خطبة-احذروا-أكل-الحرام - التفريغات

فضيلة الشيخ صلاح غانم · 5 مشاهدة

خطبة-احذروا-أكل-الحرام

خطبة-احذروا-أكل-الحرام

المحتوي

خطبة (احذروا أكل الحرام) فَضِيلَة الشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ صَلَاحٍ بْنِ مُحَمَّدٍ غَانِمٍ (رحمه الله) إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّه مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. • أمَّا بَعْدُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران102] ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [ النساء1] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا 70 يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب71] فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. • أَمَّا بَعْدُ: فقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يدعو بهذا الدعاء فى كل صباح «اللَّهمَّ إنِّي أسأَلُكَ عِلمًا نافعًا، ورِزْقًا طيِّبًا، وعمَلًا مُتقَبَّلًا»حسن, وصححه الألباني(762). كان هذا هو هدى النبى صلى الله عليه وسلم فى صباحه يسأل الله رب العالمين أن يرزقه العلم النافع, ويسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يرزقه الرزق الطيب وأن يجعل عمله متقبلاً. قال علماؤنا عليهم الرحمة: وهذه الثلاثية لا يفارق بعضها بعضا فمن لم يكن على علم نافع فلن يصل إلى الرزق الطيب, ومن لم يكن رزقه طيب فلن يُتقبل منه عمل . فالعلم النافع هو طريق الوصول إلى الرزق الطيب, والرزق الطيب هو طريق الوصول إلى العمل المتقبل . فالعمل المتقبل لا يُرفع إلى الله إلا اذا كان صاحبه طيبًا فى طعامه، طيبًا فى شرابه، طيبًا فى ملبسه . والرزق الطيب لا يكون على ما تجرى عليه الأعراف والعادات ولكن يكون على حسب ما جرت عليه الشرائع والسنن. وابن عباس رضى الله عنه يذكر أحوال المدينة قبل بعثة النبى صلى الله عليه وسلم فقد أخرج النسائى عن ابن عباس رضى الله عنه قال: كان الناس فى المدينة من أخبث الناس كيلا لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى نبينا صلى الله عليه وسلم ذلك وأراد الله رب العالمين أن ينهاهم عن ذلك أنزل الله عز وجل سورة المطففين ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ1 الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ 2 وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ 3 أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ 4 لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ . ثم ذكر الله رب العالمين مئال الآكلين للحرام, ومئال الآكلين للحلال. وقد كان علماؤنا عليهم الرحمة ينظرون فى طعامهم وشرابهم وينظرون فى طعام الناس وشرابهم, وكانوا يرون علامة صلاح الصالحين وطلاح الطالحين؛ يرون ذلك فى مآكلهم ومشاربهم وملابسهم . فهذا سفيان الثورى رحمة الله عليه وهو أمير المؤمنين فى الحديث ينزل بلدًا من بلاد المسلمين فيرى الناس يتدافعون على المساجد يريدون أن يُصيبوا الصف الأول فى الصلاة, وكان هؤلاء لا يتحرون الحلال مأكلاً ولا يتحرون الحرام تركا, فقال سفيان الثورى رحمة الله عليه: قولوا لهؤلاء أطيبوا مطعمكم ثم صلوا فى الصف الآخر, أطيبوا مطعمكم ثم صلوا حيث شئتم, لأنه لا عبرة بعمل العاملين إذا لم يكونوا للأموال وفى الأموال مطيبين . والنبى صلى الله عليه وسلم بيّن لنا أنه سيأتى على الناس زمان لا يبالى أحدهم أم من حرام أخذ أم من حلال أخذ, وهذا الزمان الذى أخبر النبى ﷺ عنه قد يكون هذا الزمان الذى نحن فيه, فإن الناس يتاجرون بغير ما فقه ولا دين, ويبيعون ويشترون بغير لا فقه ولا دين, ويتجرئون على كسب الأموال بغض النظر أم من حلال أم من حرام . ونبينا صلى الله عليه وسلم يحذر الذين لا يتورعون عن أكل الحرم أم عن ما فيه شبهة من حرام, لأنهم لا بد أن يتورطوا لا محالة فى الحرام . فيا عبد الله اعلم أن حقيقتك وأن صدق نيتك وطويتك يظهر فى مأكلك ومشربك. والنبى صلى الله عليه وسلم بين أن الجسد الذى ينبت من حرام, الجسد الذى ينبت من سحت النار أولى به, لأن الله تبارك وتعالى خلق الدور ثلاثة: (دارا هى دار الطيب المحض, ودارا هى دار الخبيث المحض, ودارا اختلط فيه الطيب والخبيث) فأما الدار التى هى دار الطيب المحض: فهى الجنة لا يدخلها خبيث و هى محرمة على الخبيثين. وأما الدار التى هى دار الخبيث المحض: فهى النار لا يدخلها طيب وإنما يدخلها كل خبيث أو خبيثة. وأما الدار التى اختلط فيها الطيب والخبيث فهى دار الدنيا. فصارت الدور إلى ثلاثة: دار للطيبين وهى الجنة, ودار للخبيثين وهى النار, ودار جعل الله رب العالمين فيها الطيب والخبيث وجعل الطيبين والخبيثين فيها وكل مبتلى . فأما من كان لله تقيا قائما على دين ربه تبارك وتعالى بالطريقة السوية فكلامه طيب, وطعامه طيب, ومشربه طيب, وملبسه طيب, ومدخله طيب, ومخرجه طيب, فلا تراه إلا طيبا مطيبا فى جميع أحواله وفى جميع أموره, فهذا عاش على تطييب نفسه فيموت على ذلك ويلحق بالطيبين. وأقوام لا يبالون أأكلوا من حرام أم من حلال, لا همّ عندهم إلا تكثير الأموال لا ينظرون من أين حصلت أم من حرام أم من حلال.... فهؤلاء لا تزال أعمالهم الخبيثة, ولا تزال أقوالهم الخبيثة, ولا تزال مطاعمهم الخبيثة, ولا تزال مشاربهم الخبيثة قائمة على أمر البدن حتى يصير البدن خبيثا, فمن كان هذا شأنه فإلى درا الخبيثين وهى النار. والصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتركون تسعة أعشار الحلال مخافة شبهة من حرام, فهذا ابن عباس رضى الله عنه يقول لنا: لما قدم النبى صلى الله عليه وسلم المدينة كان أهل المدينة من أخبث الناس كيلا فلما نزلت سورة المطففين صاروا من أحسن الناس كيلا, فتأثروا بالقرءان العظيم وتأثروا بما بثه النبى الأمين فتغيرت أحوالهم. وها نحن فى هذا الزمان يُتلى علينا القرءان آناء الليل وأطراف النهار وها نحن تُبث فينا سنة النبى العدنان وها نحن نذكر من علماؤنا الكرام فهل تغيرت أحوالنا ؟ هل تغيرت مطاعمنا ؟ هل تغيرت معاملاتنا ؟ وصدق فينا حديث النبى صلى الله عليه وسلم الذى أخرجه البخارى فى صحيحه(2083) عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: «لَيَأْتِيَنَّ علَى النَّاسِ زَمانٌ، لا يُبالِي المَرْءُ بما أخَذَ المالَ، أمِنْ حَلالٍ أمْ مِن حَرامٍ». هذا هو الذى كان النبى صلى الله عليه وسلم يخبر عنه وهو ما تراه الآن بين يديك المهم ما يدخل الجيب. المهم ما يوضع فى الخزائن. المهم ما تبنى به العمارات وتشيد به العقارات. أما أن ينظر أفى حلال ومن حلال جمعه, أم فى حرام ومن حرام وضعه, هذا لا تراه إلا يسيرا فى الناس . ونبيكم صلى الله عليه وسلم أخبر أن الله عز وجل لا يخادع, وأن الله عز وجل مخادع للمخادعين وأنه ماكر بالماكرين. فالمال الحرام لا يبارك الله عز وجل فيه ولا يبارك فى ولد صاحبه ولا يبارك فى زوجه ولا يقبل بسببه عمله وهو عند الله من الخاسرين. أما من أراد أن يكون من الفالحين أو يكون من أصحاب الجنة الطيبين فعليه بأن يكون متبعا للنبى الأمين. فإن الله رب العالمين ذكر صفات المفلحين الفالحين فقال فى بعض أوصافهم ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾[الأعراف157] فهذه علامات الفلاح...... أن تكون متبعاً لنبيك صلى الله عليه وسلم فى بيعك وشرائك فى معاملتك وإجارتك, أن تكون متبعًا لنبيك صلى الله عليه وسلم فى جميع أمورك. وأما عدا ذلك فهو طريق الخسران المبين وهو طريق النار وبئس المصير. روى البخارى عن أبى هريرة رضى الله عنه, عن النبى ﷺ قال: «لَيَأْتِيَنَّ علَى النَّاسِ زَمانٌ، لا يُبالِي المَرْءُ بما أخَذَ المالَ، أمِنْ حَلالٍ أمْ مِن حَرامٍ», يوشك وقد أوشك, قد يقع وقد وقع, فقد وقع ما تراه الآن. وكما قال عمر رضى الله عنه: (من نزل سوقنا ولم يفقه ديننا أكل الربا شاء أم أبى) من نزل السوق بغير شريعة مشروعة, ولا سنة متبعة, ولا دينًا يُتعبد به لله رب العالمين فإنه لا محالة يقع فى الربا ويكون آكلاً للربا. وقد أخبر النبى صلى الله عليه وسلم « دِرهمُ ربًا يأكلُه الرَّجلُ وهوَ يعلَمُ ؛ أشدُّ من سِتةٍ وثلاثين زَنْيَةٍ»,أي- فى الإسلام- أقلها أن يأتى الرجل أمه . وأمر الربا صار من الأمور التى فشت فى جميع معاملاتنا إلا من رحم الله رب العالمين. ونبيك صلى الله عليه وسلم يقول لك: الجنة تريد ؟ أم النار تريد ؟ فإن كنت تريد الجنة فأهل الجنة طيبون لا يأكلون إلا طيبا, ولا يشربون إلا طيبا, ولا يلبسون إلا طيبا وهذا أمر الله رب العالمين أمر الله إلى الخاصة والعامة. فقد أخرج مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أيُّها النَّاسُ إنَّ اللَّهَ طيِّبٌ لا يقبلُ إلَّا طيِّبًا ، وإنَّ اللَّهَ أمرَ المؤمنينَ بما أمرَ بِه المرسلينَ», يأيها الناس إن ربكم طيب لا يجاوره إلا طيب, والله لا يحب من العباد إلا الطيب, والله لا يحب من الكلمات إلا الطيب, والله لا يحب من النفوس إلا النفوس الطيبة, والله رب العالمين توفيقه وتأييده ونصره لا يكون إلا للطيبين. أما الخبثاء!! أما الخبيثون فهؤلاء من الله بمبعدة... لا يذكرهم, ولا يوفقهم, ولا يؤيدهم, ولا ينصرهم, وفى الآخرة لا يجاورونه فى دار كرامته ولا فى جنته؛ وإنما إلى النار وبئس القرار. «يا أيُّها النَّاسُ إنَّ اللَّهَ طيِّبٌ لا يقبلُ إلَّا طيِّبًا ، وإنَّ اللَّهَ أمرَ المؤمنينَ بما أمرَ بِه المرسلينَ فقالَ:﴿ يَا أيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وقالَ يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾» أخرجه مسلم من رواية أبى هريرة وصححه الألباني(2989). ثم ذكر النبى صلى الله عليه وسلم في باقي الحديث «الرَّجلَ يُطيلُ السَّفرَ أشعثَ أغبرَ يمدُّ يدَه إلى السَّماءِ يا ربِّ يا ربِّ ومطعمُه حرامٌ ومشربُه حرامٌ وملبسُه حرامٌ وغذِّيَ بالحرامِ فأنَّى يستجابُ لذلِك؟» هذه الأوصاف أوصاف وعلامات للدعاء المقبول.... أن يكون الرجل على سفر, والدعاء على حال السفر مقبول. وأن يكون الرجل فى هيئة تذلل وخضوع, أشعس أغبر -شعره مشعس, ثيابه مغبره- صورة تكون للمرء بين يدى ربه دلالة على ذله وفاقته وحاجته, ويرفع يديه وهى من آداب الدعاء « إنَّ اللَّهَ حيِىٌّ كريمٌ يستحي إذا رفعَ الرَّجلُ إليْهِ يديْهِ أن يردَّهما صفرًا خائبتينِ»صححه الألباني من رواية سلمان الفارسي(3556). والرجل ينادى ربه يصفه بالربوبية يارب يارب وفيه إلحاح بالدعاء, ولكن الذى منع قبول دعائه ما تورط فيه من الحرام!! فى أكله, وفى شربه, وفى ملبسه, وفى أمر ولده, وغذى بالحرام أي- غذاه أبوه بالحرام- وهو مازال طفلاً وهو ما زال صبيا فآثار تلك الأكلة فى الولد تجعله محروم من قبول الدعاء... لأن الجسد الطيب يطيب سماع كلامه, ويطيب قبول دعائه, وأما الجسد الخبيث الذى قد خبث باطنه وظاهره هذا تأنف منه النفوس وهو من الله بمبعدة . نبينا صلى الله عليه وسلم يبين لنا أن أكل الحلال الطيب ليس نافلة من النوافل بل فريضة من الفرائض. وقد جاء فى الحديث ما قاله النبى صلى الله عليه وسلم «طلبُ الحلالِ فريضةٌ»ضعفه الألباني في ضعيف الجامع(3620) ,أى -مفروض عليك أن تطلب الحلال الذى لا شبهة فيه-. وبيّن لك نبيك صلى الله عليه وسلم كيف تصل إلى الحلال ولو كنت جاهلاً ؟ كيف تصل إلى الحلال إن لم تجد مفتيا؟ وقد أخرج البخارى من حديث النعمان ابن بشير رضى الله عنه: «سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقول : وأهوى النعمانُ بإصبعَيه إلى أُذُنَيه : إنَّ الحلالَ بيِّنٌ وإنَّ الحرامَ بيِّنٌ وبينهما أمورٌ مُشتبِهاتٌ لا يعلمهنَّ كثيرٌ من الناس فمنِ اتَّقى الشُّبُهاتِ استبرأ لدِينِه وعِرضِه ، ومن وقع في الشُّبهاتِ وقع في الحرامِ ، كالراعي يرعى حول الحِمى يوشكُ أن يرتعَ فيه ، ألا وإنَّ لكلِّ ملكٍ حمًى ، ألا وإنَّ حمى اللهِ محارمُه ، ألا وإنَّ في الجسدِ مُضغةً إذا صلُحتْ صلُح الجسدُ كلُّه وإذا فسدتْ فسد الجسدُ كلُّه ألا وهي القلبُ» أخرجه البخاري (52)، ومسلم (1599) واللفظ له. إن اللقمة من حرام تُدفع إلى الفم, ثم إلى البطن فتعمل فى القلب عملها, واللقمة من حلال تنزل إلى البطن فتعمل فى القلب عملها, فلقمة تزكى بها نفسك وتطهر بها قلبك؛ والأبعد يأكل لقمة يدنس بها نفسه ويفسد بها قلبه. والله لو كان الذى يفعل ذلك عاقلاً ما رضى بلقمة تفسده, ما رضى بلقمة توجب له النار. وهذا أبو بكر رضى الله عنه كان له غلام يعمل ويأتى له بالخراج, فلما أتى له يوما ووضع له الطعام وكان أبو بكر جائعا فأكل رضى الله عنه, فقال له ذلك الغلام: أتدرى من أى مال أتيتك بهذا الطعام ؟ قال: لا, قال تكهنت فى الجاهلية كهانة فأعطانى الرجل أجرتها اليوم, فقال أبو بكر: آكل مالاً حراما والله لا يكون!! فوضع إصبعه فى فيه وظل يتقيأ, ويشرب الماء يتقيأه, يفعل ذلك مرارا وتكرارا حتى عوتب فى ذلك, وقيل له: رفقاً بنفسك يا أبا بكر, فقال: والله لو لم تخرج إلا مع نفس أبى بكر لأخرجتها. «مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا»[نوح13]. دنياكم حقيرة لا تساوى شئ, واللقمة مهما لذت, ومهما كانت هينة, ومهما كانت لينة فمنتهاها إلى الحش إلى دورات المياه. اللقمة إنما شأنها مذاقها وبعد ذلك تصير وبالاً على الأبعد فى مضغها, وفى هضمها, وفى إخراجها, وفى الحساب عليها يوم القيامة. أمن أجل لقمة لذتها وهنائتها حقيرة تضيع جنة باقية فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر!! النبى صلى الله عليه وسلم يبين لك كيف تتوقى الحرام وتكون آكلاً للحلال بهذا الحديث يقول لك نبيك صلى الله عليه وسلم : «إنَّ الحلالَ بيِّنٌ وإنَّ الحرامَ بيِّنٌ وبينهما أمورٌ مُشتبِهاتٌ لا يعلمهنَّ كثيرٌ من الناس», لا تعلم أهى من الحلال أم من الحرام؟ هذه لا يعلمها إلا العلماء. فإذا ما عنّ لك شئ من ذلك فأستفتى أهل العلم!! وأسأل أهل الذكر!! فإن لم تجد مفتيا ولم تجد عالما!!!!! فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك. دع ما به بأس إلى ما لا بأس به. حافظ على بدنك, حافظ على قلبك, حافظ على ولدك, حافظ على زوجتك. فإن اللقمة من حرام يُدخلها الرجل على أهله فتُفسد زوجه عليه, ويفسد ولده عليه, ويفسد قلبه عليه, فلا يتأثر ولا يتعظ، والولد به لا يبر, والزوجة له لا تطيع وكلّ ساخط عليه لأنه لما سخط الله عليه أسخط الله عليه كل من حوله. فإذا ما عنّ لك شئ من ذلك فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك واجعل بينك وبين الحرام حذار... اجعل بينك وبين الحرام حرم لا تقترب منه... فإنك إن أقتربت من الحرام أوشكت أن تقع فيه. يبين لك ذلك نبيك صلى الله عليه وسلم ألا إن لكل ملك حما . الله رب العالمين جعل حذارا بين العبد والمحرمات قال لك: لا تقترب من هذه، لا تأكل هذه، لا تقل هذه، لا تفعل هذه وكلها حرام يضرك ويعود بالوبال عليك دنيا وآخرة. فإذا ما ابتعدت صرت عن الحرام بمبعدة... وأما الذى يقترب من الحرام فسيقع فيه لا محالة. فإذا وقع فيه أفسد على نفسه قلبه, فإذا فسد القلب فسدت الجوارح, ومِلاك الأمر فى أن يتحرى المرء مطعمه, ومشربه, وملبسه وليعلم أن الذى يوفق هو الله, والذى يسدد هو الله, والذى يقوم بأمر الدنيا والآخرة هو الله. تخشى على أولادك الضيعة!!! إن كنت تخشى عليهم فاتقى الله.... إن كنت تريد لهم التوفيق فاتقى الله.... إن كنت تريد لهم السداد فاتقى الله.... ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾[النساء9] إننا لا نحافظ على أبنائنا بل نضيع أبنائنا, وندمر بيوتنا, ونخرب مجتمعاتنا, كل ذلك بسبب تجرأنا على ما حرمه الله رب العالمين. فاتقوا الله عباد الله.... انظروا فى مطاعمكم.... وانظروا فى مشاربكم.... ولا تتقحموا النار تقحما, ولا توردوا أنفسكم موارد الهلكة... فإن الله بكم رحيم, وإن الله لكم موفق إذا أطعتموه, وأما إذا عصيتموه فإنما هو السخط, والنار وبئس القرار. وصلى الله وسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. الحمد الله وحده والصلاة والسلام على من لا نبى بعده صلى الله عليه وعلى آله وسلم ,أما بعد .... فقد بيّن النبى صلى الله عليه وسلم أن من الأمور أمورا توجب النار لمن فعلها, وعلى المرء أن يجتنب تلك الأمور, فقال صلى الله عليه وسلم : «اجتَنِبوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ. قيل: يا رَسولَ اللهِ، وما هُنَّ؟ قال: الشِّركُ باللهِ، والسِّحرُ، وقَتْلُ النَّفسِ التي حرَّم اللهُ إلَّا بالحَقِّ، وأكْلُ الرِّبا، وأكْلُ مالِ اليَتيمِ، والتوَلِّي يومَ الزَّحفِ، وقَذْفُ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤمِناتِ» أخرجه البخاري (2766)، ومسلم (89) باختلاف يسير. أكْلُ الرِّبا، وأكْلُ مالِ اليَتيمِ يؤدى إلى النار لا محالة. وقد أخبر النبى صلى الله عليه وسلم أنهما من صاحب أمانة خانها إلا وطولب بها يوم القيامة فإذا بها على شفير جهنم, فيقال: أدى أمانتك, فيقول: يارب وأين الأمانات وقد فنيت الدنيا بما فيها؟ فيقال له: انظر, فينظر على شفير جهنم فيجد المال الذى أخذه بغير حق, ويجد البيت الذى أخذه بغير حق, ويجد الأرض الذى أقتطعها بغير حق, فيذهب من أجل أن يأتى بها فيقذف إلى النار وبئس القرار, فتنزل الأمانة إلى أسفل سافلين وهو وراءها يريد أن يأتى بها, ثم إذا ما تمكن منها حيل بينه وبينها ثم رفعت إلى أعلى النار فيرفع نفسه معها ويذهب بنفسه إليها, وهكذا إلى أن يشاء الله ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ 34 وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ 35 وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ 36 لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾[عبس] . فيا من تأكل الحرام لأجل ولدك, أو لأجل زوجك, أو لأجل أخيك, أو لأجل بدنك الحرام يأتى يوم القيامة وقد شغل هؤلاء جميعا عنك, بل إنك لو طلبته من أجل أن يحمل شيئا عنك, قالوا لك: لا طاقة لنا بذلك خلى عنا وأمضى إلى سبيلك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾[التحريم6] . إن كل قائم على وظيفة من أمور المسلمين ليعلم أن وظيفته سبب نجاته أو سبب هلاكه، سبب توفيقه أو سبب خذلانه. فإن النبى صلى الله عليه وسلم أرسل رجلاً ليجمع الزكاة فأتى فقال:« هذا لَكُمْ، وَهذا لِي، أُهْدِيَ لِي، قالَ: فَقَامَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ علَى المِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عليه، وَقالَ: ما بَالُ عَامِلٍ أَبْعَثُهُ، فيَقولُ: هذا لَكُمْ، وَهذا أُهْدِيَ لِي، أَفلا قَعَدَ في بَيْتِ أَبِيهِ، أَوْ في بَيْتِ أُمِّهِ، حتَّى يَنْظُرَ أَيُهْدَى إلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لا يَنَالُ أَحَدٌ مِنكُم منها شيئًا إلَّا جَاءَ به يَومَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ علَى عُنُقِهِ بَعِيرٌ له رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةٌ تَيْعِرُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إبْطَيْهِ، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ، هلْ بَلَّغْتُ؟ مَرَّتَيْنِ» أخرجه البخاري (7174)، ومسلم (1832). النبى صلى الله عليه وسلم يؤكد ذلك لأن من أخذ مالاً بغير حق أتى به يحمله على رقبته فإذا رأى النبى صلى الله عليه وسلم قال: يامحمد أدركنى, يا رسول الله أدركنى فيقول له النبى صلى الله عليه وسلم قد حذرتك وأنذرتك قد حذرتك وانذرتك . فيا عبد الله إن العقل يقتضى أن يحب المرء نفسه أولاً, ثم بعد ذلك يحب ولده, ثم بعد ذلك يحب زوجه هذا هو العقل, وهذه من مقتضيات العقل. أمن المحبة لنفسك أن تهلك نفسك فى تحصيل المال, دنيا وفى العذاب عليه فى الآخرة !! والله لو كان الولد من أنجب الناس فلا قدر له ولا كرامة... إذا كان ذلك الولد سيكون سبباً فى ضياع أبيه، لو كانت الزوجة سبباً فى ضياع زوجها لآل المرء على نفسه أن يعيش بغير زوجة ولا أن تورطه زوجه فى الحرام. وقد كانت المرأة الصالحة تقول لزوجها إذا أراد أن يخرج من بيته تقول له: اتقى الله فينا فإنا نصبر على الجوع والعطش ولا نصبر على حر جهنم. وكانت المرأة الصالحة إذا جاءها نعى زوجها وهى تضع يدها فى العجين كانت تنفض يديها منه وتقول: هذا مال صار لنا فيه شركاء لا يحل لنا منه شئ . أتكون النساء أعقل عقلاً وأكثر إيماناً من كثيرا من الرجال. والنبى صلى الله عليه وسلم يقول لك: دع ما يريبك إلا ما لا يريبك, دع ما به بأس إلا ما لا بأس به. ونبيكم صلى الله عليه وسلم كان يمر عليه الهلال والهلال والهلال ثلاثة أهلة لا يوقد فى بيت النبى نار. تأكل ويسمن بدنك, وتزداد سيئاتك وتؤول فى المنتهى إلى النار وبئس القرار. نبينا صلى الله عليه وسلم يمر على قبر رجل كان يقاتل معه فأدرك الصحبة وأدرك الجهاد ومات بين يدى الناس على ظاهر الأمر شهيداً فأخذ الناس يثنون عليه فقال النبى صلى الله عليه وسلم : إن قبره ليوقد عليه ناراً بشملة غلها قبل أن توزع الغنائم. فيا من فى أموالكم تركات يجب أن توزع ... يا من فى أموالكم مستحقات ينبغى أن تعطى... ادركوا ذلك, ادركوا إعطائكم لكل ذى حق حقه, قبل أن تدخلوا القبور..... فإذا ما دخل الأبعد القبر فليس له إلا النار, نسأل الله العفو والعافية. وصلى الله وسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

ملف نصي

خطبة-احذروا-أكل-الحرام
ملف نصي
عرض
خطبة-احذروا-أكل-الحرام
ملف نصي
عرض

تفاصيل التفريغ

الزيارات
5 مشاهدة
تاريخ الإضافة
السبت 1448‏/02‏/25 1448‏/صفر‏/24

مشاركة التفريغ

5 مشاهدة

تفريغات ذات صلة