فقه التعامل بين الزوجين
فقه التعامل بين الزوجين

المحتوي
فِقْهُ التَّعَامُلِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ
فِقْهُ التَّعَامُلِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ (١)
الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ .
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ الْعَلَاقَةَ بَيْنَ (الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ) أَصْلٌ أَصِيلٌ، وَرُكْنٌ رَكِينٌ، لِمَا بَعْدَهَا مِنَ الْعَلَاقَاتِ فِي دُنْيَا اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَمِنْهَا يَنْطَلِقُ كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ فِي الْحَيَاةِ طَاعَةً أَوْ عِصْيَانًا، بِرًّا أَوْ عُقُوقًا، إِسَاءَةً أَوْ إِحْسَانًا.
وَعَلَى إِثْرِ هَذِهِ الْعَلَاقَةِ يَسْعَدُ الْمُجْتَمَعُ أَوْ يَشْقَى، يُعَزُّ وَيُرْفَعُ أَوْ يُذَلُّ وَيُخْفَضُ، يَنْعَمُ أَفْرَادُهُ وَمَنْ حَوْلَهُمْ بِالْحَيَاةِ هُدُوءًا وَاطْمِئْنَانًا، أَوْ يُعَانُونَ قَلَقًا وَاضْطِرَابًا.
فَالْأُسْرَةُ مِنْ (زَوْجٍ وَزَوْجَةٍ) هُمَا اللَّبِنَةُ الْأُولَى فِي بِنَاءِ الْمُجْتَمَعِ، وَعَلَيْهِمَا يَكُونُ عِزُّ الْمُجْتَمَعِ وَسَعَادَتُهُ، أَوْ ذُلُّ الْمُجْتَمَعِ وَشَقَاوَتُهُ.
فَمِنْ تِلْكَ الْأُسْرَةِ يَخْرُجُ:
- الْعَالِمُ وَالْمُتَعَلِّمُ.
- وَالْحَاكِمُ وَالْمَحْكُومُ.
- وَالْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ.
- وَالرَّجُلُ الَّذِي هُوَ الرَّجُلُ، وَالْمَرْأَةُ الَّتِي هِيَ الْمَرْأَةُ.
لِذَا يَنْبَغِي عَلَى كُلِّ زَوْجَيْنِ أَنْ يَنْظُرَا فِي حَيَاتِهِمَا مِنْ جَدِيدٍ، فَالْكَثِيرُ مِنَ الْأَزْوَاجِ وَالزَّوْجَاتِ لَمْ يَتَزَوَّجُوا إِلَى يَوْمِ النَّاسِ هَذَا! لِأَنَّ الْعَلَاقَةَ الْقَائِمَةَ بَيْنَهُمَا لَيْسَتْ لَهَا هُوِيَّةٌ، وَلَمْ تَقُمْ عَلَى عَظِيمِ هَدَفٍ أَوْ صَحِيحِ نِيَّةٍ!
فَتَتَقَلَّبُ الْعَلَاقَةُ بَيْنَهُمَا بِتَقَلُّبَاتِ الْحَيَاةِ، تَضْطَرِبُ بِاضْطِرَابَاتِهَا وَتَتَلَوَّنُ بِأَلْوَانِ مَوَاقِفِهَا، وَتَتَشَكَّلُ بِأَشْكَالِهَا.
وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّهَا (لَمْ تُبْنَ عَلَى أَصْلٍ وَأَسَاسٍ)، فَلَا تَرَى فِيهَا الْوُدَّ وَالسَّكَنَ وَالرَّحْمَةَ، وَإِنَّمَا تَرَى الْعِنَادَ وَالشِّقَاقَ وَالْقَسْوَةَ!
فَتَرَى فِي الْبَيْتِ سَيِّدًا وَعَبْدًا، أَوْ خَادِمًا وَمَخْدُومًا، أَوْ رَجُلَيْنِ مُتَبَاغِضَيْنِ أَوِ امْرَأَتَيْنِ مُتَشَاكِسَتَيْنِ!!
وَلَا عَجَبَ أَنْ تَرَى تَبَادُلَ الْأَدْوَارِ أَمْرًا شَائِعًا؛ فَتَتَقَمَّصُ الْمَرْأَةُ شَخْصِيَّةَ الرَّجُلِ!! وَيَتَقَمَّصُ الرَّجُلُ شَخْصِيَّةَ الْمَرْأَةِ!! وَحَدِّثْ عِنْدَ ذَلِكَ عَنِ الْفَوْضَى وَلَا حَرَجَ!!
فَمَا أَحْوَجَ كُلَّ زَوْجٍ وَزَوْجَةٍ أَنْ يَتَزَوَّجَا فِيمَا بَيْنَهُمَا مِنْ جَدِيدٍ..
زَوَاجًا لَيْسَ فِيهِ شَاهِدَانِ وَوَلِيٌّ وَعَقْدٌ وَمَهْرٌ وَإِعْلَانٌ وَعُرْسٌ، فَهَذَا زَوَاجٌ يُحِلُّ الْجَسَدَ لِلْجَسَدِ، وَتَصِيرُ لِلرَّجُلِ بِهِ عَلَى الْمَرْأَةِ السَّيْطَرَةُ وَالْقَوَامَةُ، وَمَا عَلَى هَذَا الزَّوَاجِ وَحْدَهُ تُؤَسَّسُ الْبُيُوتُ وَالْمُجْتَمَعَاتُ.
وَإِنَّمَا الزَّوَاجُ الَّذِي نُرِيدُهُ وَنَعْنِيهِ هُوَ: (زَوَاجُ الرُّوحِ بِالرُّوحِ)!
إِنَّهُ الزَّوَاجُ الَّذِي يَشْهَدُ عَلَى عَقْدِهِ وَمِيثَاقِهِ الرَّبُّ الْجَلِيلُ، وَالْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ.
إِنَّهُ زَوَاجٌ أُسِّسَ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَالصِّدْقِ وَالْإِحْسَانِ وَالْخُضُوعِ للهِ بِالطَّاعَةِ وَالْإِذْعَانِ.
زَوَاجٌ بَيْنَ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ، تَقِيٍّ وَتَقِيَّةٍ، مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ، جَمَعَتْ بَيْنَهُمَا الْأُخُوَّةُ الْإِيمَانِيَّةُ، وَالْبَيْعَةُ الْأُخْرَوِيَّةُ وَالْمُنَافَسَةُ فِي مَرَاضِي رَبِّ الْخَلْقِ وَالْبَرِيَّةِ.
فَمِنْ أَوَّلِ يَوْمِ اللِّقَاءِ تَعَاهَدَا عَلَى:
* الْبِرِّ وَالْوَفَاءِ للهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِالطَّاعَةِ.
* وَلِنَبِيِّهِ بِالْمُتَابَعَةِ.
* وَلِلْوَالِدَيْنِ بِالْبِرِّ.
* وَلِلْجِيرَانِ بِالْإِحْسَانِ.
* وَلِلْفُقَرَاءِ بِالْبَذْلِ.
* وَلِلْأَضْيَافِ بِالْكَرَمِ.
* وَلِلْمَتَشَاوِرِينَ بِالنُّصْحِ.
* وَلِلْمُتَخَاصِمِينَ بِالْإِصْلَاحِ.
لِسَانُ حَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ:
«وَاللهِ مَا تَزَوَّجْتُكَ لِدُنْيَايَ بَلْ لِآخِرَتِي، مَا أَرَدْتُكَ لِبَطْنِي وَفَرْجِي، وَلَكِنْ لِتَزْكِيَةِ رُوحِي وَإِصْلَاحِ نَفْسِي، وَاللهِ مَا أَرَدْتُ بِكَ زَوَاجًا أَتَبَاهَى بِهِ بَيْنَ أَصْحَابِي وَأَهْلِي، وَإِنَّمَا لِأَتَبَاهَى عِنْدَ حِسَابِي وَسُؤْلِي وَعَرْضِي عَلَى رَبِّي يَوْمَ بَعْثِي وَنَشْرِي، وَاللهِ مَا أَرَدْتُ بِهِ شَقَّةً فَاخِرَةً وَإِنَّمَا أَرَدْتُ بِهِ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى حَيْثُ الْأَنْهَارُ الْجَارِيَةُ وَالْقُطُوفُ الدَّانِيَةُ».
وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
* * *
فِقْهُ التَّعَامُلِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ (2)
الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ .
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِلَى كُلِّ زَوْجَيْنِ أَقُولُ:
«مَا أَحْوَجَكُمَا إِلَى أَنْ تَتَزَوَّجَا مِنْ جَدِيدٍ»!
زَوَاجًا يَقُومُ عَلَى الْحُبِّ الْحَقِيقِيِّ، الَّذِي يَتَوَلَّدُ مِنْهُ: السَّكَنُ، وَالْمَوَدَّةُ، وَالرَّحْمَةُ.
حُبًّا للهِ، وَفِي اللهِ، وَمَعَ اللهِ.
وَهُوَ: حُبُّ الرُّوحِ لِلرُّوحِ، لَا حُبُّ الْجَسَدِ لِلْجَسَدِ.
غِذَاؤُهُ: الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ، وَاللَّمْسَةُ الْحَانِيَةُ، وَالْبَسْمَةُ الْوَاعِدَةُ.
وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي ظِلَالِ (الْأُخُوَّةِ الْإِيمَانِيَّةِ، وَالْمُشَارَكَةِ الْوِجْدَانِيَّةِ) بِالْأَحَاسِيسِ الْمُرْهَفَةِ، وَالْمَشَاعِرِ الْجَيَّاشَةِ الَّتِي تُهَوِّنُ الْعَسِيرَ، وَتُكَثِّرُ الْقَلِيلَ، وَتُهَدِّئُ النَّفْسَ، وَتَرْوِي الْغَلِيلَ، وَتَشُدُّ الْعَزْمَ، وَتَرْبِطُ عَلَى الْكَتفِ بِمُوَاصَلَةِ السَّيْرِ فِي طَرِيقٍ لَيْسَ بِالشَّاقِّ وَلَا بِالطَّوِيلِ.
فَتَزَوَّجُوا أَيُّهَا الْأَزْوَاجُ وَأَيَّتُهَا الزَّوْجَاتُ مِنْ جَدِيدٍ..
أَوَّلًا وَقَبْلَ أَيِّ شَيْءٍ؛ لِأَنَّكُمَا حَتَّى الْآنَ مَا تَحَابَبْتُمَا وَلَا تَلَاقَيْتُمَا!
الْكَثِيرُ مِنَ الزَّوْجَاتِ إِلَى الْآنَ لَمْ يُحْبِبْنَ أَزْوَاجَهُنَّ، وَالْكَثِيرُ مِنَ الْأَزْوَاجِ كَذَلِكَ! وَلَوْ أَحَبَّ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَأَحَبَّتِ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا، مَا رَأَى كُلٌّ مِنْهُمَا فِي الْآخَرِ مَا يَشْكُوُ مِنْهُ.
لِأَنَّ مَنْ يَبْذُلُ الْحُبَّ لِأَهْلِهِ، يُعَوَّضُ عَنْهُ بِمِثْلِهِ، وَخَيْرٍ مِنْهُ.
فَهَلْ جَزَاءُ الْحُبِّ وَالْوِلَايَةِ إِلَّا الْحُبُّ وَالْبَذْلُ وَالرِّعَايَةُ؟!
فَأَكْثَرُ الْأَزْوَاجِ وَالزَّوْجَاتِ لَا يَرَوْنَ الْمَبْذُولَ وَالْمَوْجُودَ فِي الْآخَرِ، وَلَكِنْ يَرَوْنَ الْمَأْمُولَ وَالْمَفْقُودَ، وَلَوْ تَأَمَّلُوا الْمَوْجُودَ وَالْمَبْذُولَ مَا رَأَوْا مَفْقُودًا وَلَا رَغِبُوا مَأْمُولًا.
وَقِيلَ لِرَجُلٍ حَكِيمٍ: مَا أَقْصَرُ الطُّرُقِ لِلتَّوَاؤُمِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ؟
فَقَالَ: أَلَّا يَرَى الزَّوْجُ فِي الْحَيَاةِ امْرَأَةً خَيْرًا مِنْ زَوْجَتِهِ، وَأَلَّا تَرَى الْمَرْأَةُ فِي الْحَيَاةِ رَجُلًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهَا، وَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ قَوْلَ اللهِ : ﴿ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ﴾ [سورة طه: 131].
فَقَدْ حَبَاكَ اللهُ يَا عَبْدَاللهِ بِامْرَأَةٍ فِيهَا الْكَثِيرُ وَالْكَثِيرُ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ، قَلَّ أَنْ تَجِدَهَا فِي غَيْرِهَا.
وَلَكِنَّ الْهَوَى قَدْ أَعْمَى الْأَبْعَدَ عَنْ رُؤْيَتِهَا؛ بِسَبَبِ ذَلِكَ النَّزْرِ الْيَسِيرِ الَّذِي يَطَّلِعُ إِلَيْهِ فِي غَيْرِ زَوْجَتِهِ، مِنْ مَلَاحَةِ وَجْهٍ، وَلَبَاقَةِ حَدِيثٍ، صُورَةٌ زَائِفَةٌ تُخْفِي مَا وَرَاءَهَا مِنَ الْحَقِيقَةِ الشَّائِهَةِ، فَلَا هُوَ بِالَّذِي تَحَصَّلَ عَلَى ذَلِكَ النَّزْرِ، وَلَا هُوَ الَّذِي اسْتَرَاحَ مِنْ لَأْوَائِهِ وَعَنَاءِ فَقْدِهِ وَمَغَبَّةِ التَّفْكِيرِ فِيهِ.
وَأَنْتِ يَا أَمَةَ اللهِ:
احْمَدِي اللهَ عَلَى مَا حَبَاكِ مِنْ زَوْجٍ فِيهِ مِنَ الْخِصَالِ الْفَاضِلَةِ، وَالْأَخْلَاقِ الْحَسَنَةِ مَا لَيْسَ فِي غَيْرِهِ عُشْرُ مِعْشَارِهَا!
وَلَكِنَّ آفَةَ التَّطَلُّعِ إِلَى مَا عِنْدَ الْغَيْرِ تُعْمِي الْعَيْنَ.. تَصُمُّ الْأُذُنَ.
وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وَعَيْنُ الرِّضَا عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ
وَلَكِنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِي الْمَسَاوِيَا( )
فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ كُلٌّ مِنْكُمَا عَلَى مَا مَرَّ ذِكْرُهُ، فَلْيَكُنْ لَهُ حَظٌّ مِنْ تِلْكَ الْوَصِيَّةِ؛ فَقَدْ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَسْتَشِيرَهُ فِي طَلَاقِ امْرَأَتِهِ، فَقَالَ عُمَرُ : لِمَ تُرِيدُ ذَلِكَ؟
قَالَ: لَا أُحِبُّهَا.
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: سُبْحَانَ اللهِ! وَهَلْ تُبْنَى الْبُيُوتُ عَلَى الْحُبِّ؟! أَيْنَ الرِّعَايَةُ؟!
فَقَوْلُ عُمَرَ : سُبْحَانَ اللهِ! وَهَلْ تُبْنَى الْبُيُوتُ عَلَى الْحُبِّ؟! أَيْنَ الرِّعَايَةُ؟ يَعْنِي: أَيْنَ رِعَايَةُ حَقِّهَا عَلَيْكَ؟! وَرِعَايَةُ حَقِّ الْوَالِدِ عَلَيْكَ؟! وَرِعَايَةُ حَقِّ الْأَنْسِبَاءِ عَلَيْكَ؟! وَرِعَايَةُ حَقِّ الْأَوْلَادِ عَلَيْكَ؟! وَرِعَايَةُ حَقِّ الْأَقَارِبِ عَلَيْكَ؟! وَرِعَايَةُ حَقِّ الْعِشْرَةِ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا؟!
وَقَدْ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ: أُرِيدُ أَنْ أُطِلِّقَ امْرَأَتِي!
فَقَالَ : «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ»( ).
وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ اللهُ : ﴿ﲱ ﲲﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ﴾ [سورة النساء: 19].
قَالَ عُلَمَاؤُنَا -عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ- فِي قَوْلِهِ: ﴿ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ﴾: أَيْ مَا يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مِنَ الْوَلَدِ، فَعَسَى أَنْ يُبَارِكَ اللهُ فِي تِلْكَ الذُّرِّيَّةِ، فَيَكُونَ فِيهِمْ مَا هُوَ سَبَبُ عِزِّ الدُّنْيَا وَسَعَادَةِ الْآخِرَةِ.
وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
* * *
فِقْهُ التَّعَامُلِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ (٣)
الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ .
أَمَّا بَعْدُ:
فَمِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يَغْفُلُ عَنْهَا الْكَثِيرُ مِنَ الْأَزْوَاجِ وَالزَّوْجَاتِ: الْحَالَةُ الَّتِي تَزَوَّجَا عَلَيْهَا، وَالْحَالَةُ الَّتِي كَانَا قَبْلَ الزَّوَاجِ عَلَيْهَا، مِنْ حَيْثُ التَّدَيُّنُ وَالِالْتِزَامُ وَالْبِيئَةُ الَّتِي تَرَبَّى فِيهَا كُلٌّ مِنْهُمَا، وَأَنَّهُمَا لَا يُرَاعِيَانِ الْفَارِقَ السِّنِّيَّ، وَالْمَعْنَوِيَّ وَالْعِلْمِيَّ بَيْنَهُمَا.
فَلَا يُرَاعِي الزَّوْجُ تِلْكَ الْفَوَارِقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، وَكَذَا الْمَرْأَةُ، وَلَا يُرَاعِيَانِ التَّغَيُّرَ الطَّارِئَ عَلَيْهِمَا بَعْدَ الزَّوَاجِ.
فَيُرِيدُ الزَّوْجُ مِنَ امْرَأَتِهِ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى الْأَشْيَاءِ بِقُوَّةِ بَصَرِهِ وَبَصِيرَتِهِ، لَا بِقُوَّةِ بَصَرِهَا وَبَصِيرَتِهَا.
فَهَيْهَاتَ ثُمَّ هَيْهَاتَ أَنْ يَصِلَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَالْقُدْرَةُ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ، وَلَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا.
وَأَكْثَرُ الْمَشَاكِلِ بِسَبَبِ عَدَمِ مُرَاعَاةِ تِلْكَ الْفَوَارِقِ، وَعَدَمِ التَّدَرُّجِ فِي الْوُصُولِ إِلَى الِانْسِجَامِ النَّفْسِيِّ فِيمَا بَيْنَهُمَا.
وَسَبِيلُ الِانْسِجَامِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ: (الْفِقْهُ بِطَبِيعَةِ الْعَلَاقَةِ الزَّوْجِيَّةِ).
فَمَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ جَوْهَرٍ وَعَرَضٍ، وَالْوُقُوفُ عِنْدَ الْأَعْرَاضِ لَا يُقَدِّمُ وَلَا يُؤَخِّرُ، وَأَمَّا الْوُقُوفُ عِنْدَ الْجَوَاهِرِ فَهُوَ أَنْفَعُ عِلَاجٍ لِلْأَعْرَاضِ وَتَغْيِيرِهَا.
وَسَبَبُ جُلِّ الْمَشَاكِلِ الزَّوْجِيَّةِ: (الْخَلَلُ فِي جَوْهَرِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ)؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي عَلَاقَةِ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ أَنْ تَكُونَ مُفْعَمَةً( ) بِالْوُدِّ وَالْأُنْسِ وَالرَّحْمَةِ، فَهَكَذَا أَرَادَهَا اللهُ وَجَعَلَ الزَّوَاجَ سَبَبًا لِلْوُصُولِ إِلَيْهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆﲇ﴾ [سورة الروم: 21] الْآيَةَ.
فَإِذَا وَجَدَ الرَّجُلُ غَيْرَ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، فَلْيُرَاجِعْ نَفْسَهُ فَالْخَلَلُ فِيهِمَا، وَلَيْسَ فِي الزَّوَاجِ نَفْسِهِ، فَالْحَقُّ وَالْبَاطِلُ نَقِيضَانِ، لَا يَجْتَمِعَانِ مَعًا، وَلَا يَرْتَفِعَانِ مَعًا، وَالْإِنْسَانُ إِنْ لَمْ يَشْغَلْ نَفْسَهُ بِالْحَقِّ شَغَلَتْهُ بِالْبَاطِلِ، وَإِنْ لَمْ يَسْلُكْ سَبِيلَ الْعُبُودِيَّةِ للهِ الْوَاحِدِ الدَّيَّانِ فَسَوْفَ يَسْلُكُ سَبِيلَ الْعُبُودِيَّةِ لِلنَّفْسِ وَالْهَوَى وَالْعُرْفِ وَالشَّيْطَانِ!
وَأَكْثَرُ الْأَزْوَاجِ فِي الْغَالِبِ الْأَعَمِّ مُتَّبِعٌ لِنَفْسِهِ وَهَوَاهُ وَأَعْرَافِهِ وَشَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجَانِّ، غَيْرُ قَائِمٍ فِي عَلَاقَتِهِ بِالْآخَرِ عَلَى مَرْضَاتِ الْوَاحِدِ الدَّيَّانِ، فَالنَّفْسُ تَسُوقُهُ وَالْعُرْفُ يَصْرِفُهُ وَالشَّيْطَانُ يُزَيِّنُ لَهُ سُوءَ عَمَلِهِ.
وَالسَّائِرُ مَعَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ سَائِرٌ إِلَى الْهَلَكَةِ لَا مَحَالَةَ، فَالنَّفْسُ الْإِنْسَانِيَّةُ كَالدَّابَّةِ الْجَمُوحِ، لَيْسَ لَهَا زِمَامٌ وَلَا خِطَامٌ، فَهِيَ لَاهِثَةٌ أَمَامَ كُلِّ شَهْوَةٍ، وَاقِفَةٌ أَمَامَ كُلِّ شُبْهَةٍ، مُتَخَبِّطَةٌ عِنْدَ كُلِّ مِحْنَةٍ وَفِتْنَةٍ، مُنْبَهِرَةٌ بِكُلِّ جَدِيدٍ، وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَاتِهَا، فَلَنْ يَسْتَقِرَّ لَهَا قَرَارٌ وَلَنْ يَهْدَأَ لَهَا بَالٌ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَقُومَ بِهَا وَلَهَا مُجْتَمَعٌ فَاضِلٌ أَوْ كِيَانٌ مُسْتَقِرٌّ.
وَلَقَدْ صَارَتِ الْحَيَاةُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ بِمُسْتَجَدَّاتِهَا سَبَبًا فِي انْطِلَاقِ الشَّهَوَاتِ مِنْ عُقُلِهَا، وَإِيرَادِ الشُّبُهَاتِ بِتَقْعِيدَاتِهَا، وَكَثْرَةِ الْفِتَنِ بِتَعَدُّدِ أَوْصَافِهَا وَأَحْوَالِهَا.
وَلَا مَخْرَجَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَّا (بِتَصْفِيَةِ النَّفْسِ وَتَهْذِيبِهَا وَكَبْحِ جِمَاحِهَا، وَالتَّخَلُّصِ مِنْ رُعُونَاتِهَا وَتَطَلُّعَاتِهَا، وَتَسْلِيمِ زِمَامِ أَمْرِهَا لِبَارِئِهَا وَخَالِقِهَا وَمُدَبِّرِ أَمْرِهَا، وَمُصَرِّفِهَا)، هَذَا أَوَّلًا.
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ (بِالْخُرُوجِ مِنْ تَبَعِيَّةِ الْأَعْرَافِ وَالْعَادَاتِ)، الَّتِي صَارَتْ مَعْبُودَةً مِنْ دُونِ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ، فَالْعُرْفُ مَعْمُولٌ بِهِ مَا لَمْ يُخَالِفْ شَرْعًا أَوْ يَكُونُ ذَرِيعَةً إِلَى ضَيَاعِ أَصْلٍ.
وَلْيَعْلَمِ الزَّوْجَانِ:
أَنَّ سَبَبَ شَقَاءِ الْبُيُوتِ فِي هَذِهِ الْآوِنَةِ: (الِاهْتِمَامُ الزَّائِدُ بِمُرَاعَاةِ بَعْضِ الْأَعْرَافِ الْمُسْتَجَدَّةِ عَلَيْنَا وَالَّتِي جَعَلَتْ مِنَ الْحَلَالِ حَرَامًا، وَالْمُبَاحِ مَكْرُوهًا، وَالْمُخَالَفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ أَعْرَافًا مُجْتَمَعِيَّةً!).
حَتَّى خَرَجَ الْعُرْفُ عَنْ عُرْفِهِ وَصَارَ مَسْخًا مُشَوَّهًا، وَعُرْفًا مَوْهُومًا، لَا يُدْرَى لَهُ أَصْلٌ مِنْ فَصْلٍ.
وَهَكَذَا، تَغِيبُ هُوِيَّةُ الْمَرْءِ وَشَخْصِيَّتُهُ، فِي مُتَابَعَةِ أَعْرَافٍ لَا أَصْلَ لَهَا فِي الْوُجُودِ الْعُرْفِيِّ وَالْمِيزَانِ الْمُجْتَمَعِيِّ بِضَوَابِطِهِ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ مِنْ بَنِي آدَمَ.
وَتَذُوبُ الْأُسْرَةُ فِي ظِلِّ تِلْكَ الْأَعْرَافِ، وَيَصِيرُ لِكُلِّ فَرْدٍ فِيهَا عُرْفُهُ الْخَاصُّ بِهِ، وَمِيزَانُهُ الَّذِي يُرِيدُ التَّحَاكُمَ إِلَيْهِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَخْلَاقِهِ وَسُلُوكِهِ.
وَفِي ظِلِّ تِلْكَ الْأَعْرَافِ:
تَضِيعُ الْحُقُوقُ..
وَتَنْهَارُ الْبُيُوتُ..
وَتَتَفَكَّكُ الْمُجْتَمَعَاتُ..
وَتَكْثُرُ النِّزَاعَاتُ..
وَتَتَخَالَفُ الْأَهْوَاءُ وَالرَّغَبَاتُ..
وَمِنْ هُنَا يَعْمَلُ الشَّيْطَانُ عَمَلَهُ، وَيَجْلِبُ عَلَى الزَّوْجَيْنِ وَسَاوِسَهُ وَخَيْلَهُ وَرَجِلَهُ، وَيُزَيِّنُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا رَأْيَهُ وَفِكْرَهُ، فَيَعْتَقِدَانِ مُعْتَقَدَاتٍ بَاطِلَةً، وَيُؤْمِنَا بِأَفْكَارٍ فَاشِلَةٍ، فَيَحْبِسُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَفْسَهُ فِي سِجْنٍ ضَيِّقٍ، نَسَجَتْهُ أَفْكَارُهُ الْفَاشِلَةُ، وَآرَاؤُهُ الْخَاطِئَةُ، وَأَوْهَامُهُ الَّتِي هِيَ الْخَيَالَاتُ بِعَيْنِهَا، يَظُنُّهَا قَصْرًا عَالِيًا، وَسِيَاجًا مَنِيعًا وَاقِيًا، وَعِنْدَ الْخِلَافِ وَالنِّزَاعِ تَظْهَرُ الْحَقَائِقُ الْمُرَّةُ، حَيْثُ يَصِيرُ هَذَا الْبَيْتُ لِأَتْفَهِ مُشْكِلَةٍ وَأَقَلِّ خِلَافٍ أَشْبَهَ بِبَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ، لَا يُصْبِحُ لَهُ فِي الْوُجُودِ وُجُودٌ، وَلَا بَيْنَ الْبُيُوتِ الْقَائِمَةِ قِيَامٌ!
وَكَمَا قَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الرَّسْلَانُ -حَفِظَهُ اللهُ-: «إِنَّ أَضْيَقَ سِجْنٍ يُمْكِنُ لِلْمَرْءِ أَنْ يَسْجُنَ فِيهِ نَفْسَهُ (فِكْرَةٌ خَائِبَةٌ) لَا هُوَ بِالَّذِي يُحَقِّقُهَا وَلَا هُوَ بِالَّذِي يَنْفَكُّ عَنْهَا وَيَخْرُجُ مِنْ أَسْرِهَا!».
وَمَا أَكْثَرَ الْأَفْكَارَ الْخَائِبَةَ، وَمَا أَكْثَرَ حَامِلِيهَا وَمُعْتَقِدِيهَا، حَيْثُ يَرَوْنَها الْحَقَّ الْمُبِينَ وَالصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، وَالْقِيَاسَ الْحَكِيمَ، وَالْقِسْطَاسَ الْمُسْتَقِيمَ، وَهِيَ فِي حَقِيقَتِهَا أَغْرَاضٌ شَخْصِيَّةٌ وَنَزَعَاتٌ عِرْقِيَّةٌ، وَمَوْرُوثَاتٌ عُرْفِيَّةٌ، وَعَادَاتٌ مُجْتَمَعِيَّةٌ، وَوَسَاوِسُ شَيْطَانِيَّةٌ، وَأَمْرَاضٌ نَفْسِيَّةٌ!
فَأَنَّى لِلْبُيُوتِ فِي ظِلِّ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ يَسْتَقِرَّ لَهَا قَرَارٌ؟!
أَوْ يَقُومَ بِهَا وَلَهَا نِظَامٌ!
هَيْهَاتَ، ثُمَّ هَيْهَاتَ، ثُمَّ هَيْهَاتَ.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
فِقْهُ التَّعَامُلِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ (٤)
الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ .
أَمَّا بَعْدُ:
فَقَدْ يَقُولُ قَائِلٌ أَوْ يَتَسَاءَلُ مُتَسَائِلٌ:
«لَقَدْ أَكْثَرْتَ عَلَيْنَا أَخَانَا فِي اللهِ الْقِيلَ وَالْقَالَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضُوعِ وَهَذَا الْمَقَالِ، وَقَدْ أَفْرَطْتَ فِي سَوْقِ الْمُتَرَادِفَاتِ وَذِكْرِ الْمُتَنَاقِضَاتِ، وَلَمْ يَعُدْ لِمَا تَقُولُ فِي حَيَاتِنَا كَثِيرُ فَائِدَةٍ، أَوْ كَبِيرُ عَائِدَةٍ.
وَمَا الَّذِي يُفِيدُهُ هَذَا الْكَلَامُ وَقَدْ تَمَزَّقَتْ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ الْأَوَاصِرُ وَالْعَلَاقَاتُ، وَتَأَزَّمَتِ الْأَحْوَالُ، وَانْصَرَمَ الزَّمَانُ، وَتَشَاقَقَ الزَّوْجَانِ، وَصَارَتِ الْعَلَاقَةُ فِي مُنْعَطَفِ طَرِيقٍ غَيْرِ طَرِيقِهَا، وَحَادَتْ إِلَى سَبِيلٍ غَيْرِ سَبِيلِهَا؟!
وَلَوْلَا خَوْفُ ضَيَاعِ الْعِيَالِ، وَالْقِيلِ وَالْقَالِ، وَخَشْيَةُ الْمُغَامَرَةِ لَوَجَبَ الطَّلَاقُ وَحَلَّ الْفِرَاقُ، وَلَكِنَّهَا أَيَّامٌ تُقْضَى يَا صَاحِبِي وَالسَّلَامُ!
وَمَا بَقِيَ مِنَ الْعُمُرِ لَا يَسْمَحُ بِالْمُغَامَرَةِ، وَلَا بِالْمُوَاجَهَةِ وَالنِّزَالِ، وَكُلُّ زَوْجٍ مِنْهُ لِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ وَأَعْدَلِ الْعَادِلِينَ.
وَكَمْ مِنْ زَوْجَيْنِ يَقُومَانِ بِالْأَسْحَارِ لِيَدْعُوَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِالْهَلَاكِ وَالْبَوَارِ لِيَرْتَاحَ مِنْ مُعَانَاتِهِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ!، وَهَذَا حَالُ كَثِيرٍ مِنَ الْأُسَرِ فِي دُنْيَا اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَإِنَّكَ لَتَرى ذَلِكَ وَاضِحًا جَلِيًّا فِي تِلْكَ الْكَآبَةِ الَّتِي تَرَاهَا فِيمَنْ حَوْلَكَ عَلَى قَسَمَاتِ الْوُجُوهِ وَفَلَتَاتِ الْأَلْسِنَةِ، وَإِنَّ مَجَالِسَ الصُّلْحِ تُنْبِيكَ عَنْ حَقِيقَةِ الْخبَرِ، وَفَدَاحَةِ الْخَطَرِ، وَإِحْصَائِيَّاتُ الطَّلاقِ فِي الْمَحَاكِمِ الَّتِي تَجَاوَزَتِ الْمَلَايِينَ وَمِثْلُهُنَّ عَوَانِسُ لَهِيَ أَكْبَرُ دَلِيلٍ عَلَى انْهِيَارِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي دِيَارِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَدْ فَاتَ يَا صَاحِبِي الْأَوَانُ، وَلَمْ يَعُدْ لِلْإِصْلَاحِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مَكَانٌ!
فَأَرِحْ نَفْسَكَ، وَهَدِّئْ مِنْ رَوْعِكَ، وَاصْرِفْ قَلَمَكَ عَنِ الْكِتَابَةِ فِي مِثْلِ هَذَا الشَّأْنِ».
أَخِي الْحَبِيبِ:
أَنَا مُتَّفِقٌ مَعَكَ فِي كُلِّ مَا قُلْتَ وَمَا سَوْفَ تَقُولُ، وَإِنِّي لَأَعْلَمُ مِمَّا لَا تَعْلَمُهُ الْكَثِيرَ وَالْكَثِيرَ، وَهَذَا مَا دَعَانِي لِأَخُوضَ هَذَا الْمُعْتَرَكَ الْخَطِيرَ، وَسَتَعْرِفُ -إِنْ شَاءَ اللهُ- أَنَّ أَكْثَرَ الْأَزْوَاجِ لَيْسُوا فِي الْحَقِيقَةِ بِمُتَزَوِّجِينَ، وَأَنَّهُمْ مُحْتَاجُونَ لِإِعَادَةِ زَوَاجِهِمْ مِنْ جَدِيدٍ، وَلِذَلِكَ كُلِّهِ أَقُولُ: إِنَّ الْأَمْرَ يَحْتَاجُ إِلَى تَأْصِيلٍ كَبِيرٍ، وَهَذَا الْجُهْدُ لَيْسَ بِالْأَمْرِ الْهَيِّنِ وَلَا بِالْيَسِيرِ، فَعَلَى مَدَارِهِ يَحْصُلُ اسْتِقْرَارُ الْحَيَاةِ فِي دُنْيَا اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
فَإِلَى كُلِّ زَوْجَيْنِ أَقُولُ لَهُمَا:
لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا ذُكِرَ فِيمَا مَرَّ، فَمَا زَالَ فِي الْوَقْتِ فُسْحَةٌ، وَمَا مَرَّ هُوَ كَلَامُ أَصْحَابِ الْهِمَمِ الْكَلِيلَةِ وَالنُّفُوسِ الْعَلِيلَةِ، وَالنَّظْرَةِ الْعَجْلَى، وَالْفِكْرَةِ الْقَاصِرَةِ.
وَأَمَّا أَصْحَابُ الْهِمَمِ الْعَالِيَةِ وَالنُّفُوسِ الشَّرِيفَةِ، وَالْغَايَاتِ النَّبِيلَةِ فيَرَوْنَ الْأَمْرَ يَسِيرًا لَا عَسِيرًا، قَرِيبًا لَا بَعِيدًا، هَيِّنًا لَا صَعْبًا وَلَا شَدِيدًا.
فَمَا زَالَتْ فُرْصَةُ الْإِصْلَاحِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ قَائِمَةً، تَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِ الْأيَّامِ وَاللَّيَالِي، بَلْ بِتَجَدُّدِ السَّاعَاتِ وَالثَّوَانِي، فَكَمْ مِنْ زَوْجٍ عَادَ إِلَى الْحَقِّ فِي لَحْظَةٍ خَاطِفَةٍ، وَكَمْ مِنْ زَوْجَةٍ عَادَتْ إِلَى رُشْدِهَا بِتَرْبِيتِ الزَّوْجِ عَلَى كَتِفِهَا، وَكَمْ مِنْ بُيُوتٍ قَدِ اسْتَحَالَتِ الْعِشْرَةُ فِيهَا، وَبِخُضُوعِ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ دَبَّتْ فِيهَا الْحَيَاةُ مِنْ جَدِيدٍ، وَصَارَ الْبَيْتُ يُدْعَى بِالْبَيْتِ السَّعِيدِ.
وَأَسُوقُ لَكَ عَلَى ذَلِكَ مِثَالًا مِنْ وَاقِعِ الْحَيَاةِ: فَمُنْذُ مَا يَزِيدُ عَلَى عِشْرِينَ سَنَةً الْتَقَيْتُ بِرَجُلٍ فَاضِلٍ، كَثِيرِ الْحَجِّ وَالْعُمُرَةِ وَقَدْ تَكَفَّلَ بِعِمَارَةِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، وَيُعْرَفُ عَنْهُ الْجُودُ وَالْبَذْلُ وَالْكَرَمُ.
فَقَالَ لِي: إِنَّهُ -وَالْحَمْدُ للهِ- لَهُ عِشْرُونَ سَنَةً لمَ ْينَقْطِعْ عَنْ حَجَّةٍ وَعُمُرَةٍ فِي كُلِّ عَامٍ، وَقَدْ قَارَبَ الثَّمَانِينَ، فَأَخَذْتُ أَغْبِطُهُ عَلَى مَا هُوَ فِيهِ مِنْ طَاعَاتٍ وَقُرُبَاتٍ.
فَقَالَ لِي: يَا بُنَيَّ إِنَّ الَّذِي أَحْكِيهِ لَكَ هُوَ أَثَرُ إِحْسَانِ زَوْجَتِي إِلَيَّ!
فَقُلْتُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟
فَقَالَ: لَقْد ظَلِلْتُ مُدَّةً مِنْ عُمُرِي بِمَبْعَدَةٍ عَنْ طَرِيقِ الْخَيْرِ، وَقَدْ سِرْتُ فِي كُلِّ طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الشَّرِّ، وَلَكِنَّ زَوْجَتِي كَانَتْ تُعَامِلُنِي مُعَامَلَةً حَسَنَةً، وَلَا تُقَصِّرُ فِي حَقٍّ لِي عَلَيْهَا، وَكَانَتْ مِنَ الْمُحَافِظَاتِ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالطَّاعَاتِ.
وَيَقُولُ: وَذَاتَ لَيْلَةٍ رَافَقْتُ صُحْبَةَ السُّوءِ إِلَى قُبَيْلِ الْفَجْرِ، وَعُدْتُ إِلَى الْبَيْتِ فِي حَالَةٍ لَا يُرْثَى لَهَا، وَكَانَ مَعِي بَعْضُ عَقْلِي، فَلَمَّا دَخَلْتُ الْبَيْتَ وَجَدْتُ امْرَأَتِي تُصَلِّي بِاللَّيْلِ وَتَدْعُو اللهَ لِي فِي سُجُودِهَا أَنْ يَرُدَّنِي إِلَى الْحَقِّ وَأَنْ يَصْرِفَنِي عَنِ السُّوءِ، فَأَثَّرَ ذَلِكَ فِي نَفْسِي أَيَّمَا تَأْثِيرٍ، فَخَرَجْتُ عَلَى وَجْهِي لَا أَعْرِفُ إِلَى أَيْنَ الْمَسِيرُ، أَرَفْعُ صَوْتِي إِلَى السَّمَاءِ: (يَا رَبِّ.. يَا رَبِّ..) حَتَّى أُذِّنَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، وَاغْتَسَلْتُ وَتَطَهَّرْتُ، وَتُبْتُ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- تَوْبَةً نَصُوحًا، كَانَ مِنْ أَثَرِهَا فِي حَيَاتِي مَا ذَكَرْتُهُ لَكَ.
فَمَا أَحْوَجَ الزَّوْجَيْنِ أَنْ يَعْمَلَا بِوَصِيَّةِ عُمَرَ : «إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ شَعْرَةً، إِذَا جَذَبُوهَا أُرْخِيهَا، وَإِذَا أَرْخَوْهَا أَجْذِبُهَا».
وَهَكَذَا الْحَيَاةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ تَحْتَاجُ إِلَى مُقَابَلَةِ الشِّدَّةِ بِاللِّينِ حَيْثُ يَكُونُ سَبَبًا فِي الْإِصْلَاحِ، وَبِجَعْلِ الْعَفْوِ مَكَانَ الْعُنْفِ حَيْثُ يَحْتَاجُ الْأَمْرُ إِلَى إِمْهَالٍ وَصَفْحٍ.
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ النَّارَ لَا تُطْفِئُ نَارًا، وَإِنَّمَا تَزْدَادُ بِهَا تَوَهُّجًا وَاشْتِعَالًا، وَهَكَذَا إِذَا قُوبِلَ التَّعَصُّبُ بِالتَّعَصُّبِ، وَالْغَضَبُ بِالْغَضَبِ، وَالْهَجْرُ بِالْهَجْرِ، وَالْعِنَادُ بِالْعِنَادِ.
وَلَكِنْ يُسْتَعْمَلُ مَا هُوَ ضِدُّ ذَلِكَ مِنَ الْهُدُوءِ وَالصِّلَةِ وَخَفْضِ الْجَنَاحِ وَالتَّوَدُّدِ وَالْإِينَاسِ، كَمَا يُسْتَعْمَلُ الْمَاءُ فِي إِطْفَاءِ النَّارِ وَإِخْمَادِ الْحَرَائِقِ.
وَالْقَاعِدَةُ عِنْدَ عُلَمَائِنَا -عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ-: «إِنَّ فِعْلَ رَجُلٍ فِي أَلْفٍ رَجُلٍ أَبْلَغُ أَثَرًا وَأَجْدَى نَفْعًا، مِنْ قَوْلِ أَلْفِ رَجُلٍ فِي رَجُلٍ».
فَيَا أَيُّهَا الزَّوْجَانِ:
لِيَدْفَعْ أَحَدُكُمَا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وَلْيَكُنْ عَبْدَ اللهِ الْمَظْلُومَ وَلَا يَكُنْ عَبْدَ اللهِ الظَّالِمَ.
وَمِنَ الْمَعْلُومِ: أَنَّهُ لَابُدَّ لِلسَّائِرِ مِنْ أَرْجُلٍ تَحْمِلُهُ وَلِلرَّاكِبِ مِنْ دَابَّةٍ بَيْنَ الْبِلَادِ تَنْقُلُهُ، وَهَكَذَا الْإِصْلَاحُ يَحْتَاجُ إِلَى نَفْسٍ خَاضِعَةٍ تَحْمِلُ الصُّلْحَ وَالْإِصْلَاحَ عَلَى عَاتِقِهَا تَبْتَغِي بِذَلِكَ مَرْضَاتِ رَبِّهَا وَخَالِقِهَا، تَهْضِمُ حَظَّهَا لِتَصِلَ بِالصُّلْحِ إِلَى جَمِيعِ حُظُوظِهَا، وَتَتْرُكُ بَعْضَ حَقِّهَا لِتَصِلَ بِالصُّلْحِ إِلَى جَمِيعِ حُقُوقِهَا، وَاللهُ يَقُولُ: ﴿ﱑ ﱒﱓ﴾ [سورة النساء: 128].
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الصُّلْحَ لَا يَقُومُ عَلَى الْعَدْلِ فِي الْغَالِبِ الْأَعَمِّ.
وَهَلْ فُتِحَتْ مَكَّةُ إِلَّا عَلَى جِسْرِ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ مَعَ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ ظُلْمٍ وَغَبْنٍ؟!
وَهَلْ دَخَلَ مُسْلِمُو الْفَتْحِ إِلَى الْإِسْلَامِ إِلَّا بَعْدَ عَفْوِ النَّبِيِّ الْهُمَامِ ؟!
وَهَلْ بَلَغَ النَّبِيُّ مَا بَلَغَ إِلَّا لَمَّا تَرَكَ حَقَّهُ فِي الدَّعْوَةِ عَلَى قَوْمِهِ، فَبَلَغَ بِهَا الشَّفَاعَةَ الْعُظْمَى وَالْمِنَّةَ الْكُبْرَى؟!
فَمَا أَحْوَجَ الزَّوْجَيْنِ الْمُتَخَالِفَيْنِ أَنْ يَقِفَا عِنْدَ قَوْلِ اللهِ : ﴿ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ﴾ [سورة آل عمران: 159].
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ﴾ [سورة فصلت: 33].
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾﱿ ﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ﴾ [سورة فصلت: 34- 35].
وَإِنَّ «أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ»( ).
وَهَلْ هُنَاكَ ذَاتُ بَيْنٍ هِيَ أْوَلَى بِالْإِصْلَاحِ مِنَ ذَاتِ الْبَيْنِ الزَّوْجِيَّةِ؟!
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى خَيْرِ الْبَرِيَّةِ وَآلِهِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
* * *
فِقْهُ التَّعَامُلِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ(٥)
الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ ، أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَكْثَرَ الْأَزْوَاجِ يَسْعَوْنَ فِي غَيْرِ مَسْعًى، وَيَعْمَلُونَ فِي غَيْرِ مُعْتَمَلٍ، وَيَسِيرُونَ إِلَى السَّعَادَةِ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْوُصُولِ إِلَيْهَا، وَيَقِفُونَ أَمَامَ أَبْوَابٍ لَيْسَتْ بِأَبْوَابِهَا، وَحَتَّى مَنْ أَصَابَ طَرِيقَهَا، وَوَقَفَ أَمَامَ أَبْوَابَهَا، تَرَاهُ قَدْ أَتَى بِمَفَاتِيحَ غَيْرِ مَفَاتِيحِهَا، وَتَسْمَعُهُمْ يَدَّعُونَ السَّعَادَةَ وَهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَرْبَابِهَا، وَيَنْتَسِبُونَ إِلَيْهَا فِي كَلِمَاتِهِمْ، وَيُحَاكُونَهَا عَلَى صَفَحَاتِ وُجُوهِهِمْ، وَيَدَّعُونَهَا زُورًا وَبُهْتَانًا، وَالْقُلُوبُ تُعَانِي فَقْدَهَا بُؤْسًا وَحِرْمَانًا.
وَالْبَعْضُ مِنَ الزَّوْجَاتِ لَيْسَ لِزَوْجِهَا مِنْهَا إِلَّا مَادَّةُ الْجَسَدِ، وَأَمَّا رُوحُهَا فَمَا زَالَتْ عَنْهُ بِمَبْعَدَةٍ!!
وَالْبَعْضُ مِنَ الْأَزْوَاجِ مَعَ زَوْجَهِ بِبَدَنِهِ، وَأَمَّا رُوحُهُ وَقَلْبُهُ فَيَهِيمَانِ مَعَ غَيْرِهَا! وَهَذَا الَّذِي جَنَتْهُ عَلَى أَهْلِهَا بَرَاقِشُ!!
فَهَذِهِ بُيُوتٌ (أُقِيمَتْ عَلَى غَيْرِ أَسَاسٍ)، فَصَارَتْ ارْتِبَاطًا بَيْنَ جسَدَيْنِ لَا تَمَازُجًا بَيْنَ رُوحَيْنِ، وَعَلَاقَةً بَيْنَ نَفْسَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ فِي أَحْوَالِهِمَا وَأَعْرَافِهِمَا وَتَطَلُّعَاتِهِمَا، وَحَالُهُمَا كَمَا قَالَ الْقَائِلُ:
سَارَتْ مُشَرِّقَةً وَسِرْتُ مُغَرِّبَا
شتَّانَ بَيْنَ مُشَرِّقٍ وَمُغَرِّبِ( )
وَلَا يُمْكُنِ لِلزَّوْجَيْنِ أَنْ يَسْعَدَا بِزَوَاجِهِمَا (إِلَّا تَحْتَ مِظَلَّةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ).
تِلْكَ الْمِظَلَّةُ الَّتِي تُخْرِجُ الْمَرْءَ مِنْ دَاعِيَةِ نَفْسِهِ وَشَيْطَانِهِ وَهَوَاهُ، إِلَى دَاعِيَةِ رَبِّهِ وَمَوْلَاهُ، وَبِغَيْرِهَا فَإِنَّمَا هِيَ التَّعَاسَةُ بِكُلِّ صُوَرِهَا.
قَالَ تَعَالَى: ﴿ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﳇ ﳈ ﳉ ﳊ ﳋ ﳌ ﳍ ﳎ ﳏ ﳐ ﳑ ﳒ ﳓ ﳔ ﳕ ﳖ ﳗ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ﴾ [سورة طه: 123- 126].
وَالسِّرُّ وَرَاءَ ذَلِكَ كُلِّهِ الِانْشِغَالُ بِبِنَاءِ الْجُدْرَانِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْأَرْكَانِ، انْشَغَلَ الزَّوْجُ بِتَأْسِيسِ شَقَّتِهِ وَجِهَازِهِ، وَانْشَغَلَتْ الْمَرْأَةُ بِمَطْبَخِهَا وَرِيَاشِهَا وَلِبَاسِهَا، وَدَخَلَا عُشَّ الزَّوْجِيَّةِ لِيَتَمَتَّعَا بِمَا أَعَدَّا مَأْكَلًا وَمَشْرَبًا، وَمَنْكَحًا وَمَرْقَدًا، فَنَسِيَا فِي طَيَّاتِ ذَلِكَ:
صِيَامَ النَّهَارِ، وَقِيَامَ اللَّيْلِ!
وَتِلَاوَةَ الْقُرْآنِ، وَحِلَقَ الْعِلْمِ!
وَإِطْعَامَ الْمِسْكِينِ، وَإِكْرَامَ الضَّيْفِ!
وَنَسِيَا الْمَوْتَ، وَعَذَابَ الْقَبْرِ!
وَمَرَّتِ الْأَيَّامُ وَالْأَسَابِيعُ وَالشُّهُورُ.. وَتَرَى الْعُيُونَ مِنْ دُمُوعِ الْخَوْفِ وَالْخَشْيَةِ مِنَ اللهِ فَارِغَةً، وَالْقُلُوبَ فِي الصَّلَوَاتِ غَيْرَ خَاشِعَةٍ، وَالْأَيْدِيَ فِي الْأَسْحَارِ غَيْرَ ضَارِعَةٍ، وَالنُّفُوسَ بِجَمْعِ الْمَالِ وَالِهَةً، وَعَلَى الدُّنْيَا وَتَحْصِيلِهَا لَاهِثَةً، وَعَنِ الْآخِرَةِ وَأَسْبَابِ تَحْصِيلِهَا عَازِفَةً.
فَلَا تَرَى الْأُسْرَةَ الَّتِي تُوَثِّرُ فِيكَ بِلَحْظِهَا قَبْلَ وَعْظِهَا، وَلَا تِلْكَ الَّتِي تُحَقِّرُ لَكَ نَفْسَكَ أَمَامَ عِظَمِ نُفُوسِ أَفْرَادِهَا، وَتَحْتَقِرُ شَأْنَكَ فِي بَذْلِكَ وَإِنْفَاقِكَ أَمَامَ بَذْلِهَا وَإِنْفَاقِهَا، وَلَا تِلْكَ الَّتِي شَغَلَتْهَا الْمَعَالِي عَنِ الدَّنَايَا، وَالْبَاقِيَاتُ عَنِ الْفَانِيَاتُ، وَحَظُّ الرُّوحِ عَلَى حَظِّ الْجَسَدِ، وَالطَّوَافُ حَوْلَ الْعَرْشِ عَلَى الدَّوَرَانِ حَوْلَ الْحُشِّ.
إِنَّ الْأَصْلَ الْأَصِيلَ وَالرُّكْنَ الرَّكِينَ فِي الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ: (أَنْ يَعْلَمَ كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ أَنَّهُمَا لَيْسَا مُخَيَّرَيْنِ فِي أَدَاءِ حَيَاتِهِمَا كَمَا يَشَاءَانِ وَكَمَا يَحْلُو لَهُمَا).
وَإِنَّمَا هُمَا (مَحْكُومَانِ بِأَحْكَامٍ شَرْعِيَّةٍ) وَتَكَالِيفَ زَوْجِيَّةٍ، سَيَكُونُ عَلَيْهَا مَدَارُ التَّوْفِيقِ وَالسَّدَادِ، أَوْ الْخِذْلَانِ وَالْفَسَادِ.
فَالزَّوَاجُ فِي حَقِيقَتِهِ شَرِكَةٌ بَيْنَ زَوْجَيْنِ، تَعُودُ عَلَيْهِمَا وَعَلَى مَنْ حَوْلَهُمَا أَرْبَاحُهَا وَخَسَائِرُهَا، أَوْ شَجَرَةٌ طَيِّبَةٌ يَقْتَطِفُ الزَّوْجَانِ وَمَنْ حَوْلَهُمَا ثِمَارَهَا، وَيَنْعَمُونَ بِجَمِيلِ مَنْظَرِهَا وَشَذَا عَبِيرِهَا وَوَافِرِ ظِلَالِهَا.
أَوْ شَجَرَةٌ خَبِيثَةٌ يَتَجَرَّعُ الزَّوْجَانِ وَمَنْ حَوْلَهُمَا مَرَارَةَ ثَمَرِهَا، وَيَتَأَذَّوْنَ بِنَتْنِ رِيحِهَا وَجِرَاحَاتِ أَشْوَاكِهَا وَكَرِيهِ مَنْظَرِهَا! وَهُمَا وَحْدَهُمَا سَبَبُ كُلِّ بِرٍّ وَخَيْرٍ، أَوْ سَبَبُ كُلِّ إِثْمٍ وَشَرٍّ..
فَكُلٌّ مِنْهُمَا آخِذٌ بِيَدِ الْآخَرِ لِإِنْجَائِهِ وَإِسْعَادِهِ، أَوْ إِهْلَاكِهِ وَإِتْعَاسِهِ، حَيْثُ يَرْتَبِطُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ بِرِبَاطٍ وَثِيقٍ، لَا يَنْفَكَّانِ مِنْهُ إِلَّا بِالطَّلَاقِ، أَوْ الْمَوْتِ وَالْفِرَاقِ.
وَحَرِيٌّ بِكُلِّ زَوْجٍ وَزَوْجَةٍ أَنْ يَجْعَلَا مِنْ ذَلِكَ الرِّبَاطِ جَمْعِيَّةَ خَيْرٍ وَبِرٍّ، لَا جَمْعِيَّةَ سُوءٍ وَشَرٍّ، وَلْيَعْلَمَا أَنَّهُمَا مَأْمُورَانِ بِذَلِكَ مِنَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، بِالْأَمْرِ الْمُبَاشِرِ الصَّرِيحِ، وَهُوَ قَوْلُ اللهِ : ﴿ﲼ ﲽ ﲾ ﲿﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅﳆ ﳇ ﳈﳉ ﳊ ﳋ ﳌ ﳍ ﳎ﴾ [سورة المائدة: 2].
فَكُلُّ بِرٍّ شَرَعَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فَالزَّوْجَانِ مَأْمُورَانِ بِالتَّعَاوُنِ عَلَى فِعْلِهِ وَإِيجَادِهِ، وَكُلُّ إِثْمٍ نَهَى اللهُ عَنْ إِتْيَانِهِ فَهُمَا مَنْهِيَّانِ عَنِ الْأَخْذِ بِشَيْءٍ مِنْ أَسْبَابِهِ.
فَالزَّوْجُ مُكَلَّفٌ أَنْ يُعِينَ زَوْجَهُ عَلَى فِعْلِ الْمَأْمُورَاتِ وَتَرْكِ الْمَحْظُورَاتِ، وَالزَّوْجَةُ كَذَلِكَ، فَيَتَّقِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْآخَرِ رَبَّهُ، وَيُخْلِصُ فِي ذَلِكَ قَصْدَهُ، عَلَى أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مُعِينٍ لِلْآخَرِ عَلَى الْقِيَامِ بِأَرْكَانِ دِينِهِ وَإِسْلَامِهِ، وَزِيَادَةِ إِيمَانِهِ، وَبُلُوغِ أَعْلَى مَرَاتِبِ الْيَقِينِ فِي عُبُودِيَّةِ رَبِّهِ وَإِحْسَانِهِ وَبِرِّ وَالِدَيْهِ، وَصِلَةِ أَرْحَامِهِ، وَالْإِحْسَانِ إِلَى أَهْلِهِ وَجِيرَانِهِ، وَالتَّخَلُّقِ بِالْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ مَعَ كُلِّ مَنْ عَامَلَهُمَا حَالَ إِسَاءَتِهِ أَوْ إِحْسَانِهِ.
فَيَا لَهُمَا مِنْ زَوْجَيْنِ تَلَوَّنَتِ الْحَيَاةُ بِأَلْوَانِ أَخْلَاقِهِمَا، وَرَفْرَفَتِ السَّعَادَةُ عَلَى مَنْ حَوْلَهُمَا، فَمَلَأَتِ الْقُلُوبَ بِمَحَبَّتِهِمَا، وَتَسَارَعَ النَّاسُ فِي مَوَدَّتِهِمَا، وَقُوبِلَا عَلَى إِحْسَانِهِمَا إِحْسَانًا، وَعَلَى حُسْنِ صَنِيعِهِمَا شُكْرًا وَعِرْفَانًا، فَجَرَى عَلَى الْأَلْسِنَةِ ذِكْرُ مَنَاقِبِهِمَا، وَالتَّنَدُّرُ بِمَآثِرِهِمَا..
فَمَا أَجْمَلَهَا مِنْ زَوْجَةٍ.. فِي حُسْنِ تَبَعُّلِهَا، وَطِيبِ جَوْهَرِهَا، وَجَمِيلِ عِشْرَتِهَا، وَفَيْضِ جُودِهَا وَسَخَائِهَا.
وَمَا أَحْسَنَهُ مِنْ زَوْجٍ.. فِي شَفَقَتِهِ وَحُنُوِّهِ، وَحِلْمِهِ وَصَبْرِهِ وَسَخَائِهِ وَبَذْلِهِ وَحُسْنِ مُعَاشَرَتِهِ، وَكَرِيمِ أَخْلَاقِهِ.
فَمَا أَسْعَدَهُمَا مِنْ زَوْجَيْنِ، وَمَا أَهْنَأَ عَيْشَهُمَا مِنْ خَلِيلَيْنِ، وَمَا أَجْمَلَ حُبَّهُمَا مِنْ حَبِيبَيْنِ.. حُبًّا فِي اللهِ وَللهِ، فَهَانَتْ أَمَامَهُ مَا دُونَهُ مِنَ الْمَحَابِّ، فَسَهُلَ عَلَيْهِمَا الْجُودُ وَالْبَذْلُ، وَهَانَ عَلَيْهِمَا الْإِيثَارُ وَالْهَضْمٌ، فَامْتَلَأَتْ قُلُوبُهُمَا بِالرِّضَا وَأَنْفُسُهُمَا بِالْقَنَاعَةِ، فَكَثُرَ فِي أَيْدِيهِمَا الْقَلِيلُ، وَعَظُمَ فِي أَعْيُنِهِمَا الْيَسِيرُ، وَهَانَ عَلَيْهِمَا الشَّاقُّ وَالْعَسِيرُ.. فَهُمَا يَعِيشَانِ السَّعَادَةَ، حَالَ الْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَالظُّلْمِ مِنْ قِبَلِ الْغَيْرِ أَوِ الْعَدْلِ، (يَعِيشَانِ الْعُبُودِيَّةَ حَيْثُ كَانَتْ أَوْ تَكُونُ).
فَكَانَ لَهُمَا الْعِوَضُ مِنَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ﴾ [سورة القصص: 54] رَاحَةً وَهَنَاءَةً وَسَعَادَةً فِي الدُّنْيَا، وَنَعِيمًا وَمَتَاعًا فِي الْآخِرَةِ.
فَمَا أَحْوَجَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى أَنْ يَتَضَافَرُوا لِإِقَامَةِ الْحَيَاةِ عَلَى الْمِنْهَاجِ الْقَوِيمِ وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، فِي تَزْوِيجِ شَبَابِ وَفَتَيَاتِ الْمُسْلِمِينَ، مِنْ مُنْطَلَقِ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ شَرِيكَانِ فِي تِلْكَ الْحَيَاةِ، وَعَلى حَسَبِ أَقْوَالِهِمَا وَأَفْعَالِهِمَا وَأَخْلَاقِهِمَا تَمْتَلِئُ الْحَيَاةُ بِرًّا وَإِحْسَانًا، أَوْ فُجُورًا وَعِصْيَانًا.
وَعَلَى مُقْتَضَى ذَلِكَ يَشْمَلُهُمَا مِنَ اللهِ الرِّضَى وَالرِّضْوَانُ، أَوِ السُّخْطُ وَالذُّلُّ وَالْهَوَانُ.
فَزَوْجَةٌ تَأْخُذُ بِيَدِ زَوْجِهَا لِتَصِلَ بِهِ إِلَى الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى مِنَ الْجَنَّةِ، وَأُخْرَى تَهْبِطُ بِزَوْجِهَا إِلَى الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ الْهَابِطِ مِنَ النَّارِ، وَتَصِيرُ الْعَلَاقَةُ بَيْنَهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُلَّةً وَإِخَاءً، أَوْ خِصَامًا وَعَدَاءً.
فَيَأْتِي الزَّوْجَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خَلِيلَيْنِ مُتَوَادَّيْنِ بِحُسْنِ صَنِيعِهِمَا، وَجَمِيلِ فَعَالِهِمَا مِنْ طَاعَاتٍ وَقُرُبَاتٍ، حَيْثُ تُفَتَّحُ لَهُمَا أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ! يَدْخُلَانِ مِنْ أَيِّهَا شَاءَا!
أَوْ يَأْتِيَانِ خَصْمَيْنِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ يَخْتَصِمَانِ فِي سُوءِ فَعَالِهِمَا، وَطُولِ لِسَانِهِمَا، وَسُوءِ عِشْرَتِهِمَا، وَمُصَابِهِمَا فِي غَبْنِ حُقُوقِهِمَا، وَوَاجِبَاتٍ لَمْ تُؤَدَّ لِكِلَيْهِمَا، حَتَّى تَجْتَمِعَ عَلَيْهِمَا الْمَظَالِمُ وَتَثْقُلُ فِي مِيزَانِ سَيِّئَاتِهِمَا الْمَآثِمُ، فَيَحِقُّ عَلَيْهِمَا الْكِتَابُ، وَيَشْمَلُهُمَا الْحِسَابُ وَالْعِقَابُ، فيُلْقَى بِهِمْ إِلَى النَّارِ وَبِئْسَ الْمَأْوَى وَالْقَرَارُ.
فَالْبَدَارَ الْبَدَارَ أَيُّهَا الْأَزْوَاجُ..
لِتَأْتُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِخْوَانًا أَبْرَارًا، وَالْحَذَارَ الْحَذَارَ مَعَاشِرَ الْأَزْوَاجِ أَنْ تَأْتُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْدَاءً فُجَّارًا.
وَاللهُ مِنْ وَرَاءِ الْقَصْدِ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى الْبَشِيرِ النَّذِيرِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ.
* * *
فِقْهُ التَّعَامُلِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ (٦)
الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ .
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً، وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
إِذَا الْإِيمَانُ ضَاعَ فَلَا أَمَانٌ
وَلَا دُنْيَا لِمَنْ لَمْ يُحْيِ دِينَا
وَمَنْ رَضِيَ الْحَيَاةَ بِغَيْرِ دِينٍ
فَقَدْ جُعِلَ الْفَنَاءُ لَهَا قَرِينَا
وَالْإِيمَانُ هُنَا هُوَ الدِّينُ بِعَقَائِدِهِ وَعِبَادَاتِهِ وَمُعَامَلَاتِهِ وَأَخْلَاقِهِ وَسُلُوكِهِ، وَهُوَ النِّظَامُ الشَّامِلُ لِلْحَيَاةِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، عَلَى اخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ فِيهَا مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، وَوَالِدٍ وَوَلَدٍ، وَعَالِمٍ وَمُتَعَلِّمٍ، وَحَاكِمٍ وَمَحْكُومٍ، وَغَنِيٍّ وَفَقِيرٍ، وَزَوْجٍ وَزَوْجَةٍ، وَيَشْمَلُ عَلَاقَةَ الْمُسْلِمِ وَالْمُسْلِمَةِ بِهَؤُلَاءِ جَمِيعًا مِنْ خِلَالِ تَوْفِيَةِ الْحُقُوقِ وَالِالْتِزَامِ بِالْوَاجِبَاتِ.
وَلَكِنَّ الْوَاقِعَ الْمَعِيشَ يُظْهِرُ لَكَ أَنَّ الْكَثِيرَ مِنَ الْأَزْوَاجِ وَالزَّوْجَاتِ قَدْ جَعَلُوا الدِّينَ قَاصِرًا عَلَى عَلَاقَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ، مُتَنَاسِيَيْنِ أَوْ مُتَغَافِلَيْنِ عَنِ الْمُحِيطِينَ بِهِمَا حَيْثُ يُضِيعُ كُلٌّ مِنْهُمَا دِينَهُ وَدُنْيَاهُ، مِنْ حَيْثُ يَشْعُرُ، أَوْ لَا يَشْعُرُ.
فَأَكْثَرُهُمْ يَجْعَلُ حَيَاتَهُ قَاصِرَةً عَلَى زَوْجِهِ وَأَبْنَائِهِ، وَكَأَنَّ الْحَيَاةَ الزَّوْجِيَّةَ هِيَ أَكْبَرُ أَدْوَارِ الْحَيَاةِ وَالْبَعْضُ يَرَاهَا الْحَيَاةَ بِأَسْرِهَا، فَتَعِيشُ الزَّوْجَةُ مِنْ يَقَظَتِهَا إِلَى مَنَامِهَا تَدُورُ فِي فَلَكِ مُتَطَلَّبَاتِ الزَّوْجِ وَرَغَبَاتِهِ، وَكَأَنَّهَا مَا خُلِقَتْ إِلَّا لِذَلِكَ!
وَلَا تَزَالُ تَدُورُ فِي تِلْكَ الدَّائِرَةِ الضَّيِّقَةِ حَتَّى تَسْقُطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا، لِتَرَى الْحَقِيقَةَ الْمُرَّةَ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ أَمَةَ رَبِّهَا وَإِنَّمَا كَانَتْ أَمَةَ زَوْجِهَا!
فَلَا حَظَّ لَهَا فِي ذِكْرٍ وَصِيَامٍ، أَوْ عِلْمٍ وَقِيَامٍ، أَوْ بِرِّ وَالِدَيْنِ أَوْ إِحْسَانٍ لِجِيرَانٍ، أَوْ بَذْلٍ لِوَقْتٍ وَمَالٍ لِدَعْوَةِ الشَّارِدِينَ مِمَّنْ حَوْلَهَا عَنْ دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
حَيْثُ تُصْبِحُ الْحَيَاةُ الزَّوْجِيَّةُ لَا تَخْرُجُ عَنْ مُكْثٍ فِي الْمَطْبَخِ بِالنَّهَارِ، وَلِبَاسٍ وَرِيَاشٍ وَزِينَةٍ وَانْشِغَالٍ بِالشَّهَوَاتِ إِلَى الْأَسْحَارِ، أَوْ غَطِيطٍ مَعَ النَّائِمِينَ، أَوْ مُذَاكَرَةِ دُرُوسٍ مَعَ الدَّارِسِينَ، مَعَ ضَيَاعِ تَحْرِيرِ النِّيَّةِ وَرَاءَ ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَحِينَ تَقِفُ عَلَى الْحَقِيقَةِ تَرَاهَا كُلَّهَا دُنْيَا يَا صَاحِبِي، وَإِن غَلَّفَهَا مَنْ غَلَّفَهَا بِأَنَّهَا تُقًى وَدِينٌ، وَالْمُؤَشِّرُ الَّذِي يَدُلُّكَ عَلَى كَوْنِهَا دُنْيَا وَلَيْسَتْ بِدِينٍ (تَغَيُّرُ النُّفُوسِ) عِنْدَ وُجُودِ ذَلِكَ وَفَقْدِهِ، فَرَحًا وَسُرُورًا أَوْ غَمًّا وَحُبُورًا.
وَالزَّوْجَةُ الَّتِي تَنْسَاقُ وَرَاءَ زَوْجِهَا حَتَّى تَصِيرَ حَيَاتُهَا هَكَذَا، تَحْتَاجُ أَنْ تَنْظُرَ فِي حَقِيقَةِ تَدَيُّنِهَا وَدَعْوَى الْتِزَامِهَا.
مَا أَحْوَجَ النِّسَاءَ أَنْ يَعْلَمْنَ أَنَّ:
(عَلَاقَتَهُنَّ بِأَزْوَاجِهِنَّ جُزْءٌ مِنَ الْحَيَاةِ وَلَيْسَتْ هِيَ كُلَّ الْحَيَاةِ، وَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ الدِّينِ وَلَيْسَتْ هِيَ كُلَّ الدِّينِ).
وَالنَّاظِرَةُ فِي أَحْوَالِ زَوْجَاتِ الصَّحَابَةِ تَجِدُ أَنَّهُنَّ لَمْ يَقْصُرْنَ الْحَيَاةَ عَلَى تِلْكَ السَّفَاسِفِ وَالتَّفَاهَاتِ الَّتِي انْشَغَلَ بِهَا أَكْثَرُ الزَّوْجَاتِ، وَإِنَّمَا كُنَّ يَفْعَلْنَ مِثْلَ ذَلِكَ وَفَوْقَ ذَلِكَ، فَقَدْ كُنَّ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِنَّ تَائِبَاتٍ قَانِتَاتٍ صَائِمَاتٍ قَائِمَاتٍ عَالِمَاتٍ مُجَاهِدَاتٍ، لَقَدْ ضَرَبْنَ
-رَضِيَ اللهُ عَنْهُنَّ- أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَمَا مِنْ زَوْجَةٍ إِلَّا وَهِيَ مَأْمُورَةٌ أَنْ تَأْخُذَ أُسْوَتَهَا وَقُدْوَتَهَا مِنْ تِلْكَ الصَّحَابِيَّاتِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯﱰ ﱱ ﱲ ﱳ﴾ [سورة النساء: ١١٥].
مَا أَحْوَجَ الْأَزْوَاجَ وَالزَّوْجَاتِ إِلَى النَّظَرِ فِي سِيَرِ جِيلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، ذَلِكَ الْجِيلُ الَّذِي تَأَسَّسَتْ عَلَى يَدَيْهِ خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، وَقَامَتْ عَلَى يَدَيْهِ أَكْبَرُ دَوْلَةٍ فِي تَارِيخِ الْعَالَمِ كُلِّهِ، قَدِ انْطَلَقُوا فِي الْحَيَاةِ بِهِمَمٍ عَالِيَةٍ، وَنُفُوسٍ زَاكِيَةٍ، وَأَبْدَانٍ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ صَابِرَةٍ، لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ ظُلَمَاتِ الشِّرْكِ إِلَى نُورِ التَّوْحِيدِ وَمِنْ حَمْأَةِ الْمَعْصِيَةِ إِلَى رِيَاضِ الطَّاعَةِ، وَلَمْ يَمْنَعْهَا مِنْ تَأْدِيَةِ دَوْرِهَا فِي الْحَيَاةِ تِلْكَ الْأُمُورُ الَّتِي يَتَعَذَّرُ بِهَا الْكَثِيرُ مِنَ النَّاسِ فِي دُنْيَا اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَيَعُدُّونَهَا أَعْذَارًا عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ وَتَحْصِيلِ الْعِبَادَةِ، وَالدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ، مَعَ الْإِنْفَاقِ وَالْبَذْلِ، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَدْ كَانُوا كَمَا وُصِفُوا رُهْبَانًا بِاللَّيْلِ فُرْسَانًا بِالنَّهَارِ.
وَإِلَيْكُمْ مَعَاشِرَ الْأَزْوَاجِ وَالزَّوْجَاتِ بَعْضَ أَحْوَالِهِمْ فِي لَيْلِهِمْ وَنَهَارِهِمْ:
فَقَدْ كَانَ رِيَاحُ بنُ عَمْرٍو القَيْسِيُّ تَابِعِيًّا جَلِيلًا، تَزَوَّجَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا (ذُؤَابَةُ)، فَلَمَّا جَاءَ النَّهَارُ أَرَادَ أَنْ يَخْتَبِرَهَا، فَقَامَتْ تَعْجِنُ عَجِينَهَا، فَقَالَ: أُحْضِرُ لَكِ أَمَةً.
قَالَتْ: أَنَا تَزَوَّجْتُ رِيَاحًا وَمَا تَزَوَّجْتُ جَبَّارًا عَنِيدًا!
فَلَمَّا جَاءَ اللَّيْلُ تَنَاوَمَ رِيَاحٌ، فَقَامَتْ رُبُعَ اللَّيْلِ، فَقَالَتْ: يَا رِيَاحُ، قُمْ!
فَقَالَ: أَقُومُ. وَظَلَّ نَائِمًا.
فَقَامَتِ الرُّبُعَ الثَّانِيَ وَقَالَتْ: يَا رِيَاحُ، قُمْ!
فَقَالَ: أَقُومُ. فَمَضَى الرُّبُعُ الثَّالِثُ، فَقَالَتْ: يَا رِيَاحُ، قُمْ! فَقَالَ: أَقُومُ.
فَدَخَلَ الرُّبُعُ الرَّابِعُ فَقَالَتْ: يَا رِيَاحُ، قَدْ عَسْكَرَ الْمُعَسْكِرُونَ، وَفَازَ الْمُحْسِنُونَ، يَا لَيْتَ شِعْرِي، مَنْ غَرَّنِي بِكَ!
وَكَانَتْ إِذَا دَخَلَ اللَّيْلُ تَهَيَّأَتْ فِي أَجْمَلِ هَيْئَةٍ، فَإِذَا كَانَ لَهُ بِهَا حَاجَةٌ أَصَابَهَا، ثُمَّ تَفَرَّغَا لِعِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى( ).
وَهَذَا الرَّكْبُ الْمُبَارَكُ عَاشُوا الْحَيَاةَ الْحَقَّةَ وَالدَّعْوَى الصَّادِقَةَ فِي التَّدَيُّنِ وَالِالْتِزَامِ، مُتَأَسِّينَ بِالنَّبِيِّ الْأَمِينِ ، وَصَحْبِهِ الطَّيِّبِينَ الْمُطَهَّرِينَ، (فَلَمْ تَكُنْ الْحَيَاةُ الزَّوْجِيَّةُ هِيَ كُلَّ شُغُلِهِمُ الشَّاغِلِ، وَغَايَةَ أَمْرِهِمُ الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ، فَلَمْ تَشْغَلْهُمْ عَنْ عِبَادَةِ رَبِّهِمْ لَا فِي لَيْلِهِمْ وَلَا فِي نَهَارِهِمْ)؛ لِأَنَّ الْحَيَاةَ بِمَا فِيهَا لَمْ تَكُنْ أَهْدَافًا وَغَايَاتٍ، وَإِنَّمَا كَانَتْ وَسَائِلَ فَانِيَاتٍ لِغَايَاتٍ بَاقِيَاتٍ، فَاسْتَعْمَلُوا الْحَيَاةَ وَلَمْ تَسْتَعْمِلْهُمْ، وَاسْتَخْدَمُوهَا فَلَمْ يَدَعُوهَا تَسْتَخْدِمُهُمْ، وَاغْتَنَمُوهَا قَبْلَ أَنْ تَغْبِنَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ.
فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: «تَضَيَّفْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ -أَيْ نَزَلْتُ ضَيْفًا عَلَيْهِ- فَكَانَ هُوَ وَزَوْجُهُ وَخَادِمُهُ يَقْتَسِمُونَ اللَّيْلَ أَثْلَاثًا، الزَّوْجَةُ ثُلُثًا، وَخَادِمُهُ ثُلُثًا، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ثُلُثًا»( ).
وَفِي تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ لِلذَّهَبِيِّ أَنَّ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيَّ كَانَ عِنْدَهُ زَوْجَتَانِ، كَانُوا يَقْتَسِمُونَ اللَّيْلَ أَثْلَاثًا!( ).
وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ -وَهُوَ مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ- كَانَ يَقْتَسِمُ اللَّيْلَ هُوَ وَأَخُوهُ وَأُمُّهُ أَثْلَاثًا، فَمَاتَتْ أُمُّهُ، فَاقْتَسَمَ اللَّيْلَ هُوَ وَأَخُوهُ عَلِيٌّ، فَمَاتَ أَخُوهُ، فَقَامَ اللَّيْلَ بِنَفْسِهِ!( ).
وَكَانَ لِلْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ جَارِيَةٌ فَبَاعَهَا، فَأَيْقَظَتْ مَنِ اشْتَرَوْهَا فِي اللَّيْلِ، فَقَالُوا: أَسْفَرْنَا؟ -يَعْنِي طَلَعَ الْفَجْرُ- فَقَالَتْ: لَا، أَلَا تَتَهَجَّدُونَ؟
فَقَالُوا: لَا نَقُومُ إِلَّا إِلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ.
فَجَاءَتْ إِلَى الْحَسَنِ تَبْكِي وَتَقُولُ: رُدَّنِي، لَقَدْ بِعْتَنِي لِأُنَاسٍ لَا يُصَلُّونَ إِلَّا الْفَرِيضَةَ. فَرَدَّهَا!( )
وَالزَّوْجُ الَّذِي لَا يُعِينُ زَوْجَتَهُ عَلَى اللَّحَاقِ بِهَذَا الرَّكْبِ (غَيْرُ أَمِينٍ عَلَى نَفْسِهِ وَزَوْجِهِ وَوَلَدِهِ)؛ لِأَنَّهُ يَسِيرُ بِهِمْ إِلَى التَّعَاسَةِ وَالشَّقَاءِ لَا مَحَالَةَ، وَهَذَا بِخَبَرِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ، الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، وَقَدْ أَخْبَرَ بِذَلِكَ ، فَقَالَ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيلَةِ تَعِسَ وَانْتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلا انْتُقِشَ»( ).
فَلَا تَغُرَّنَّكُمَا مَعَاشِرَ الْأَزْوَاجِ وَالزَّوْجَاتِ تِلْكَ الْمَظَاهِرُ الْخَدَّاعَةُ مِنْ لَذَاذَةِ الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ، وَمَلَاحَةِ الْوُجُوهِ وَنَضَارَةِ الْأَبْدَانِ، وَجَمَالِ الرِّيَاشِ وَالْأَثَاثِ، وَالتَّنَقُّلِ بِالسَّيَّارَاتِ الْفَارِهَاتِ بَيْنَ الشَّوَاطِئِ وَالْمُتَنَزَّهَاتِ، فَإِنَّهَا حِمْلٌ عَلَى أَصْحَابِهَا، وَهُمُومٌ عَلَى أَرْبَابِهَا، وَمَصَارِفُ تَصْرِفُ النَّفْسَ وَالْقَلْبَ عَنْ عُبُودِيَّةِ رَبِّهَا وَمَالِكِ أَمْرِهَا.
وَيَكْفِي فِي صَرْفِ النَّفْسِ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُ أَعْلَمِ الْخَلْقِ بِشَأْنِهَا عِنْدَ خَالِقِهَا وَمَالِكِ أَمْرِهَا، وَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيْهِ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِهَا ذَهَبًا وَفِضَّةً، فَرَفَضَهَا ، مُبَيِّنًا حَقَارَةَ شَأْنِهَا فَقَالَ عَنْهَا: «لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تُسَاوِي عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا شَرْبَةَ مَاءٍ»( ).
فَيَا مَعَاشِرَ الْأَزْوَاجِ وَالزَّوْجَاتِ: أَخْرِجُوا الدُّنْيَا مِنْ قُلُوبِكُمْ، وَعَمِّرُوهَا بِآخِرَتِكُمْ، فَأَهْنَأُ مَا تَعِيشُونَ فِي الدُّنْيَا حِينَ تُهِينُوهَا لَا حِينَ تُكْرِمُوهَا.
فَأَفِيقُوا مَعَاشِرَ الْأَزْوَاجِ وَالزَّوْجَاتِ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْغَافِلِينَ وَالْغَافِلَاتِ، قَبْلَ مُلَاقَاةِ الْمَلَائِكَةِ النَّازِعَاتِ، وَحَسَرَاتِ الْفَوْتِ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْمَوْتِ، وَشِدَّةِ السَّكَرَاتِ، وَمُقَاسَاةِ الزَّفَرَاتِ، وَمُفَارَقَةِ الْقُصُورِ وَالْعِمَارَاتِ إِلَى الْقُبُورِ حَيْثُ النُّورُ أَوِ الظُّلُمَاتُ.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
* * *
فِقْهُ التَّعَامُلِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ (٧)
الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ .
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ الْوَاقِعَ بَيْنَ الْأَزْوَاجِ فِيمَا يَجْرِي بَيْنَهُمَا مِنْ مَشَاكِلَ وَخِلَافَاتٍ وَاقِعٌ مُرٌّ أَلِيمٌ.. يَنْدَى لَهُ الْجَبِينُ.. وَيَكْثُرُ بِسَبَبِهِ النَّحِيبُ وَالْأَنِينُ.. وَيَأْسَفُ لَهُ الرَّجُلُ الْحَكِيمُ وَغَيْرُ الْحَكِيمِ، وَذَلِكَ لِمَا يَعْتَرِيهِ مِنْ مُنَازَعَاتٍ وَخُصُومَاتٍ، هِيَ فِي مَجْمُوعِهَا بَعِيدَةٌ عَنِ الْحَيْدَةِ وَالْعَدْلِ وَالتَّحَاكُمِ إِلَى الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ وَالْعُرْفِ، فَتَرَى فِيهَا ذِئْبَيْنِ مُفْتَرِسَيْنِ لَا حَمَلَيْنِ وَدِيعَيْنِ.. خَصْمَيْنِ مُتَعَانِدَيْنِ لَا مُخْتَلِفَيْنِ أَمَامَ الْحَقِّ وَالشَّرْعِ مُتَقَاضِيَيْنِ!!
وَتَرَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ شَهَرَ فِي وَجْهِ الْآخَرِ أَسْلِحَتَهُ وَمُدَرَّعَاتِهِ وَصَوَارِيخَهُ وَدَبَّابَاتِهِ (مُتَنَاسِيَيْنِ أَنَّهُمَا مَا زَالَا أَفْرَادَ أُسْرَةٍ وَاحِدَةٍ، لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهَا الْمَوْتُ أَوِ الطَّلَاقُ، وَلَمْ يَخْرُجَا بَعْدُ مِنْ وَصْفِ الزَّوْجِيَّةِ) وَمِنْ لَوَازِمِهِ السَّكَنُ وَالْمَوَدَّةُ وَالرَّحْمَةُ.
وَوَا أَسَفَاهُ!! فِي ظِلِّ تِلْكَ الْمَشَاكِلِ تُسْتَعْمَلُ الْحِيَلُ الْمُلْتَوِيَةُ وَالْأَلَاعِيبُ الصِّبْيَانِيَّةُ، وَالْخُطَطُ الْمَاكِرَةُ، وَيَسْتَبِيحُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِنَفْسِهِ مَا حَلَّ وَمَا حَرُمَ، لِلْوُصُولِ إِلَى مَا يُرِيدُ، بِغَضِّ النَّظَرِ هَلْ لَهُ حَقٌّ فِي ذَلِكَ أَمْ لَا؟!!
وَهَذَا كُلُّهُ مِنَ الْفَسَادِ وَالْإِفْسَادِ، وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَلَا الْمُفْسِدِينَ.
وَهَذِهِ (وَقْفَةٌ إِصْلَاحِيَّةٌ) لِمَا يَعْتَرِي الْأُسَرَ مِنْ مَشَاكِلَ زَوْجِيَّةٍ، تُؤَدِّي إِلَى تَوَرُّطِ الْأُسْرَةِ فِي تَوَتُّرَاتٍ نَفْسِيَّةٍ وَمَسَاوِئَ خُلُقِيَّةٍ وَانْحِرَافَاتٍ مُجْتَمَعِيَّةٍ تَكُونُ سَبَبًا فِي انْحِرَافِ الْمُجْتَمَعِ عَنْ سَوَائِهِ وَاسْتِقْرَارِهِ، وَتَأَخُّرِهِ عَنْ تَقَدُّمِهِ وَازْدِهَارِهِ!
فَكَمْ مِنْ مُوَظَّفٍ فَرَّطَ وَقَصَّرَ فِي عَمَلِهِ بِسَبَبِ مَشَاكِلِهِ الزَّوْجِيَّةِ، وَكَمْ مِنْ سَائِقٍ حَادَ عَنْ طَرِيقِهِ فَأَهْلَكَ نَفْسَهُ وَمَنْ مَعَهُ بِسَبَبِ شُرُودِ ذِهْنِهِ فِيمَا جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ!
وَكَمْ مِنْ صَاحِبِ قَرَارٍ يُؤَثِّرُ فِي قِطَاعٍ عَرِيضٍ مِنَ الْمُجْتَمَعِ كَانَتْ لِمَشَاكِلِهِ الزَّوْجِيَّةِ أَكْبَرُ الْأَثَرِ فِي قَرَارَاتِهِ وَانْفِعَالَاتِهِ!
وَكَمْ مِنْ أَبْنَاءٍ خَرَجُوا إِلَى الْحَيَاةِ حَيَارَى تَائِهِينَ تَأَثُّرًا بِمَا يَجِدُونَهُ مِنَ الْمُرِّ الْمَرِيرِ وَالْأَلَمِ الدَّفِينِ لِمَا يَحْدُثُ مِنْ مَشَاكِلَ أُسْرِيَّةٍ وَخِلَافَاتٍ أَبَوِيَّةٍ!!
فَيَا مَعَاشِرَ الْأَزْوَاجِ وَالزَّوْجَاتِ:
تَعَالَوْا نَقِفْ مَعَ أَنْفُسِنَا وَقْفَةً نَبْتَغِي مِنْ وَرَائِهَا مَرْضَاتِ رَبِّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَمُتَابَعَةَ نَبِيِّنَا وَالْمُسَاهَمَةَ فِي إِصْلَاحِ ذَاتِ بَيْنِنَا، وَحِيَاطَةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ تَفَكُّكِ أَوْصَالِهَا، وَتَشَرْذُمِ أَفْرَادِهَا فِي أَهَمِّ كِيَانَاتِهَا وَأَجْزَائِهَا، وَهُوَ (الْمُحِيطُ الْأُسْرِيُّ) الَّذِي مِنْهُ تَخْرُجُ جَمِيعُ طَوَائِفِ الْمُجْتَمَعِ مِنْ حَاكِمٍ وَمَحْكُومٍ وَعَالِمٍ وَمُتَعَلِّمٍ وَغَنِيٍّ وَفَقِيرٍ وَرَئِيسٍ وَمَرْؤُوسٍ حَيْثُ يَصْلُحُ هَؤُلَاءِ بِصَلَاحِهِ وَيَفْسُدُونَ بِفَسَادِهِ، وَيَسْتَقِرُّونَ بِاسْتِقْرَارِهِ وَيَضْطَرِبُونَ بِاضْطِرَابِهِ.
فَمَا أَحْوَجَ كُلَّ زَوْجٍ وَزَوْجَةٍ:
أَنْ يَتَّقِيَا اللهَ فِي أَنْفُسِهِمَا، وَأَنْ يُغَلِّبَا الْمَصْلَحَةَ الْعُلْيَا فِي بَقَاءِ أُسْرَتِهِمَا وَاسْتِقْرَارِهَا عَلَى مَا دُونَهَا مِنَ الْمَصَالِحِ..
فَيُعِينُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ عَلَى نَفْسِهِ لِيَقُومَ بِدَوْرِهِ فِي الْحَيَاةِ عِبَادَةً وَمُعَامَلَةً وَأَخْلَاقًا وَسُلُوكًا، وَسَيَجِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَثَرَ ذَلِكَ حُبًّا وَحَنَانًا..
وُدًّا وَسَكَنًا..
بِرًّا وَصِلَةً..
جُودًا وَكَرَمًا..
فَهَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ؟!
وَهَلْ جَزَاءُ الْبَذْلِ وَالْعَطَاءِ إِلَّا الْجُودُ وَالسَّخَاءُ؟!
وَمِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ الْمَشَاكِلِ وَالْخِلَافَاتِ الزَّوْجِيَّةِ: غَفْلَةُ الزَّوْجَيْنِ عَنِ الْحَالَةِ الَّتِي تَزَوَّجَا عَلَيْهَا مِنْ كَوْنِهَا حَيَاةً جَدِيدَةً لَا عَهْدَ لَهُمَا بِهَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَالتَّعَثُّرُ وَالتَّخَبُّطُ مِنْ لَوَازِمِ السَّيْرِ فِي دُرُوبِهَا، حَيْثُ لَمْ تَتَّضِحْ لَهُمَا مَعَالِمُهَا، وَلَمْ يَكْسِبَا فِقْهَ إِدَارَتِهَا، وَلَمْ يَبْلُغَا فِيهَا مَبْلَغَ آبَائِهِمَا.
وَالْقَاعِدَةُ الَّتِي يَجِبُ عَلَيْهِمَا أَنْ يَعْمَلَا بِهَا فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ:
اقْدُرُوا لِلزَّوْجَيْنِ حَدِيثِي السِّنِّ قَدْرَهُمَا.
وَأَنْ يَتَرَفَّقَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ.
وَيَأْخُذَ بِيَدِهِ عِنْدَ عَثْرَتِهِ.
وَيَنْفُضَ عَنْ كَاهِلِهِ عِنْدَ كَبْوَتِهِ.
وَيَتَلَمَّسَ لَهُ الْمَعَاذِيرَ عِنْدَ خَطَئِهِ وَغَفْلَتِهِ.
وَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، وَمَا يُقَدِّمُهُ أَحَدُهُمُ الْيَوْمَ يَحْتَاجُ إِلَى مِثْلِهِ فِي غَدِهِ.
وَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا:
أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ خَطَأِ الْآخَرِ سَبِيلًا لِعِلَاجِهِ وتَفَادِيهِ، لَا سَبِيلًا لِمُحَاسَبَتِهِ وَتَقَاضِيهِ.
وَأَنْ يَضَعَ فِي اعْتِبَارِهِ:
أَنَّ الْأَصْلَ فِي بَنِي آدَمَ الْخَطَأُ لَا الصَّوَابُ.. الْجَهْلُ لَا الْعِلْمُ، وَبِخَاصَّةٍ فِي الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ الَّتِي لَا عَهْدَ لِلزَّوْجَيْنِ بِهَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُؤَهِّلْهُمَا الْمُجْتَمَعُ الْأُسْرِيُّ وَالْحَيَاتِيُّ لِلْإِحَاطَةِ بِمَعَايِيرِهَا وَأَحْكَامِهَا، وَالْقُدْرَةُ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ، وَلَا تَكْلِيفَ بِغَيْرِ مَقْدُورٍ.
وَلَا يَتَنَاسَيَا:
أَنَّهُمَا فِي تِلْكَ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ شَرِيكَانِ يَعُودُ عَلَيْهِمَا وَحْدَهُمَا الرِّبْحُ وَالْخَسَارَةُ.
وَالشَّرِيكُ الْعَاقِلُ: (هُوَ الَّذِي يُقَلِّلُ مِنْ خَسَائِرِ تِجَارَتِهِ عَلَى قَدْرِ مَا يَسْتَطِيعُ، لَا أَنْ يَكُونَ سَاعِيًا فِي زِيَادَتِهَا، وَمَهْمَا كَانَتْ الْمَشَاكِلُ وَالْخِلَافَاتُ فَهِيَ أَقَلُّ مِنْ أَنْ تَعْصِفَ بِأَصْلِ الشَّرِكَةِ، وَتَكُونَ سَبَبًا فِي ضَيَاعِ رَأْسِ مَالِ الزَّوْجَيْنِ).
وَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا:
أَنْ يُرَاعِيَ الْفَارِقَ الزَّمَنِيَّ وَالْمَعْنَوِيَّ وَالدِّينِيَّ وَالْخُلُقِيَّ وَالْأُسْرِيَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخَرِ، وَالتَّغَيُّرَاتِ الَّتِي طَرَأَتْ عَلَيْهِ مِنْ خِلَالِ تَزَوُّدِهِ بِقَنَاعَاتٍ وَهِدَايَاتٍ أثَّرَتْ فِي سُلُوكِهِ وَأَخْلَاقِهِ لَمْ يَصِلِ الْآخَرُ إِلَيْهَا.
وَعَدَمُ اعْتِبَارِ تِلْكَ الْفَوَارِقِ يُوقِعُ الطَّرَفَيْنِ فِي الْحَرَجِ وَالْعَنَتِ، حَيْثُ يُرِيدُ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنَ الْآخَرِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الْأَشْيَاءِ بِقُوَّةِ بَصَرِهِ وَبَصِيرَتِهِ هُوَ، وَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ أَنْ يَصِلَ إِلَى ذَلِكَ مِنْهَا، فَالرُّؤَى مُتَخَالِفَةٌ، وَالْإِمْكَانَاتُ غَيْرُ مُتَوَافِقَةٍ، وَالْأَفْهَامُ غَيْرُ مُتَلَاقِيَةٍ.
وَهُنَا يَحْتَاجُ الزَّوْجَانِ إِلَى صُلْحٍ كَـ(صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ) يَرْضَى الطَّرَفُ الْعَاقِلُ مِنْهُمَا بِالْغَبْنِ الْيَسِيرِ أَوِ الْكَثِيرِ، رَجَاءَ الْوُصُولِ إِلَى الرِّبْحِ الْكَثِيرِ وَالْخَيْرِ الْوَفِيرِ، وَالْمُهَادَنَةِ الَّتِي يَتْبَعُهَا مُوَادَعَةٌ.
وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا للهِ عَوَّضَهُ اللهُ خَيْرًا مِنْهُ، وَمَا عَاقَبَ أَحَدٌ مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ بِمِثْلِ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ.
وَالْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَيُؤَازِرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَيُعَاوِنُ بَعْضُهُ بَعْضًا.
وَالْأَشْيَاءُ لَهَا عَرَضٌ وَجَوْهَرٌ..
وَالْوُقُوفُ عِنْدَ الْعَرَضِ لَا يُقَدِّمُ وَلَا يُؤَخِّرُ.
وَأَمَّا الْوُقُوفُ عِنْدَ الْجَوْهَرِ فَهُوَ نَافِعٌ فِي عِلَاجِ الْأَعْرَاضِ وَتَغْيِيرِهَا.
وَجَوْهَرُ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ الْأَصْلُ فِيهَا: أَنْ تَكُونَ مُفْعَمَةً بِالْوُدِّ وَالْأُنْسِ وَالرَّحْمَةِ.
فَإِذَا وَجَدَ الرَّجُلُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ غَيْرَ ذَلِكَ فَهَذَا: (عَرَضٌ طَارِئٌ لَا أَصْلٌ قَائِمٌ، وَالْحُكْمُ دَائِمًا وَأَبَدًا لِلْغَالِبِ الْأَعَمِّ).
وَلَيْسَ مِنَ الْعَقْلِ وَالْحِكْمَةِ:
أَنْ نُفْسِدَ عَلَاقَةً قَائِمَةً مِنْ أَجْلِ مُخَالَفَةٍ أَوْ مُشْكِلَةٍ طَارِئَةٍ، فَلَيْسَ هَذَا مِنْ النَّصَفِ وَالْعَدْلِ، إِنَّمَا هُوَ مِنَ الظُّلْمِ وَالْجَوْرِ.
وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ يَقْبَلُ عِبَادَهُ فِي جَنَّتِهِ وَدَارِ كَرَامَتِهِ بِمَا غَلَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْخَيْرِ وَالْبِرِّ، مَعَ مَا اقْتَرَفُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي دُونَ الشِّرْكِ، وَيَأْتِي مِنَ الْأَزْوَاجِ وَالزَّوْجَاتِ مَنْ يُحِيلُ الْحَيَاةَ جَحِيمًا لِتَوَرُّطِ الْآخَرِ فِي مَعْصِيَةٍ مِنَ الْمَعَاصِي أَوْ مُخَالَفَةٍ مِنَ الْمُخَالَفَاتِ، أَوْ تَقْصِيرٍ فِي بَعْضِ الْحُقُوقِ وَالْوَاجِبَاتِ.
أَلَا شَاهَتِ الْوُجُوهُ الَّتِي لَمْ تَرْضَ لِنَفْسِهَا مَا رَضِيَهُ اللهُ لِنَفْسِهِ!!
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى عَبْدِهِ وَنَبِيِّهِ وَصَفِيِّهِ وَنَجِيِّهِ وَخَلِيلِهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
* * *
فِقْهُ التَّعَامُلِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ (٨)
الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ .
أَمَّا بَعْدُ:
فَعَلَى كُلِّ زَوْجَيْنِ أَنْ يَعْلَمَا أَنَّ التَّحَمُّلَ وَالصَّبْرَ وَغَضَّ الطَّرْفِ عَنْ مَسَاوِئِ الْآخَرِ وَالِاهْتِمَامَ بِمَحَاسِنِهِ وَمَزَايَاهُ عِلَاجٌ نَافِعٌ لِجَمِيعِ الْمَشَاكِلِ الزَّوْجِيَّةِ.
فَالْإِنْسَانُ إِنْ لَمْ يَشْغَلْ نَفْسَهُ بِالْحَقِّ شَغَلَتْهُ بِالْبَاطِلِ، وَإِنْ لَمْ يَسْلُكْ سَبِيلَ الْعُبُودِيَّةِ للهِ الْوَاحِدِ الدَّيَّانِ فَسَوْفَ يَسْلُكُ سَبِيلَ الْعُبُودِيَّةِ لِلْهَوَى وَالشَّيْطَانِ، وَالْحُكْمُ دَائِمًا وَأَبَدًا لِلْغَالِبِ الْأَعَمِّ.
وَالنَّبِيُّ قَالَ: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ»( ).
وَمَنْ أَرَادَ زَوْجًا بِلَا عَيْبٍ فَلَنْ يَصْلُحَ لَهُ فِي الْحَيَاةِ زَوْجٌ!
وَلَقَدْ صَارَتِ الْحَيَاةُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ سَبَبًا فِي انْطِلَاقِ الشَّهَوَاتِ مِنْ عُقُلِهَا، وَإِيرَادِ الشُّبُهَاتِ بِتَقْعِيدَاتِهَا، وَلَا مَخْرَجَ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا:
بِتَصْفِيَةِ النَّفْسِ وَتَهْذِيبِهَا.
وَكَبْحِ جِمَاحِ الْهَوَى.
وَتَحْقِيقِ الْعُبُودِيَّةِ لِرَبِّهَا وَخَالِقِهَا.
وَذَلِكَ مِنْ خِلَالِ: مُعَايَشَةِ إِسْلَامِهَا، وَتَأْصِيلِ إِيمَانِهَا، وَتَفْعِيلِ إِحْسَانِهَا.
وَأَنْصَحُ الزَّوْجَيْنِ عِنْدَ كُلِّ مُشْكِلَةٍ تَظْهَرُ فِي حَيَاتِهِمَا بِهَذِهِ النَّصَائِحِ:
* أَوَّلًا:
أَنْ يُرَاجِعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَفْسَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، فَلَعَلَّ إِعْرَاضَ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ مِنْ إِعْرَاضِهِ هُوَ عَنْ رَبِّهِ، وَانْشِغَالِهِ بِحُظُوظِهِ وَحُظُوظِ غَيْرِهِ عَنْ وَاجِبَاتِهِ وَتَكَالِيفِهِ تِجَاهَ رَبِّهِ وَدِينِهِ وَنَفْسِهِ.
فَالْقَانُونُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُنَا الصَّالِحُ -رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ-: «إِنِّي لَأَعْرِفُ حَالِي مَعَ رَبِّي فِي حَالِ دَابَّتِي وَزَوْجَتِي»( ).
وَالْمَعِيشَةُ الضَّنْكُ نَتِيجَةٌ حَتْمِيَّةٌ لِلْإِعْرَاضِ عَنْ ذِكْرِ اللهِ بِطَاعَتِهِ، وَامْتِثَالِ أَمْرِهِ وَالْبُعْدِ عَنْ مَعْصِيَتِهِ وَاجْتِنَابِ نَهْيِهِ.
فَمَا أَسْوَأَ حَيَاةَ زَوْجَيْنِ قَدْ سَلَّمَا أَنْفُسَهُمَا لِلْهَوَى وَالدُّنْيَا وَالشَّيْطَانِ، وَصَارَا بِمَبْعَدَةٍ عَنِ الْحَقِّ وَالسُّنَّةِ وَالْهُدَى وَالْإِيمَانِ.
* ثَانِيًا:
أَنْصَحُ الْأَزْوَاجَ أَنْ يَتَغَافَلُوا عَنْ أَخْطَائِهِمَا، وَلْيَكْتُمُوا ذَلِكَ وَلَا يَتَكَلَّمُوا بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنَ السَّتْرِ الَّذِي أُمِرْنَا بِهِ، (فَأَوْلَى النَّاسِ بِسَتْرِ الرَّجُلِ عَلَيْهَا زَوْجَتُهُ وَبِسَتْرِ الْمَرْأَةِ عَلَيْهِ زَوْجُهَا)؛ لِأَنَّ كَشْفَ السَّتْرِ يُؤَدِّي إِلَى التَّجَرُّؤِ وَالتَّبَجُّحِ، فَيَصِيرُ السِّرُّ عَلَانِيَةً، وَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ أَحَدُهُمَا فِي الْخَفَاءِ بَعِيدًا عَنِ الْأَعْيُنِ يُصْبِحُ جَهَارًا نَهَارًا بِلَا حَيَاءٍ وَلَا خَجَلٍ، (وَكَثِيرُ الشِّرِّ مَعَ السَّتْرِ، خَيْرٌ مِنْ يَسِيرِهِ مَعَ الْفَضِيحَةِ، وَاطِّلَاعِ النَّاسِ عَلَيْهِ).
* ثَالِثًا:
مِنَ الْخِيَانَةِ الزَّوْجِيَّةِ أَنْ يَتَّخِذَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ يَكْشِفُ لَهُ أَسْرَارَ الْبَيْتِ، كَأَنَّهُ يَرَاهَا مِنْ دَاخِلٍ، مِنْ أَبٍ وَأُمٍّ أَوْ أَخٍ وَأُخْتٍ، أَوْ صَاحِبٍ وَصَاحِبَةٍ.
وَلَا تُعْرَضُ أَسْرَارُ الْبُيُوتِ إِلَّا عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ لِمَعْرِفَةِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَالْأَوْلَى عَرْضُ الْمُشْكِلَةِ تَعْرِيضًا لَا تَصْرِيحًا، إِبْهَامًا لَا تَوْضِيحًا، إِلَّا إِذَا كَانَ الْأَمْرُ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانٍ وَتَوْضِيحٍ.
* رَابِعًا:
الزَّوْجَانِ الْعَاقِلَانِ: هُمَا اللَّذَانِ يُحَافِظَانِ عَلَى بَقَاءِ هَيْبَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَاحْتِرَامِهِ أَمَامَهُ وَأَمَامَ نَفْسِهِ وَأَمَامَ الْأُسْرَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمَا.
فَسُقُوطُ هَيْبَةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ سُقُوطٌ لِلْبَيْتِ وَمَهْمَا فَعَلَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَنْ يَرْجِعَ الْبَيْتُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ كَشْفِ سَتْرِ الْبَيْتِ، وَإِسْقَاطِ هَيْبَةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، وَجَرْحِ عِفَّتِهِ وَكَرَامَتِهِ فِي أَخَصِّ خُصُوصِيَّاتِهِ.. فِي كَرَامَتِهِ وَعِرْضِهِ وَشَرَفِهِ وَعِزَّةِ نَفْسِهِ.
وَأَيُّ خِزْيٍ أَنْ تَكُونَ أَسْرَارُ الْبَيْتِ مَبْذُولَةً لِكُلِّ مَنْ هَبَّ وَدَبَّ وَقَرُبَ وَبَعُدَ، وَأَحَبَّ وَأَبْغَضَ، فَمَا أَسْوَأَ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ اللَّذَيْنِ يَسْمَحَانِ لِأَنْفُسِهِمَا بِالْوُقُوعِ فِي هَذِهِ الْحَمْأَةِ النَّتِنَةِ، وَالسَّوْأَةِ الْقَذِرَةِ!
* خَامِسًا:
إِذَا عَلِمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ تَوَرُّطَ الْآخَرِ فِي بَعْضِ الْمُخَالَفَاتِ مَهْمَا عَظُمَتْ؛ فَلْيَسْتُرْ عَلَيْهِ وَلْيُرَاجِعْ حَالَهُ مَعَهُ، وَاهْتِمَامَهُ بِهِ، وَحِرْصَهُ عَلَى مَشَاعِرِهِ، وَمَا يَصْدُرُ مِنْ رُدُودِ أَفْعَالِهِ تِجَاهَهُ، مِنْ تَقْلِيلٍ لِقَدْرِهِ، وَتَحْقِيرٍ لِشَأْنِهِ، وَهَضْمٍ لِحَقِّهِ، فَلَعَلَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ كَانَتْ سَبَبًا فِي تَوَرُّطِهِ فِي مُخَالَفَتِهِ، وَإِعْرَاضِهِ عَنْهُ.
* سَادِسًا:
أَنْ يَفْزَعَ كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِاللُّجْءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالدُّعَاءِ؛ أَنْ يَحْفَظَ عَلَيْهِ الْآخَرَ مِنْ شَرِّ نَفْسِهِ وَشَيْطَانِهِ، وَكَيْدِ الْفَاسِقِينَ مِنْ حَوْلِهِ، وَالدُّعَاءُ سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ عِنْدَ الْأَزَمَاتِ وَالْمُلِمَّاتِ، وَأَلَّا يَغْفَلَ الزَّوْجَانِ عَنْ رُقْيَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا الْآخَرَ بِغَيْرِ طَلَبٍ مِنْهُ، رَجَاءَ حِفْظِهِ مِنْ شَرِّ نَفْسِهِ وَشَيْطَانِهِ وَحَسَدِ الْحَاسِدِينَ وَمَكْرِ الْمَاكِرِينَ وَحِقْدِ الْحَاقِدِينَ.
* سَابِعًا:
إِنَّ الْعَلَاقَةَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ شَجَرَةٌ، تَحْتَاجُ أَنْ تُرْوَى بِالْقَوْلِ الْحَسَنِ، وَالْمَظْهَرِ الطَّيِّبِ، وَالْهَدِيَّةِ الْقَيِّمَةِ، وَإِظْهَارِ الْحُبِّ، وَحُسْنِ التَّبَعُّلِ وَخَفْضِ الْجَنَاحِ.
وَإِنَّ أَقْوَى الْأَسَالِيبِ فِيهَا أَنْ يُظْهِرَ كُلٌّ مِنْهُمَا شَغَفَهُ بِالْآخَرِ، وَحَاجَتَهُ وَافْتِقَارَهُ إِلَيْهِ، وَأَنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِ ثَنَاءً حَسَنًا لِمَا يَأْتِي مِنْهُ وَيَصْدُرُ عَنْهُ، فَمَا أَقْبَلَتْ زَوْجَةٌ عَلَى غَيْرِ زَوْجِهَا وَتَعَلَّقَ قَلْبُ زَوْجٍ بِغَيْرِ زَوْجِهِ إِلَّا لَمَّا وَجَدَ كُلٌّ مِنْهُمَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ غَيْرِهِ، وَالنَّفْسُ إِنْ لَمْ تُشْغَلْ بِالْحَلَالِ الْمُبَاحِ انْصَرَفَتْ إِلَى الْمَحْظُورِ الْمُحَرَّمِ.
* ثَامِنًا:
عَلَى الرَّجُلِ: أَنْ يَحْذَرَ أَنْ يَكُونَ ظَالِمًا أَمَامَ ظَالِمَةٍ، أَوْ فَاسِقًا أَمَامَ فَاسِقَةٍ، أَوْ مُسِيئًا أَمَامَ مُسِيئَةٍ، فَفِسْقُ الْمَرْأَةِ وَظُلْمُهَا وَإِسَاءَتُهَا لَا يُسَوِّغُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ عَلَى شَاكِلَتِهَا مُتَّصِفًا بِمِثْلِ أَوْصَافِهَا فَالْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدِيٌّ لَا جَمَاعِيٌّ.
﴿ﳎ ﳏ ﳐ ﳑ ﳒ ﳓ﴾ [سورة المدثر: 38]، ﴿ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳﲴ﴾ [سورة فاطر: 18].
وَعَلَى الْمَرْأَةِ: أَنْ تَحْذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنَ التَّوَرُّطِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ.
* تَاسِعًا:
أَنْ يَكُونَ تَوْجِيهُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ وَنُصْحُهُ تَعْرِيضًا لَا تَصْرِيحًا، تَلْمِيحًا لَا تَوْضِيحًا، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ، وَخَيْرُ سَبِيلٍ لِذَلِكَ أَنْ تَجْتَمِعَ الْأُسْرَةُ عَلَى كِتَابٍ فِي الْعَقِيدَةِ أَوِ التَّفْسِيرِ أَوِ الْفِقْهِ أَوِ الْحَدِيثِ، فَكُلَّمَا اجْتَمَعَتِ الْأُسْرَةُ عَلَى طَاعَةِ اللهِ انْصَرَفَتْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَكُلَّمَا عُمِرَتِ الْقُلُوبُ بِذِكْرِهِ وَمَحَبَّتِهِ انْصَرَفَتْ عَنِ الدُّنْيَا وَزَخَارِفِهَا وَشَهَوَاتِهَا.
* عَاشِرًا:
أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ مَصْلَحَةَ أَوْلَادِهِ فِي حَيِّزِ الِاعْتِبَارِ، فَحَيَاةُ الْأَوْلَادِ بَيْنَ أَبٍ وَأُمٍّ هَادِئَيْنِ مُسْتَقِرَّيْنِ مُتَفَاهِمَيْنِ مُتَعَاوِنَيْنِ أَدْعَى لِلِاسْتِقْرَارِ وَالْأَمَانِ وَالْهُدُوءِ وَالِاطْمِئْنَانِ، فَالْبِيئَةُ الزَّوْجِيَّةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ لَهَا أَكْبَرُ الْأَثَرِ فِي حَيَاةِ أَبْنَائِهِمَا؛ (لِأَنَّ التَّرْبِيَةَ بِالْأُسْوَةِ وَالْقُدْوَةِ هِيَ أَبْلَغُ وَأَرْجَى أَسَالِيبِ التَّرْبِيَةِ).
* وَآخَرَ وَلَيْسَ بِآخِرٍ:
مَا أَحْوَجَ الزَّوْجَيْنِ إِلَى الْخُرُوجِ مِنْ عَبَاءَةِ التَّمْثِيلِ، وَأَنْ يَعِيشَا حَيَاةَ الْعُبُودِيَّةِ لِرَبِّ الْخَلْقِ وَالْبَرِيَّةِ، وَأَنْ يُخْرِجَا الدُّنْيَا مِنْ قَلْبَيْهِمَا، لِيَكُونَا بِحَقٍّ أَزْوَاجًا صَادِقِينَ، لَا أَدْعِيَاءَ لِلْعُبُودِيَّةِ مُمَثِّلِينَ.
وَكَثِيرًا مَا كَانَ يَقُولُ لَنَا شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ ابْنُ رَسْلَانَ: «دَعُوكُمْ مِنَ التَّمْثِيلِ، عِيشُوا الْعُبُودِيَّةَ الْحَقَّةَ وَلَا تُمَثِّلُوهَا، فَإِنَّ أَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللهِ ذُو الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَلْقَى هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ».
وَلْيَحْذَرَا أَنْ يَسْقُطَا مِنْ عَيْنِ اللهِ أَوَّلًا ثُمَّ مِنْ عُيُونِ مَلَائِكَتِهِ، وَعُيُونِ أَبْنَائِهِمَا وَمَنْ حَوْلَهُمَا، فَيُصْبِحَا فِي الْحَيَاةِ مُجَرَّدَيْنِ مِنْ كُلِّ قِيمَةٍ، عَارِيَيْنِ مِنْ كُلِّ فَضِيلَةٍ، تَمْقُتُهُمَا الْقُلُوبُ وَتَمُجُّهُمَا النُّفُوسُ، وَتَزْدَرِيهِمَا الْأَعْيُنُ، وَهُمَا غَارِقَانِ فِي أَوْهَامِهِمَا، سَائِرَانِ فِي غَيِّهِمَا، قَدْ لَعِبَتْ بِعُقُولِهِمَا الْأَحْلَامُ وَأَمَسْكَتْ بِأَزِمَّةِ قُلُوبِهِمَا الْأَوْهَامُ، وَيَدَّعِيَانِ زُورًا وَبُهْتَانًا أَنَّهُمَا مِنْ عِبَادِهِ الْمُتَّقِينَ، وَحِزْبِهِ الْمُفْلِحِينَ، وَأَهْلِ الْحَقِّ وَالسُّنَّةِ الْمُخْلِصِينَ.
وَيُقَالُ لِهَؤُلَاءِ مَا قَالَ نَبِيُّنَا الْكَرِيمُ : «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَنِ ادَّعَى وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»( ).
فَالْبَيِّنَةَ الْبَيَّنَةَ وَالصِّدْقَ الصِّدْقَ مَعَاشِرَ الْأَزْوَاجِ قَبْلَ مُعَايَنَةِ الْعِقَابِ وَمُقَاسَاةِ الْعَذَابِ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْمَرْجِعِ وَالْمَآبِ..
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى السِّرَاجِ الْمُنِيرِ وَالْبَشِيرِ النَّذِيرِ وَعَلَى آلِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَأَصْحَابِهِ الْغُرِّ الْمَيَامِينِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
* * *
فِقْهُ التَّعَامُلِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ (٩)
الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ .
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ مِمَّا يَغْفُلُ عَنْهُ أَكْثَرُ الْأَزْوَاجِ وَالزَّوْجَاتِ وَلَا يُرَاعُونَهُ عِنْدَ التَّعَامُلِ مَعَ بَعْضِهِمَا الْبَعْضِ: الْبِيئَةَ الَّتِي كَانَ يَحْيَى فِيهَا كُلٌّ مِنْهُمَا قَبْلَ الزَّوَاجِ، وَالرَّصِيدَ النَّفْسِيَّ فِي نَفْسِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تِجَاهَ الْمُحِيطِينَ بِهِ، مِنْ أَبٍ وَأُمٍّ وَأَخٍ وَأُخْتٍ وَصَاحِبٍ وَصَاحِبَةٍ وَجَارٍ وَجَارَةٍ، وَأَثَرَ الْمِسَاحَةِ الزَّمَانِيَّةِ الَّتِي عَاشَهَا كُلٌّ مِنْهُمَا طُفُولَةً وَصِبًا وَشَبَابًا فِي نَفْسِ الْآخَرِ وَتَأْثِيرًا فِي مَشَاعِرِهِ وَأَحَاسِيسِهِ.
حَيْثُ ارْتَبَطَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ وَأَخِيهِ وَأُخْتِهِ وَصَاحِبِهِ وَصَاحِبَتِهَا، ارْتِبَاطَ الْأَرْوَاحِ بِالْأَرْوَاحِ، وَالْعُقُولِ بِالْعُقُولِ، وَالْأَفْكَارِ بِالْأَفْكَارِ، فَتَرَكَتْ تِلْكَ الْمِسَاحَةُ الزَّمَانِيَّةُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا بَصْمَةً مِنَ الصَّعْبِ تَغْيِيرُهَا أَوْ تَحْوِيلُهَا إِلَّا بِرَصِيدٍ مُسَاوٍ أَوْ أَكْبَرَ، فَيَتَنَاسَى كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ هَذِهِ الْأُمُورَ بِمَا تَحْمِلُهُ فِي نَفْسِ الْآخَرِ، مِنْ ذِكْرِيَاتٍ وَأَحْدَاثٍ وَأَشْجَانٍ وَأَفْرَاحٍ وَعَلَاقَاتٍ حَمِيمَةٍ، وَأَوَاصِرَ قَدِيمَةٍ.
فَيَقَعُ بِذَلِكَ الزَّوْجَانِ فِي أَكْبَرِ أَخْطَائِهِمَا وَأَقْبَحِ أَفْعَالِهِمَا، وَأَخْبَثِ أَفْكَارِهِمَا؛ حَيْثُ يَتَنَاسَى كُلٌّ مِنْهُمَا تِلْكَ الْأَرْصِدَةَ الْمُسْتَقِرَّةَ فِي قَلْبِ الْآخَرِ وَنَفْسِهِ وَضَمِيرِهِ، مِنْ تِلْكَ الْمَشَاعِرِ الْفَيَّاضَةِ وَالْأَحَاسِيسِ الْمُرْهَفَةِ وَالذِّكْرِيَاتِ السَّعِيدَةِ، وَالتَّوَارِيخِ الْمَرْكُوزَةِ فِي النَّفْسِ وَالْعَالِقَةِ فِي شَغَافِ الْقَلْبِ وَالْمَحْفُورَةِ فِي ذَاكِرَةِ الْعَقْلِ تِجَاهَ هَؤُلَاءِ، كَأَنَّهَا مَا كَانَتْ فِي تِلْكَ الْأَزْمِنَةِ الْمُتَطَاوِلَةِ، وَيُرِيدُ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنَ الْآخَرِ أَنْ يَجْعَلَ الْغَلَبَةَ وَالْحُكْمَ لِذَلِكَ الرَّصِيدِ الزَّوْجِيِّ الَّذِي لَمْ يَتَجَاوَزْ عُمُرُهُ شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ أَوْ عَامًا أَوْ عَامَيْنِ، أَنْ يَكُونَ كَافِيًا لِنِسْيَانِ الْمَرْأَةِ لِأَبِيهَا وَأُمِّهَا وَأَخِيهَا وَأُخْتِهَا وَصَاحِبَتِهَا وَجَارَتِهَا.
فَيُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ امْرَأتِهِ: أَنْ تَنْسَى هَؤُلَاءِ لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ صَارَ زَوْجًا لَهَا، وَمَالِكًا لِأَمْرِهَا، وَقَائِمًا عَلَى شُئُونِهَا، مُتَنَاسِيًا عَنَاءَ الْأَبِ وَالْأُمِّ سَهَرًا وَتَعَبًا وَبَذْلًا وَإِنْفَاقًا فِي تَرْبِيَتِهَا وَتَعْلِيمِهَا وَإِعْدَادِهَا لِتَكُونَ زَوْجَةً وَأُمًّا، وَكَذَا رِفْقَةُ الْإِخْوَةِ لِأُخْتِهِمْ فَرَحًا وَحُزْنًا.. جِدًّا وَلَعِبًا.. أَحْلَامًا وَآمَالًا.
وَكَذَا مُعَاشَرَةُ الْجَارَاتِ فَكُنَّ يُلَازِمْنَهَا صُبْحًا وَمَسَاءً، لَيْلًا وَنَهَارًا، وَكَذَا الزَّمِيلَاتُ وَالصَّاحِبَاتُ، اللَّاتِي كُنَّ لَهَا رِدْءًا وَظَهِيرًا، وَأُنْسًا وَمُشِيرًا، وَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ أَنْ تَتَنَاسَى الزَّوْجَةُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ مِنَ التَّسَلُّطِ وَالْجَبَرُوتِ!
حَتَّى تُنْزَعَ الرُّوحُ مِنَ الْجَسَدِ، وَتَصِيرَ إِلَى الْفَنَاءِ وَالْمَمَاتِ.
لِذَا فَعَلَى كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ:
أَنْ يُرَاعِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْأَرْصِدَةَ الْمَوْجُودَةَ عِنْدَ الْآخَرِ، وَيُعْطِي لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا حَظَّهُ وَنَصِيبَهُ مِنَ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالذِّكْرِ وَالِاحْتِرَامِ وَالتَّوْقِيرِ وَالرِّعَايَةِ.
وَعَلَى حَسَبِ رِعَايَتِهِ لِهَذِهِ الْأُمُورِ يَجِدُ الْمُقَابِلَ فِيمَا يَخُصُّهُ مِنَ الطَّرَفِ الْآخَرِ مِنْ بَابِ قَوْلِ اللهِ : ﴿ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ﴾ [سورة الرحمن: 60].
فَإِذَا أَرَادَ الزَّوْجُ مِنْ زَوْجَتِهِ أَنْ تَكُونَ بَارَّةً بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ؛ فَلْيَكُنْ بِأَبِيهَا وَأُمِّهَا بَارًّا.
وَلْيَكُنْ لِإِخْوَانِهَا وَأَخَوَاتِهَا مُوَقِّرًا مُحْسِنًا.
وَلْيَكُنْ لِجَارَتِهَا وَصُوَيْحِبَاتِهَا مُكْرِمًا بَاذِلًا.
وَبِهَذَا تَسْتَقِيمُ الْحَيَاةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِرًّا وَصِلَةً وَجُودًا وَكَرَمًا وَعَطَاءً وَبَذْلًا.
فَيَرَى الزَّوْجُ بِرَّ هَؤُلَاءِ الْمُحِيطِينَ بِزَوْجِهِ قَبْلَ الزَّوَاجِ حَقًّا عَلَيْهِ وَاجِبًا، وَفَرْضًا لَازِمًا، لِمَا تَحْمِلُهُ زَوْجُهُ لِهَؤُلَاءِ فِي قَلْبِهَا، فَيَجْتَهِدُ فِي تَأْدِيَتِهِ وَالْوَفَاءِ بِهِ فِي أَحْسَنِ صُوَرِهِ وَأَجْمَلِ وُجُوهِهِ.
وَعَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ وَالطَّرِيقِ تَسِيرُ الزَّوْجَةُ، فَيَعْلُو رَصِيدُ الزَّوْجِ عِنْدَ الزَّوْجَةِ، وَرَصِيدُ الزَّوْجَةِ عِنْدَ الزَّوْجِ شَيْئًا فَشَيْئًا، حَتَّى تَتَنَاقَصَ تِلْكَ الْأَرْصِدَةُ، وَيُصْبِحَ الرَّصِيدُ الْأَكْبَرُ فِي النَّفْسِ وَالْقَلْبِ وَالرُّوحِ وَالضَّمِيرِ هُوَ رَصِيدَ الزَّوْجِ عِنْدَ زَوْجَتِهِ، وَالزَّوْجَةِ عِنْدَ زَوْجِهَا.
حَيْثُ يَجِدُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي الْآخَرِ:
حَنَانَ الْأُبُوَّةِ..
وَمَحَبَّةَ الْأُخُوَّةِ..
وَحُسْنَ الْجِوَارِ..
وَطِيبَ الصُّحْبَةِ..
فَيَجِدُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي الْآخَرِ عِوَضًا عَمَّا فَقَدَهُ وَفَارَقَهُ مِنْ هَؤُلَاءِ جَمِيعًا.
فَلَا تَقِفُ أَمَامَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مُشْكِلَةٌ..
وَلَا تُؤَرِّقُهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ حَادِثَةٌ..
وَلَا تَعْصِفُ بِحَيَاتِهِمَا نَازِلَةٌ..
لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَارَ نَسِيجًا مُتَدَاخِلًا فِي الْآخَرِ؛ فَكَأَنَّهُمَا جَسَدَانِ تَدَاخَلَا فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ..
وَرُوحَانِ حَلَّتَا فِي رُوحٍ وَاحِدَةٍ..
هَمُّهُمَا وَاحِدٌ..
وفَرَحُهُمَا وَاحِدٌ..
وَغَايَتُهُمَا وَاحِدَةٌ: (مَرْضَاةُ اللهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ).
تَتَفَارَقُ الْأَبْدَانُ وَتَتَلَاقَى الْعُقُولُ وَالْأَرْوَاحُ..
فَمَا أَهْنَأَهُمَا مِنْ زَوْجَيْنِ، وَمَا أَفْرَحَهُمَا مِنْ قَرِينَيْنِ، وَمَا أَرْضَاهُمَا مِنْ حَبِيبَيْنِ، يَأْنَسُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى الْآخَرِ، أُنْسَ الْخَلِيلِ بِخَلِيلِهِ وَالْحَبِيبِ بِحَبِيبِهِ، وَيَحِنُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى الْآخَرِ، حُنُوَّ الْغَرِيبِ إِلَى وَطَنِهِ، وَالطَّيْرِ إِلَى عُشِّهِ، وَالصَّبِيِّ إِلَى أُمِّهِ.
وَعِنْدَئِذٍ.. لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُفَرِّقَ بَيْنَ الْمُحِيطِينَ بِهِمَا مِنْ أَبٍ وَأُمٍّ، وَأَخٍ وَأُخْتٍ، وَقَرِيبٍ وَصَاحِبٍ.
فَكُلٌّ مِنْهُمَا قَدْ أَنْزَلَ أَقَارِبَ وَأَصْحَابَ الْآخَرِ مَنَازِلَ أَقَارِبِهِ وَأَصْدِقَائِهِ، فَرَضِيَ لَهُمْ مَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ وَكَرِهَ لَهُمْ مَا كَرِهَهُ لِنَفْسِهِ فَعَاشَا أَخَوَيْنِ فِي ظِلَالِ الْأُخُوَّةِ الْإِيمَانِيَّةِ قَبْلَ أَنْ يَعِيشَا زَوْجَيْنِ فِي إِطَارِ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ، فَلَمْ يَحْتَجْ أَحَدُهُمَا أَنْ يُوصِيَ الْآخَرَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِهِ وَجِيرَانِهِ وَأَصْحَابِهِ لِحُسْنِ فَعَالِهِ وَكَرِيمِ خِصَالِهِ الَّتِي يَرَاهَا فِي تَعَامُلَاتِهِ مَعَهُمْ، وَقِيَامِهِ بِحُقُوقِهِمْ، وَحِرْصِهِ عَلَى مَشَاعِرِهِمْ.
فَيَصِيرَانِ دَاعِيَيْنِ لِلْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ بِغَيْرِ مِنْبَرٍ وَلَا قَلَمٍ وَلَا مُحَاضَرَةٍ، وَمُصْلِحَيْنِ لِمَنْ حَوْلَهُمَا بِأَحْوَالِهِمَا قَبْلَ أَقْوَالِهِمَا، وَبِأَفْعَالِهِمَا قَبْلَ أَشْكَالِهِمَا، فَيَتَأَثَّرُ الْمُحِيطُونَ بِهَذَيْنِ الزَّوْجَيْنِ تَأَثُّرًا يُغَيِّرُ حَيَاتَهُمْ، وَيُبَدِّلُ أَحْوَالَهُمْ وَيَجْعَلُهُمَا سَبَبَ خَيْرٍ وَبِرٍّ وَتَهْذِيبٍ وَإِصْلَاحٍ لِمُجْتَمَعِهِمَا؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ: «إِنَّ فِعْلَ رَجُلٍ فِي أَلْفِ رَجُلٍ أَبْلَغُ مِنْ قَوْلِ أَلْفِ رَجُلٍ فِي رَجُلٍ».
وَإِنَّ التَّأْثِيرَ فِي الْمُجْتَمَعِ لَا يَكُونُ بِالسَّطْوَةِ وَالْقُوَّةِ بِقَدْرِ مَا يَكُونُ بِالْأُسْوَةِ وَالْقُدْوَةِ.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ وَمَنِ اتَّبَعُوهُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
وَكَتَبَهُ:
أَبُو عَبْدِاللهِ صَلَاحُ بْنُ مُحَمَّد غَانِم( )
ملف نصي
فقه التعامل بين الزوجين
ملف نصي
تحميل مؤلفة الشيخ
تفاصيل مؤلفة الشيخ
الزيارات
34 مشاهدة
تاريخ الإضافة
الثلاثاء 1448/02/21 1448/صفر/20