ وَهَنَاءٍ، وَالنَّاسُ جَمِيعًا مُخْتَبَرُونَ فِيمَا يُحِبُّونَ وَفِيمَا يَكْرَهُونَ، فَإِمَّا عَنِ اللهِ وَقَضَائِهِ يَرْضَوْنَ وَيَحْمَدُونَ، أَوْ يَكْفُرُونَ وَيَسْخَطُونَ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ. وَكَفَى بِالرِّضَا مَغْنَمًا أَنْ تَهُونَ بِهِ الْمَصَائِبُ، وَتَسْهُلَ بِهِ الْمَصَاعِبُ، وَتَخِفَّ بَيْنَ يَدَيْهِ الْأَثْقَالُ وَالْمَتَاعِبُ، فَتَصِيرَ الْبَلَايَا فِي حَقِّ الرَّاضِي عَطَايَا، وَالْمِحَنُ تَؤُولُ فِي الْمُنْتَهَى مِنَنًا وَمِنَحًا. وَمَنْ لَمْ يَرْضَ بِقَضَائِهِ وَعَارَضَ أَمْرَ رَبِّهِ فِي أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا الْهَمُّ وَالتَّعَبُ وَالْغَمُّ وَالنَّصَبُ فِي عَاجِلِ أَمْرِهِ، وَالْعَذَابُ وَالنَّكَالُ وَالْخِزْيُ وَالْبَوَارُ فِي آجِلِ أَمْرِهِ. وَالْمُنْتَحِرُ يُعَاقَبُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، وَيُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِصَابَةِ غَرَضِهِ، فَغَايَةُ أَمْرِهِ مِنْ وَرَاءِ انْتِحَارِهِ أَنْ يَسْتَرِيحَ مِنْ تَعَبِهِ وَأَلَمِهِ، وَهَمِّهِ وَغَمِّهِ، فَإِذَا بِهِ يَصِيرُ أَكْبَرَ أَسْبَابِ عَذَابِهِ وَعِقَابِهِ، إِذْ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مِنْ جِنْسِ فِعْلِهِ، وَعَلَى غِرَارِ صُنْعِهِ، فَتَؤُولُ الرَّاحَةُ عِنْدَهُ تَعَبًا، وَالِانْتِحَارُ لَهُ عَذَابًا، فَيَا لَيْتَهُ تَحَمَّلَ وَغَفَرَ، وَعَلَى قَضَاءِ رَبِّهِ حَمِدَ وَصَبَرَ، وَلِشَيْطَانِهِ وَنَفْسِهِ حَارَبَ فَانْتَصَرَ، وَلَكِنْ غَرَّتْهُ نَفْسُهُ الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ وَوَسْوَسَ لَهُ شَيْطَانُهُ، بِمَا صَارَ سَبَبًا لِعَذَابِهِ وَإِيلَامِهِ وَعِقَابِهِ بِحِرْمَانِهِ، وَخَلَّفَ مِنْ وَرَائِهِ هُمُومًا وَأَحْزَانًا، وَأَتْرَاحًا وَأَشْجَانًا لِأَبٍ مَكْلُومٍ وَأُمٍّ مَهِيضَةٍ وَأُسْرَةٍ كَئِيبَةٍ، وَصَارَ صَاحِبَ سُنَّةٍ سَيِّئَةٍ وَنِحْلَةٍ بَاطِلَةٍ وَطَرِيقَةٍ يَائِسَةٍ قَدْ تَجَرَّأَ عَلَيْهَا قِطَاعٌ عَرِيضٌ مِنْ شَبَابِ الْمُسْلِمِينَ صَارُوا فِي مِيزَانِ سَيِّئَاتِهِمْ وَوَبَالًا عَلَى أَعْمَالِهِ وَحَسَنَاتِهِ. فَيَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ جُهُودٍ مَفْرُوضَةٍ، وَأَحْكَامٍ مَضْرُوبَةٍ، تِجَاهَ الْحَيْلُولَةِ دُونَ وُقُوعِ هَذِهِ الْفَاجِعَةِ، وَحُلُولِ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي فَشَتْ فِي دِيَارِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. فَاللَّهُمَّ عَافِنَا وَاعْفُ عَنَّا مِنْ زَلَّاتِ النُّفُوسِ، وَخَطَرَاتِ الْعُقُولِ، وَتُرُّهَاتِ الْآرَاءِ، وَزبَالَاتِ الْأَفْكَارِ، وَمُشَابَهَةِ الْأَشْرَارِ الَّذِينَ يَمْكُرُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَاحْفَظْ شَبَابَنَا وَبَنَاتِنَا وَنِسَاءَنَا مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، وَشَهْوَةٍ مُذِلَّةٍ، وَشُبْهَةٍ فَاسِدَةٍ، وَنِحْلَةٍ بَاطِلَةٍ، وَاحْفَظْ بِلَادَنَا وَبِلَادَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ مُشَابَهَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ. وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. وَتَمَّ الْفَرَاغُ مِنْ هَذِهِ الرِّسَالَةِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ الْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ ذِي الْحَجَّةِ عَامَ 1442 هـ - الْمُوَافِقَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَهْرِ يُولْيُو عَامَ 2021 م بِالْمَرْكَزِ الْعِلْمِيِّ بِمَكْتَبَةِ ابْنِ عَوْفٍ الدَّعَوِيَّةِ * * *

ملف نصي

رسالة إلى كل من ضاقت به نفسه ويفكر في الانتحار
ملف نصي
عرض

تفاصيل مؤلفة الشيخ

الزيارات
17 مشاهدة
تاريخ الإضافة
السبت 1448‏/02‏/25 1448‏/صفر‏/24

مشاركة مؤلفة الشيخ

17 مشاهدة

مؤلفات الشيخ ذات صلة