فَوَائِدُ_وَدُرَرُ_فَضِيلَةِ_الشَّيْخِ - مؤلفات الشيخ

فضيلة الشيخ صلاح غانم · 49 مشاهدة

فَوَائِدُ_وَدُرَرُ_فَضِيلَةِ_الشَّيْخِ

فَوَائِدُ_وَدُرَرُ_فَضِيلَةِ_الشَّيْخِ

المحتوي

فَوَائِدُ وَدُرَرُ فَضِيلَةِ الشَّيْخِ أَبِي عَبْدِاللهِ صَلَاحِ بْنِ مُحَمَّد غَانِم (رَحِمَهُ اللهُ وَوَلَدَيْهِ) فِقْهُ التَّعَامُلِ مَعَ الْأَقَارِبِ الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ: فَمَا أَحْوَجَ الْمُسْلِمَ إِلَى أَنْ يَتَحَلَّى بِالْفِقْهِ وَالْحِكْمَةِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الْمُحِيطِينَ بِهِ، وَبِخَاصَّةٍ مِنَ (الْأَهْلِ وَالْأَقَارِبِ)، فَالْمُلَازَمَةُ لَهُمْ دَائِمَةٌ، وَالْحَاجَةُ إِلَى مَوَدَّتِهِمْ مَاسَّةٌ، وَالِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُمْ لَا يُمْكِنُ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ. فَخَيْرُهُمْ حَالُ الْوَصْلِ وَالْبِّر عَمِيمٌ، وَهَجْرُهُمْ إِثْمٌ عَظِيمٌ وَشَرٌّ مُسْتَطِيرٌ، ضَرَرُهُ بَالِغٌ، وَأَثَرُهُ جَسِيمٌ! وَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ الْإِحَاطَةُ بِهَذَا الْبَابِ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ. وَالْعِلْمُ وَالْعَمَلُ بِهِ يَدُلَّانِ عَلَى إِرَادَةِ اللهِ بِعَبْدِهِ خَيْرًا، لِقَوْلِهِ : «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»( ). وَالتَّعَامُلُ مَعَ الْوَالِدَيْنِ وَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْأَبْنَاءِ وَالْأَقَارِبِ لَهُ (فِقْهٌ يَحْتَاجُ إِلَى الْعِلْمِ بِهِ) جُلُّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَأَحْوَجُ النَّاسِ إِلَيْهِ السَّائِرُونَ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَمِنْ ذَلِكَ الْفِقْهِ مَا عَلَّمَنَاهُ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الرَّسْلَانُ، فَكَانَ يَقُولُ لَنَا: «لَيْسَ الْبِرُّ فِيمَا تُحِبُّ، وَإِنَّمَا الْبِرُّ فِيمَا تَكْرَهُ!»، وَلَنْ تَصِلَ إِلَى كُلِّ الَّذِي لَكَ حَتَّى تُؤَدِّيَ كُلَّ الَّذِي عَلَيْكَ، فَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، وَالْأَجْرُ وَالْعَطَاءُ عَلَى حَسَبِ الْبَذْلِ وَالْعَنَاءِ. فَاعْمَلْ أَيُّهَا الْمُسْلِمُ مَا شِئْتَ، فَكَمَا تُدِينُ تُدَانُ! قَدِّمْ لَهُمْ خَيْرًا أَوْ شَرًّا، بِرًّا أَوْ عُقُوقًا، إِحْسَانًا أَوْ إِسَاءَةً؛ فَهُوَ مَذْخُورٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ! تَجْنِيهِ وَرْدًا أَوْ شَوْكًا! حُلْوًا أَوْ مُرًّا! عَذْبًا أَوْ حَنْظَلًا! دَرَجَاتٍ في الْجِنَانِ عَالِيَةً أَوْ دَرَكَاتٍ فِي النِّيرَانِ سَافِلَةً! وَفِي الْمُنْتَهَى: كُلُّ إِنَاءٍ يَنْضَحُ بِمَا فِيهِ! فَكُنْ مَعَهُمْ قَارُورَةَ عِطْرٍ، وَلَا تَكُنْ مِرْحَاضَ بَوْلٍ وَغَائِطٍ!! كُنْ يَدًا عَالِيَةً مُعْطِيَةً، وَلَا تَكُنْ يَدًا سَافِلَةً مُتَسَوِّلَةً!! وَعَلْيَكَ أَنْ تُفَتِّشَ فِي حُقُوقِهِمْ! عَلَيْكَ قَبْلَ أَنْ تَبْحَثَ عَنْ حُقُوقِكَ لَدَيْهِمْ، فَإِنَّ الْعَامِلَ لَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ إِلَّا بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْعَمَلِ، وَالْمُوَظَّفُ لَا يَحْصُلُ عَلَى رَاتِبِهِ إِلَّا بَعْدَ شَهْرٍ مِنَ الْجُهْدِ وَالتَّعَبِ.. فَلِمَ تَسْعَى إِلَى الْأَخْذِ قَبْلَ الْعَطَاءِ؟! وَلِمَ تُرِيدُ مِنْهُمْ الْوُدَّ وَالْوَصْلَ وَلَمْ يَرَوْا مِنْكَ إِلَّا الْقَطِيعَةَ وَالْجَفَاءَ؟!! هَذِهِ -وَاللهِ- قِسْمَةٌ ضِيزَى، وَمُعَامَلَةٌ جَائِرَةٌ، وَصَفْقَةٌ خَاسِرَةٌ! فَاتَّقِ اللهَ عَبْدَاللهِ! وَاسْعَ إِلَى أَدَاءِ مَا عَلَيْكَ لَهُمْ مِنَ الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ، وَخَفْضِ الْجَنَاحِ وَرِعَايَةِ الْمَشَاعِرِ، وَلَا تَقِفْ مَعَ رَدِّ الْفِعْلِ بِفِعْلٍ مُمَاثِلٍ. فَلَا تَكُنْ ظَالِمًا أَمَامَ ظَالِمٍ، وَلَا فَاسِقًا أَمَامَ فَاسِقٍ، وَلَا هَاجِرًا أَمَامَ هَاجِرٍ، فَكُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ، وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَالْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدِيٌّ.. فَلَا يَجُوزُ هَجْرُهُمْ مَهْمَا فَعَلُوا فَهُوَ (كَبِيرَةٌ مِنَ الْكَبَائِرِ)، وَسَبَبُ حُلُولِ الْعَذَابِ وَالْعِقَابِ، وَهُوَ جُرْمٌ عَظِيمٌ، وَفِعْلٌ مَشِينٌ، وَلَقَدْ أَمَرَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مَعَهُمْ بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ، وَغَضِّ الطَّرْفِ وَخَفْضِ الْجَنَاحِ. وَقَاعِدَةُ الْبِرِّ بِمَفْهُومِهَا الصَّحِيحِ: «أَدِّ مَا عَلَيْكَ وَلَا عَلَيْكَ»، مَعَ الْإِحَاطَةِ بِهَذَا الْأَمْرِ الْخَطِيرِ وَهُوَ: أَنَّ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ، وَالْأَخِ وَالْأُخْتِ وَالِابْنِ وَالْبِنْتِ وَالزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ، وَالْعَمِّ وَالْخَالِ وَمَنْ عَلَى شَاكِلَتِهِمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْيَانِ (قَنَاعَاتٍ مَغْلُوطَةً يَنْبَغِي عَلَى الْمَرْءِ أَنْ يَغُضَّ الطَّرْفَ عَنْهَا)، وَيُمَرِّرَهَا بِلَا تَعَقُّبٍ وَلَا تَثْرِيبٍ. وَهَلْ نَسِيتَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ إِخْوَةِ يُوسُفَ، حِينَ قَالَ لَهُمْ بَعْدَ الَّذِي فَعَلُوهُ -وَهُوَ فِي الْجَاهِ وَالسُّلْطَانِ وَالتَّمْكِينِ-: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ؟! فَتَعَامَلْ مَعَ هَذِهِ الْقَنَاعَاتِ الْمَغْلُوطَةِ بِاعْتِبَارِهَا جُزْءًا لَا يَتَجَزَّأُ مِنَ الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ، لِأَنَّ تَغْيِيرَ هَذِهِ الْقَنَاعَاتِ لَا يَصْلُحُ فِيهِ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَلَا النُّصْحُ الْمُبَاشِرُ وَكَثْرَةُ الْحَضِّ عَلَى الْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ. وَإِنَّمَا طَرِيقُ تَغْيِيرِهِ التَّلْمِيحُ لَا التَّصْرِيحُ.. التَّعْرِيضُ لَا التَّوْضِيحُ.. الْإِشَارَةُ لَا الْعِبَارَةُ. وَرَحِمَ اللهُ امْرَأً عَرَفَ قَدْرَ نَفْسِهِ! فَالْزَمْ حَدَّكَ! وَلَا تَعْدُ قَدْرَكَ، فَأَنْتَ دُونَ أَبِيكَ وَأُمِّكَ وَخَالِكَ وَعَمِّكَ، وَلَسْتَ فَوْقَ أَخِيكَ وَأُخْتِكَ وَإِنَّمَا أَنْتَ وَهُمَا سَوَاءٌ.. وَأَفْضَلُ طَرِيقٍ لِلتَّعَامُلِ مَعَهُمْ جَمِيعًا عَنْ طَرِيقِ (الْأَحَاسِيسِ وَالْمَشَاعِرِ)، بِإِظْهَارِ الْحُبِّ، وَبَذْلِ الْوُدِّ، وَتَقْدِيمِ الْهَدِيَّةِ، وَطَلَاقَةِ الْوَجْهِ، وَعُذُوبَةِ الْكَلِمَاتِ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ بِالْجَمِيلِ مِنَ الصِّفَاتِ، وَنِسْيَانِ مَا كَانَ مِنْهُمْ مِنَ الزَّلَّاتِ وَالْهَفَوَاتِ. وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَهُ بَابٌ لَا تَدْخُلُ إِلَى قَلْبِهِ إِلَّا مِنْهُ، وَالْأَبْوَابُ كَثِيرَةٌ وَيَسِيرَةٌ.. فَأَكْثِرْ مِنَ الْمَدْحِ عَلَى مَنْ يُحِبُّ الْمَدْحَ وَالثَّنَاءَ. وَأَكْثِرْ مِنَ الْبَذْلِ عَلَى مَنْ يُحِبُّ الْجُودَ وَالْعَطَاءَ. وَعَلَيْكَ بِخَفْضِ الْجَنَاحِ لِلْكَبِيرِ، وَالرَّحْمَةِ وَالْحُنُوِّ عَلَى الصَّغِيرِ، وَالِاحْتِرَامِ الْمُتَبَادَلِ مَعَ النِّدِّ وَالنَّظِيرِ، فَاطْرُقْ جَمِيعَ الْأَبْوَابِ لِلدُّخُولِ عَلَيْهِمْ، وَسَتَجِدُ الْبَابَ يَسِيرَ الْفَتْحِ -إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى-. وَمَا ذَكَرْتُهُ لَكَ قَانُونٌ مُطَّرِدٌ فِي جَمِيعِ مَنْ تُعَامِلُهُمْ حَوْلَكَ، فَعَضَّ عَلَيْهِ بِالنَّوَاجِذِ، فَإِنَّهُ نَافِعٌ لَكَ -إِنْ شَاءَ اللهُ- فِي حَيَاتِكَ كُلِّهَا، وَكُنْ لَهُمْ جَمِيعًا فِيمَا يُحِبُّونَ وَيَرْغَبُونَ مِنَ الْإِحْسَانِ وَالْجُودِ وَالْبَذْلِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا، فَالنَّفْسُ الْبَشَرِيَّةُ تَرْضَى فِي بَابِ الْعَطَاءِ بِالْيَسِيرِ وَالْقَلِيلِ، وَلَا تَنْسَ قَوْلَ النَّبِيِّ : يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا صَنَعْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مِنْ مَائِهَا، وَصُبَّ مِنْهَا عَلَى جَارِكَ الْأَيْمَن ثُمَّ الْأَيْسَر( )، وَهَلْ قَدَّمَ أَبُو ذَرٍّ  إِلَّا أَطْبَاقًا مِنْ مَاءٍ؟! * * * كَيْفَ يَشْعُرُ الْإِنْسَانُ بِقِيمَتِهِ وَلَا يَتَأَثَّرُ بِالْآخَرِينَ مَدْحًا أَوْ ذَمًّا؟ السُّؤَالُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ. كَيْفَ يَشْعُرُ الْإِنْسَانُ بِقِيمَتِهِ وَلَا يَتَأَثَّرُ بِالْآخَرِينَ مَدْحًا أَوْ ذَمًّا، إِقْبَالًا أَوْ إِدْبَارًا؟ وكَيْفَ لَا يتَأَثَّرُ بِالْأَشْيَاءِ وُجُودًا وَفَقْدًا، امْتِلَاكًا وَعُدْمًا؟ الْجَوَابُ: وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ. الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ الْقَاعِدَةَ عِنْدَ عُلَمَائِنَا -عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ- أَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الشَّيْءِ فَرْعٌ عَنْ تَصَوُّرِهِ، فَلَنْ يَسْتَطِيعَ الْمَرْءُ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى قِيمَةِ الْأشياء إِلَّا إِذَا عَرَفَ حَقِيقَتَها ظَاهِرًا وَبَاطِنًا حَالًا وَمَآلًا، فَكَمْ مِنْ شَيْءٍ ظَاهِرُهُ يَسُرُّ وَبَاطِنُهُ سَيِّئٌ قَبِيحٌ يَضُرُّ، وَكَمْ مِنْ شَيْءٍ حُلْوِ الْمَذَاقِ فِي أَوَّلِهِ مُرٌّ زُعَاقٌ فِي آخِرِهِ. وَدُونَكَ قِصَّةَ آدَمَ ، مَا الَّذِي أَفْضَى إِلَيْهِ حِينَ نَظَرَ إِلَى الشَّجَرَةِ فِي ذَاتِهَا، وَلَمْ يَنْظُرْ إِلَى الْحُكْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْأَكْلِ مِنْهَا، فَأَكَلَ أَكْلَةً حُرِمَ بِسَبَبِهَا نَعِيمًا مُقِيمًا فِيهِ أَكَلَاتٌ وَأَكَلَاتٌ. وَانْظُرْ إِلَى قَصْدِهِ فِي الْأَكْلِ مِنْهَا حِينَمَا قَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى؟ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ حَالُهُ قَبْلَ الْأَكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ، وَانْظُرْ إِلَى عَاقِبَةِ أَكْلِهِ مِنْهَا، وَالْمَآلُ الَّذِي آلَ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَا هِيَ صَارَتْ بِشَجَرَةِ الْخُلْدِ، وَلَا صَارَتْ بِشَجَرَةِ الْمُلْكِ الَّذِي لَا يَبْلَى، وَإِنَّمَا صَارَتْ شَجَرَةَ الْمَنْعِ وَالْحِرْمَانِ، وَسَبَبَ الْهُبُوطِ مِنَ الْجَنَّةِ دَارِ الْإِنْعَامِ وَالْإِكْرَامِ إِلَى الْأَرْضِ دَارِ الْمُقَاسَاةِ بِشَتَّى أَنْوَاعِ الْهُمُومِ وَالْغُمُومِ وَالْآلَامِ. فَهَذِهِ حَقِيقَةُ الشَّجَرَةِ الْمَوْهُومَةِ الَّتِي حَالَتْ بَيْنَ آدَمَ  وَبَيْنَ بَقَائِهِ فِي الْجَنَّةِ، لِذَا يَنْبَغِي عَلَى الْمَرْءِ أَنْ يَعْرِفَ قِيمَةَ الْأَشْيَاءِ عَلَى حَقِيقَتِهَا، وَأَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا عِنْدَ بَدْئِهَا وَمُنْتَهَاهَا. وَلَقَدْ ضَرَبَ لَنَا النَّبِيُّ  أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ فِي قِيَاسِ الْأَشْيَاءِ عَلَى حَقِيقَتِهَا فِي ذَوَاتِ الْأَشْخَاصِ وَقِيمَةِ الْأَشْيَاءِ. فَأَمَّا بَيَانُهُ فِي أَمْرِ ذَوَاتِ الْأَشْخَاصِ: فَفِي الْحَدِيثِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ  أَنَّهُ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ، فَقَالَ لرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ: «مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟»، فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، هَذَا وَاللَّهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ  ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ : «مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا»( ). فَهَذِهِ نَظْرَةُ النَّاسِ إِلَى ذَوَاتِ النَّاسِ، نَظْرَةُ النَّاسِ عَجْلَى خَاطِئَةٌ، لَمْ تُقَدِّرِ الشَّيْءَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَلَمْ تَنْظُرْ إِلَيْهِ فِي بَاطِنِهِ، وَلَمْ تَضَعْهُ فِي مَوْضِعِهِ، فَلَوْ تَكَلَّمَ الرَّجُلُ الثَّانِي لَمْ يَسْمَعْ أَحَدٌ كَلَامَهُ، وَلَوْ شَفَعَ لَمْ يَقْبَلْ أَحَدٌ شَفَاعَتَهُ، وَلَوْ خَطَبَ تُرَدُّ عَلَيْهِ خِطْبَتُهُ، عَلَى عَكْسِ الْأَوَّلِ فِي شَرَفِهِ عِنْدَ النَّاسِ وَمَكَانَتِهِ، وَلَكِنَّهُ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ عَظِيمُ الْقَدْرِ، وَاسِعُ الْفَضْلِ، رَفِيعُ الْمَكَانَةِ. فَانْظُرْ إِلَى الْبَوْنِ الشَّاسِعِ فِي تَقْدِيرِ الذَّوَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ عِنْدَ الْكَثِيرِ مِنَ النَّاسِ. فَهَلْ يُعْتَدُّ بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ النَّبَوِيِّ بِنَظَرِ النَّاسِ إِلَى النَّاسِ؟! مَعَ الْأَخْذِ فِي الِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ أَحَدٌ خَيْرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ -رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ-، فَمَا ظَنُّكَ بِالنَّاسِ فِي الْعَصْرِ الَّذِي نَحْيَاهُ -وَقَدْ فَسَدَتِ الْأَذْوَاقُ وَتَغَايَرَتِ الْأَعْرَافُ، وَاخْتَلَطَتِ الْمَفَاهِيمُ، وَصَارَ الْحَقُّ عِنْدَ الْكَثِيرِ مِنَ النَّاسِ بَاطِلًا، وَالْبَاطِلُ حَقًّا وَيَقِينًا-؟!! وَأَمَّا فِي قِيَاسِ قِيمَةِ الْأَشْيَاءِ فَقَدْ ضَرَبَ النَّبِيُّ  فِي بَيَانِ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ وَبَيَانِ قِيمَتِهِ أَرْوَعَ مِثَالٍ وَبَيَّنَهُ أَوْضَحَ بَيَانٍ. وَذَلِكَ عِنْدَمَا دَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ ، فَوَجَدَهُ يَنَامُ عَلَى حَصِيرٍ مُرْمَلٍ، وَقَدْ أَثَّر الْحَصِيرُ فِي جَنْبِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِنَ اللِّبَاسِ إِلَّا إِزَارُهُ، وَلَمْ يَجِدْ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا يَرْتَدُّ عَلَى بَصَرِهِ مِنْ فِرَاشٍ أَوْ رِيَاشٍ أَوْ أَثَاثٍ، فَأَخَذَ عُمَرُ فِي الْبُكَاءِ ، فَقَالَ لَهُ: «مَا يُبْكِيكَ يَا بْنَ الْخَطَّابِ؟». فَقَالَ: أَنْتَ نَبِيُّ اللهِ وَصَفْوَتُهُ وَخِيرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ هَذَا شَأْنُكَ وَحَالُكَ؟! وَكِسْرَى وَقَيْصَرُ عَلَى سُرُرِ الذَّهَبِ وَفُرُشِ الدِّيبَاجِ وَالْحَرِيرِ وَأَنْتَ تَنَامُ عَلَى عَسَفِ النَّخِيلِ؟! فَقَالَ يَا عُمَرُ: «أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهِيَ وَشِيكَةُ الِانْقِطَاعِ، وَإِنَّا قَوْمٌ أُخِّرَتْ لَنَا طَيِّبَاتُنَا فِي آخِرَتِنَا يَا بْنَ الْخَطَّابِ، أَلَا تَرْضَي أَنْ تَكُونَ لَنَا الْآخِرَةُ وَلَهُمُ الدُّنْيَا؟»( ). فَهَذَا نَظَرُ عُمَرَ إِلَى الْأَشْيَاءِ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا عُمَرُ؟! وَانْظُرْ كَيْفَ أَثَّرَ فِيهِ هَذَا الْمَنْظَرُ فَأَحْزَنَهُ وَأَبْكَاهُ!! لِأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى ظَاهِرِهِ لَا إِلَى بَاطِنِهِ، وَنَظَرَ إِلَيْهِ فِي أَوَّلِهِ لَا فِي آخِرِهِ! فَبَيَّنَ لَهُ النَّبِيُّ  حَقِيقَةَ الشَّيْءِ وَمَآلَهُ، وَأَنَّ الْقِيَاسَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَأَنَّ مَقَادِيرَ الْأَشْيَاءِ بِهَذَا التَّقْدِيرِ لَيْسَتْ فِي مَوَاضِعِهَا. وَإِلَيْكَ مَا هُوَ أَعْجَبُ وَهُوَ نَظْرَةُ النَّاسِ إِلَى الْغِنَى وَالْفَقْرِ وَالْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، فَيَرَى النَّاسُ كُلُّ النَّاسِ أَنَّ الْغِنَى ِنعْمَةٌ عَظِيَمةٌ، وَمِنَّةٌ جَسِيمَةٌ مَنْ أُوتِيَهَا فَقَدْ أُوتِيَ الْحَظَّ الْأَوْفَرَ وَالنَّصِيبَ الْأَكْبَرَ. وَلَكِنَّ النَّبِيَّ  يُقْسِمُ بِاللهِ الْعَظِيمِ قَسَمًا مُؤَكَّدًا مُحَرَّرًا عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَيُبَيِّنُ خَطَأَ تِلْكَ النَّظْرَةِ لِلْغِنَى وَالْفَقْرِ، فَيَقُولُ: «وَاللهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى أَنْ تُفْتَحَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا فَتَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ»( ). فَانْظُرْ يَا رَعَاكَ اللهُ إِلَى النَّظَرِ الْغَالِبِ الْأَعَمِّ لِلْغِنَى فِي ذَاتِهِ عِنْدَ النَّاسِ، وَانْظُرْ إِلَيْهِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ، تَجِدْ بَوْنًا شَاسِعًا وَفَرْقًا هَائِلًا بَيْنَ النَّظْرَتَيْنِ فِي شَأْنِ الْغِنَى وَالْفَقْرِ فِي الدُّنْيَا. وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَيَقُولُ النَّبِيُّ : «يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُغْمَسُ غَمْسَةً فِي النَّارِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: هَلْ رَأَيْتَ نَعِيمًا؟ هَلْ رَأَيْتَ مَتَاعًا؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللهِ مَا رَأَيْتُ نَعِيمًا قَطُّ، وَلَا مَتَاعًا قَطُّ. ثُمَّ يُؤْتَى بِأَبْأَسِ أَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صِبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا؟ هَلْ رَأَيْتَ شَقَاءً؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللهِ مَا رَأَيْتُ بُؤْسًا قَطُّ، وَمَا رَأَيْتُ شَقَاءً قَطُّ»( ). فَهَذِهِ حَقِيقَةُ وَقِيمَةُ مَا يَتَقَاتَلُ عَلَيْهِ النَّاسُ، وَمَا الَّذِي يَئُولُ إِلَيْهِ نَعِيمُ الدُّنْيَا فِي الْمُنْتَهَى، فَهَذَا قَدْرُهُ، حَيْثُ يَزُولُ أَعْظَمُ نَعِيمِ الدُّنْيَا وَمَتَاعِهَا فِي غَمْسَةِ نَارٍ فِي لَحْظَةٍ عَابِرَةٍ، وَانْظُرْ كَيْفَ يَكُونُ بُؤْسُ الدُّنْيَا وَشَقَاؤُهَا فِي الْقِلَّةِ وَالْهَوَانِ، حَيْثُ يَزُولُ أَثَرُ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي صَبْغَةٍ فِي الْجَنَّةِ، زَمَانُهَا لَحْظَةٌ عَابِرَةٌ. فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ يُؤَثِّرُ فِيكَ نَظَرُ النَّاسِ تَقْدِيرًا وَاحْتِرَامًا أَوِ ازْدِرَاءً وَامْتِهَانًا؟! وَالنَّاسُ فِي الْمُنْتَهَى كَلَامُهُمْ هَوَاءٌ مَدْحًا أَوْ ذَمًّا قَدْحًا أَوْ حَمْدًا! وَمَاذَا يَفْعَلُ الْهَوَاءُ إِذَا خَرَجَ إِلَى الْهَوَاءِ؟!! فَإِنَّهُ لَا يَزِيدُ فِيهِ وَزْنًا، وَلَا يُحَرِّكُ فِيهِ سَاكِنًا، وَلَكِنَّهُ يَتْرُكُ أَثَرًا فِي النُّفُوسِ الضَّعِيفَةِ، وَالْقُلُوبِ الْمَرِيضَةِ، وَالْعُقُولِ الْفَارِغَةِ الَّتِي لَمْ تَتَزَكَّ بِحَقِيقَةِ الْإِيمَانِ، وَلَمْ تَتَرَبَّ عَلَى مَائِدَةِ الْقُرْآنِ، وَلَمْ تَتَخَلَّقْ بِأَخْلَاقِ النَّبِيِّ الْهُمَامِ. فَمِثَالُهَا فِي تَأَثُّرِهَا بِكَلَامِ النَّاسِ: كَوَرَقَةِ شَجَرٍ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ، أَيْنَمَا تَمِيلُ بِهَا الرِّيحُ تَمِيلُ، فَلَا أَصْلَ لَهَا وَلَا قَرَارَ، وَلَا وَطَنَ لَهَا وَلَا اسْتِقْرَارَ. وَإِنَّمَا التَّقَلُّبُ شَأْنُهَا، وَالتَّرَدُّدُ وَصْفُهَا، وَالْحَيْرَةُ أَغْلَبُ أَحْوَالِهَا، وَصَدَقَ اللهُ  يَقُولُ فِي شَأْنِهَا: ﴿ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﴾ [سورة النساء: 143]. وَأَمَّا أَصْحَابُ الْهِمَمِ الْعَالِيَةِ وَالنُّفُوسِ الشَّرِيفَةِ وَالْقُلُوبِ السَّلِيمَةِ فَلَا يَقِفُونَ عِنْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَهُمْ فِي وَادِ الْحَقَائِقِ وَأَوْدِيَةِ الْمَنَاقِبِ، يَسْعَوْنَ إِلَى الْغَالِي النَّفِيسِ.. الْبَاقِي الْعَزِيزِ، لَا إِلَى الْحَقِيرِ الرَّخِيصِ.. الْفَانِي الْخَسِيسِ. فَانْظُرْ فِي شَأْنِكَ مَعَ أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ تَسِيرُ! وَبِأَيِّ الْمَقَايِيسِ تَقِيسُ؟! فَكُنْ عَالِيَ الْهِمَّةِ، لَا سَافِلَهَا! كُنْ كَالصُّقُورِ عَلَى الذُّرَا تُصْغِي لِوَسْوَسَةِ الْقَمَرِ، لَا كَالْغُرَابِ يُطَارِدُ الْجِيَفَ الْحَقِيرَةَ فِي الْحُفَرِ! مَنْ هَانَ تَسْحَقُهُ السَّنَابِكُ وَيَتِيهُ فِي مَتَاهَاتِ الْعُمُرِ. فَاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا فِي أَنْفُسِنَا صِغَارًا وَعِنْدَكَ وَعِنْدَ الصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكَ كِبَارًا، وَلَا تُذِقْنَا طَعْمَ أَنْفُسِنَا، وَأَعِزَّنَا بِعِزِّ طَاعَتِكَ، وَلَا تُذِلَّنَا بِذُلِّ مَعْصِيَتِكَ. وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ الْمُرْسَلِينَ سَيِّدَنا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الطِّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. * * * دَوْرُ الْأُسْرَةِ فِي الْمُجْتَمَعِ الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ الْحَرْفَ هُوَ اللَّبِنَةُ الْأُولَى فِي بِنَاءِ الْكَلِمَةِ، وَالْكَلِمَةُ هِيَ اللَّبِنَةُ الْأُولَى فِي بِنَاءِ الْجُمْلَةِ، وَالْجُمْلَةُ بِنَوْعَيْهَا يَنْشَأُ عَنْهُمَا الْكَلَامُ وَالْبَيَانُ وَالْفَهْمُ وَالْإِفْهَامُ، وَالْخَلَلُ فِي الْحَرْفِ يُؤَدِّي إِلَى الْخَلَلِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ. وَمِنْ هُنَا يَحْدُثُ الْخَلْطُ، وَتَتَغَيَّرُ الْمَبَانِي وَالْمَعَانِي، وَتَخْتَلِطُ الْمَسَائِلُ وَتَتَشَابَكُ الدُّرُوبُ، فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْكَثْرَةِ وَالْكَسْرَةِ حَرْفٌ وَاحِدٌ، يَجْعَلُ الْوَصْفَ مُتَغَايِرًا وَالْفَهْمَ مُتَخَالِفًا. وَالشَّيْءُ بِالشَّيْءِ يُذْكَرُ وَبِالْمِثَالِ يَتَّضِحُ الْمَقَالُ، فَالْفَرْدُ هُوَ اللَّبِنَةُ الْأُولَى فِي بِنَاءِ الْأُسْرَةِ، وَالْأُسْرَةُ هِيَ اللَّبِنَةُ الْأُولَى فِي بِنَاءِ الْمُجْتَمَعِ، وَمِنَ الْمُجْتَمَعَاتِ تَنْشَأُ الدُّوَلُ وَالْأُمَمُ، وَالْخَلَلُ فِي تَكْوِينِ الْفَرْدِ يُؤَدِّي إِلَى الْخَلَلِ فِي تَكْوِينِ الْمُجْتَمَعَاتِ، وَمِنْ هُنَا يَحْدُثُ الْخَلْطُ وَالْخَلَلُ فِي الدُّوَلِ وَالْأُمَمِ. وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ الْحَكِيمُ: إِنَّمَا الْأُمَمُ الْأَخْلَاقُ مَا بَقِيَتْ فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلَاقُهُمْ ذَهَبُوا فَمَا أَحْوَجَ الْأُمَّةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ أَنْ تُعِيدَ النَّظَرَ فِي أُصُولِ بِنَائِهَا وَمَادَّةِ وُجُودِهَا، وَذَلِكَ مِنْ خِلَالِ إِعَادَةِ النَّظَرِ فِي أَحْوَالِ أَفْرَادِهَا رِجَالًا وَنِسَاءً، ذُكُورًا وَإِنَاثًا، وَذَلِكَ مِنْ خِلَالِ إِعَادَةِ النَّظَرِ فِي الْمُحِيطِ الْأُسْرِيِّ، فِي أَحْوَالِهِ الدَّاخِلِيَّةِ، وَعَلَاقَاتِهِ بِالْمُحِيطِ الْخَارِجِيِّ، وَأَثَرِهِ عَلَى الْمُجْتَمَعَاتِ وَالْأُسَرِ الْمُحِيطَةِ بِهِ سَلْبًا وَإِيجَابًا، وَدَوْرِ الْأَسْرَةِ فِي النُّهُوضِ بِالْمُجْتَمَعِ مِنْ كَبْوَتِهِ، وَالْإِمْسَاكِ بِيَدِهِ لِيَقُومَ مِنْ زَلَّتِهِ وَعَثْرَتِهِ. وَعِنْدَ إِمْعَانِ النَّظَرِ فِي الْأُسْرَةِ الْمُسْلِمَةِ تَجِدُ الْعَجَبَ الْعُجَابَ وَالْهَرْجَ الْهَارِجَ! لَقَدْ صَارَتْ أُسَرُ الْمُسْلِمِينَ تَتَرَنَّحُ فِي سَيْرِهَا تَرَنُّحَ السَّكْرَانِ، خُطْوَةً إِلَى الْأَمَامِ وَخُطُوَاتٍ إِلَى الْوَرَاءِ، فَصَارَتْ تَعْرِفُ الْيَوْمَ مَا كَانَتْ تُنْكِرُهُ بِالْأَمْسِ، وَتُنْكِرُ الْيَوْمَ مَا كَانَتْ تَعْرِفُهُ بِالْأَمْسِ، وَصَارَ التَّذَبْذُبُ أَصْدَقَ أَوْصَافِهَا، وَالتَّرَدُّدُ الْغَالِبَ عَلَى أَحْوَالِهَا، وَصَارَ الذَّوَبَانُ فِي الْآخَرِينَ مُعْتَادًا عَلَى أَكْثَرِهَا، حَتَّى صَارَ مِنَ الصَّعْبِ عَلَيْكَ أَنْ تُمَيِّزَ بَيْنَ الْأُسْرَةِ الْمُسْلِمَةِ وَغَيْرِ الْمُسْلِمَةِ؛ لِلتَّشَابُهِ الْكَبِيرِ فِي اللِّبَاسِ وَالْعَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَالْأَخْلَاقِ وَالسُّلُوكِ.. فَتَرَى الْوَالِدُ لَا شُغُلَ لَهُ فِي لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ وَصُبْحِهِ وَمَسَائِهِ إِلَّا الْقِيَامُ عَلَى أَبْدَانِ الْأَوْلَادِ وَالنِّسَاءِ، مُتَنَاسِينَ مُتَغَافِلِينَ أَنَّ دَاخِلَ الْأَبْدَانِ أَرْوَاحًا تَحْتَاجُ إِلَى تَعَاهُدٍ وَرِعَايَةٍ، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ غِذَاءَ الْأَبْدَانِ فِيمَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ، وَجَعَلَ غِذَاءَ الْأَرْوَاحِ فِيمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَكِنَّ شُغُلَ جُلِّ الْآبَاءِ بِالْأَبْدَانِ عَنِ الْأَدْيَانِ، وَبِالْأَجْسَامِ عَنِ الْأَرْوَاحِ. فَضَاعَتِ الْمَشَاعِرُ وَالْأَحَاسِيسُ وَالْأَعْرَافُ وَالشَّرَائِعُ فِي الْمُعَامَلَةِ بَيْنَ الزَّوْجِ وَزَوْجِهِ وَالْوَالِدِ وَوَلَدِهِ وَالْأَخِ وَأَخِيهِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ يُرِيدُ أَنْ يَصِلَ إِلَى مَا يُرِيدُ وَلَوْ عَلَى هَلَاكِ الْآخَرِينَ مِنْ حَوْلِهِ. فَتَرَى زَوْجًا يُدَمِّرُ بَيْتَهُ لِشَهْوَةٍ عَارِضَةٍ مِنَ امْرَأَةٍ عَابِرَةٍ مَلَكَتْ عَلَيْهِ زِمَامَ نَفْسِهِ فَلَمْ يُفَكِّرْ إِلَّا فِي الْوُصُولِ إِلَيْهَا بِأَيِّ طَرِيقٍ مِنْ حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَى الْآثَارِ السَّلْبِيَّةِ الَّتِي سَوْفَ تُؤَثِّرُ عَلَى تِلْكَ الْأُسْرَةِ انْهِيَارًا وَتَدْمِيرًا وَتَشَرُّدًا. وَفِي الْمُقَابِلِ تَرَى امْرَأَةً لَا تَرَى فِي زَوْجِهَا إِلَّا مَا تُحَصِّلُهُ مِنْ مَتَاعٍ مَادِّيٍّ أَوْ إِشْبَاعٍ غَرِيزِيٍّ فَإِذَا مَا فَرَغَ جَيْبُهُ أَوْ خَارَتْ قُوَاهُ بَحَثَتْ عَنْ غَيْرِهِ مُتَنَاسِيَةً مَصْلَحَةَ أُسْرَةٍ كَامِلَةٍ. فَيَغِيبُ الْأَبَوَانِ فِي غَيَاهِبِ شَهْوَتِهِمَا، فَيُخَلِّفَانِ وَرَاءَهُمَا أُسْرَةً شَهْوَانِيَّةً تَرَبَّتْ فِي مُجْتَمَعٍ شَهْوَانيٍّ. فَتَتَكَرَّرُ صُورَةُ الْأَبِ فِي وَلَدِهِ وَصُورَةُ الْأُمِّ فِي بِنْتِهَا، وَيُبْتَلَى الْمُجْتَمَعُ بِنَمَاذِجَ مَشْهُورَةٍ تَزِيدُهُ فَسَادًا وَإِفْسَادًا. وَيَحْمِلُ وِزْرُ ذَلِكَ كُلِّهِ دُعَاةٌ وَعُلَمَاءُ غَفَلُوا عَنْ دَوْرِهِمُ التَّرْبَوِيِّ فِي الْمُحْيِط ِالأُسْرِيِّ. فَسَارَتِ الْأُسَرُ فِي الْحَيَاةِ سَيْرَ الْقُطْعَانِ الشَّارِدَةِ حَيْثُ لَا مَرْعَى وَلَا رَاعِيَ فَتَنْزِلُ عَلَى الْمَزَابِلِ وَالْمُسْتَنْقَعَاتِ لِتَأْكُلَ الْفَاسِدَ وَالْحَامِضَ وَالرَّجِيعَ، أَوْ حَتَّى فِي الْمُجْتَمَعَاتِ الَّتِي تَدَّعِي التَّمَسُّكَ بِالدِّينِ وَالَّشرِيعَةِ اخْتَلَطَتْ فِيهِ الدُّرُوبُ وَتَشَابَهَتْ فِيهَا الْمَسَالِكُ، فَصَارَ مِنَ الْعَسِيرِ عَلَيْكَ أَنْ تُفَرِّقَ بَيْنَ سُنِّيٍّ وَمُبْتَدِعٍ، وَجَادٍّ وَهَازِلٍ، وَطَائِعٍ وَعَاصٍ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِاخْتِلَافِ الثَّوَابِتِ وَكَثْرَةِ الْمُتَغَيِّرَاتِ، حَتَّى صَارَ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْتَجَّ عَلَى قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ إِمَامٌ وَدَلِيلٌ يَحْتَجُّ بِهِ عَلَى مُخَالِفِيهِ، وَكُلٌّ يَدَّعِي أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ وَالسُّنَّةِ، وَغَيْرَهُ عَلَى الْبَاطِلِ وَالْبِدْعَةِ. وَصَارَتِ الْمُجْتَمَعَاتُ الدَّعَوِيَّةُ سَاحَاتِ جِلَادٍ وَقِتَالٍ، وَمِرَاءٍ وَجِدَالٍ، وَصَارَتِ الْمُجْتَمَعَاتُ الدَّعَوِيَّةُ جُزُرًا مُنْعَزِلَةً بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ. وَكُلٌّ فِيهَا يَبْكِي عَلَى لَيْلَاهُ، لَا تَآُلَف وَلَا تَحَابَّ وَلَا تَآزُرَ وَلَا تَعَاوُنَ، وَتَلَاشَتِ الْأُخُوَّةُ الْإِيمَانِيَّةُ فِي وُضُوحِهَا وَظُهُورِهَا، وَصَارَ وُجُودُهَا كَالْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ وَعَنْقَاءِ مَغْرِبٍ، تَظْهَرُ عَلَى اسْتِحْيَاءٍ الْفَيْنَةَ بَعْدَ الْفَيْنَةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِسَبَبِ غِيَابِ الدَّوْرِ التَّرْبَوِيِّ فِي الْمُحِيطِ الْأُسْرِيِّ، حَيْثُ انْشَغَلَ الدُّعَاةُ وَالْعُلَمَاءُ فِي شَتَّى بِقَاعِ الْعَالَمِ عَنْ دَوْرِهِمْ فِي النُّهُوضِ بِالْأُسْرَةِ الْمُسْلِمَةِ تَزْكِيَةً وَتَرْبِيَةً وَرِعَايَةً وَإِحَاطَةً، بِشُرُوحِ الْمُتُونِ وَأُمَّاتِ الْكُتُبِ وَأَبْوَابِ الْعِلْمِ فِي عُلُومٍ وَهُوَ كُلُّهُ حَسَنٌ. وَلَكِنْ أَيْنَ نَصِيبُ الْأُسْرَةِ الْمُسْلِمَةِ فِي الْبَرْنَامَجِ الْعِلْمِيِّ مِنْ خِلَالِ بَرَامِجَ تَرْبَوِيَّةٍ؟! يَتَرَبَّى عَلَيْهَا الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ وَالْوَلَدُ وَالْبِنْتُ وَالشَّابُّ وَالشَّابَّةُ، لِيَعْرِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ دَوْرَهُ فِي ذَلِكَ الْمُحِيطِ الدَّاخِلِيِّ وَالْخَارِجِيِّ، فَيَتِمُّ التَّعَامُلُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي إِطَارِ ذَلِكَ الْمَنْهَجِ الْمُصَفَّى مِنَ الْخِلَافَاتِ الْمَنْهَجِيَّةِ، وَالْمُشَاكَلَاتِ الْعِلْمِيَّةِ فِي صُورَةِ أَقْوَالٍ وَأَعْمَالٍ وَتَكَالِيفَ يُكَلَّفُ بِهَا كُلُّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْأُسْرَةِ لِيُحَقِّقَ الْمُرَادَ مِنْهُ مِنْ قِبَلِ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ، وَمِنْ قِبَلِ نَبِيِّهِ  فِي سُنَّتِهِ، حَتَّى تَعُودَ الْأُسْرَةُ إِلَى جَادَّةِ سَيْرِهَا عَلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ وَالْمِنْهَاجِ الْقَوِيمِ. وَتُصْبِحُ بِحَقٍّ الْأُسْرَةَ الْمُسْلِمَةَ الْفَاعِلَةَ فِي تَغْيِيرِ الْمُجْتَمَعِ الْمُحِيطِ بِهَا، حَيْثُ يَخْرُجُ مِنْهَا الْحَاكِمُ الْعَادِلُ، وَالْعَالِمُ الْفَاضِلُ، وَالْجُنْدِيُّ الْمُنَاضِلُ، وَالطَّالِبُ الْمُجْتَهِدُ الْمُثَابِرُ، وَالْمُعَلِّمُ الْأَمِينُ، وَالْغَنِيُّ الشَّاكِرُ، وَالْفَقِيرُ الْحَامِدُ الصَّابِرُ، وَالطَّبِيبُ الرَّفِيقُ وَالْأَبُ الْحَنُونُ الشَّفِيقُ. وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الطِّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ وَمَنِ اتَّبَعُوهُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. * * * عِلَاجُ الْفُتُورِ وَضَعْفِ الْإِيمَانِ الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ: فَأَخٌ يَسْأَلُ، يَقُولُ: ضَعُفَ إِيمَانِي لِدَرَجَةٍ كَبِيرَةٍ، بِحَيْثُ أَصْبَحْتُ لَا أَجِدُ لَذَّةَ الْعِبَادَةِ، وَلَا أَسْتَشْعِرُ الْقُرْآنَ، وَجَفَّتْ دَمْعَتِي، وَحَتَّى الْمَوَاعِظُ لَا تُؤَثِّرُ فِي، فَهَلْ مِنْ نُصْحٍ وَتَذْكِيرٍ، بَارَكَ اللهُ فِيكَ؟ نَقُولُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ تَعَرَّضَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَقُومَ بِزَجْرِ نَفْسِهِ وَتَخْوِيفِهَا، وَتَغْلِيبِ الْخَوْفِ عَلَى الرَّجَاءِ! فَإِنَّ الْخَوْفَ يَرُدُّ الشَّارِدَ إِلَى اللهِ ، مَعَ حُسْنِ الظَّنِّ بِاللهِ فِي قَبُولِهِ التَّوْبَةَ إِذَا تَابَ، وَالْإِنَابَةَ إِذَا أَنَابَ. وَأَنْ يَبْحَثَ عَنِ (الرُّفْقَةِ الصَّالِحَةِ) الَّتِي تُعِينُهُ عَلَى التَّوْبَةِ، وَأَنْ يَقْرَأَ فِي الْأُمُورِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، مِنْ شِدَّةِ الْعَرْضِ وَالْحِسَابِ وَالْقَبْرِ وَعَذَابِهِ وَنَعِيمِهِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَهَذِهِ الْأُمُورُ تُرَقِّقُ الْقَلْبَ وَتَرُدُّ الشَّارِدَ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-. وَالْكَثِيرُ مِنَ السَّائِرِينَ إِلَى اللهِ  خَالَفُوا مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي بَدْءِ الْتِزَامِهِمْ، مِنَ الْهِمَّةِ الْعَالِيَةِ فِي الطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ، مِنْ صِيَامٍ وَقِيَامٍ وَكَثْرَةِ ذِكْرٍ وَتِلَاوَةِ قُرْآنٍ، وَحُضُورِ الْجَنَائِزِ وَزِيَارَةِ الْأَقَارِبِ وَالْأَهْلِ وَالْخِلَّانِ، وَدَعْوَةٍ إِلَى اللهِ بِبَذْلِ الْجُهْدِ وَالنَّفْسِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْخَلْقِ بِالْوَقْتِ وَالْمَالِ. فَأَصَابَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ مِنْ ضَعْفِ الْهِمَّةِ، وَالْفُتُورِ وَالْكَسَلِ عِنْدَ أَدَاءِ الطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ، بَعْدَ أَنْ كَانَتِ الْهِمَّةُ عَالِيَةَ الْغَايَةِ رَفِيعَةً سَامِيَةً وَالْمُلَازَمَةُ لِأَهْلِ الْخَيْرِ وَالْفَضْلِ دَائِمَةً، حَيْثُ لَا سَبِيلَ لِأَنْ يُؤْتَى مِنْ قِبَلِ شَيْطَانِهِ، أَوْ يُؤْتَى مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ الْأَمَّارَةِ، فَكَانَ الْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ! وَالسِّرُّ وَرَاءَ ذَلِكَ كُلِّهِ: أَنَّهُمْ حِينَمَا قَطَعُوا شَوْطًا فِي الطَّرِيقِ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، رَأَوْا أَنْفُسَهُمْ (بِعَيْنِ الرِّضَا وَالْإِعْجَابِ)، وَأَنَّهُمْ فَعَلُوا وَفَعَلُوا، وَأَصْبَحَ لَهُمْ مِنَ الْجُهْدِ مَا لَهُمْ، وَمِنَ الْبَذْلِ مَا لَهُمْ، فَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ كَافٍ فِي سَيْرِهِمْ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُمْ ضَمِنُوا دُخُولَ الْجَنَّةِ وَالنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ، وَأَنَّهُمْ قَدْ تَزَوَّدُوا بِمَا يُغْنِيهِمْ عَنِ الْعِلْمِ وَالْعُلَمَاءِ، وَعَنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ هُمْ أَعْوَانُهُمْ عَلَى نُفُوسِهِمُ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ وَشَيَاطِينِهِمْ! فَضَعُفَتِ النُّفُوسُ، وَخَارَتِ الْعَزَائِمُ، فَأُصِيبُوا بِالْفُتُورِ وَالضَّعْفِ، وَحَلَّ بِهِمُ الْعَجْزُ وَالْكَسَلُ، وَوَقَعُوا فِي الْغَفْلَةِ وَالسُّكْرَةِ، فَانْتَصَرَتْ عَلَيْهِمْ نُفُوسُهُمُ الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ! فَعَجَزُوا أَمَامَ الشَّهَوَاتِ، وَجَهِلُوا أَمَامَ الشُّبَهَاتِ.. وَسَخِطُوا عَلَى اللهِ عِنْدَ الْفِتَنِ وَالِابْتِلَاءَاتِ.. فَتَوَرَّطُوا فِي الْمَعْصِيَةِ تَوَرُّطًا! وَتَخَلَّفُوا عَنْ مُوَاصَلَةِ السَّيْرِ تَخَلُّفًا! وَرَجَعُوا لِيَسِيرُوا فِي الطَّرِيقِ مِنْ حَيْثُ بَدَأَوُا.. وَهَذَا إِنْ أَفَاقُوا وَاسْتَرْشَدُوا، وَوَجَدُوا النَّاصِحَ الْأَمِينَ، وَهُوَ فِي النَّاسِ مِنْ أَقَلِّ الْقَلِيلِ. لِذَا فَعَلَى الْمُسْلِمِ السَّائِرِ إِلَى اللهِ  أَنْ يُرَاجِعَ نَفْسَهُ مِنْ قَرِيبٍ، وَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ فِي سَيْرِهِ إِلَى اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى تَمُرُّ عَلَيْهِ أَوْقَاتٌ يَكُونُ فِيهَا صَاحِبَ هِمَّةٍ وَنَشَاطٍ، وَأَوْقَاتٌ يُصَابُ فِيهَا بِالْفُتُورِ وَالْكَسَلِ، وَهَذَا أَمْرٌ وَارِدٌ، ذَكَرَهُ النَّبِيُّ  فَقَالَ: «لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةٌ، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ»( ). يَعْنِي يَمُرُّ عَلَيْهِ وَقْتٌ يَكُونُ فِيهِ صَاحِبَ هِمَّةٍ وَإِقْبَالٍ وَإِقْدَامٍ، وَيَعْتَرِيهِ وَقْتٌ يَكُونُ عِنْدَهُ كَسَلٌ وَفُتُورٌ وَإِحْجَامٌ، فَلَا يُسَارِعُ إِلَى مَا كَانَ يُسَارِعُ إِلَيْهِ مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ، وَالْأَحْوَالِ وَالْمَقَامَاتِ. وَهَذَا الْكَسَلُ الَّذِي يَعْتَرِيهِ لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ حُدُودِ فِعْلِ التَّكَالِيفِ وَالْمَأْمُورَاتِ مُبْتَعِدًا عَنِ الْمَنْهِيَّاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ.. فَلَوْ قَصَّرَ يَكُونُ التَّقْصِيرُ فِي النَّوَافِلِ، أَمَّا أَنْ يَقَعَ فِي الْمُحَرَّمَاتِ فَهَذَا أَمْرٌ خَطِيرٌ، لَيْسَ بِالْهَيِّنِ وَلَا بِالْيَسِيرِ، يُخْشَى عَلَى الْمَرْءِ مِنَ الْوُقُوعِ فِيهِ. فَإِذَا أَدَّى الْفُتُورُ وَالْكَسَلُ إِلَى الْغَفْلَةِ وَالْمَعْصِيَةِ فَلْيُدْرِكِ الْمَرْءُ نَفْسَهُ، وَأَنْ يُرَاجِعَ طَرِيقَتَهُ فِي سَيْرِهِ قَرِيبًا مِنْ قَرِيبٍ، قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَهُ خَاتِمَتُهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ! فَيَبُوءُ بِخِزْيِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْآخِرَةِ! فَالْبَدَارَ الْبَدَارَ قَبْلَ الْخِزْيِ وَالْعَارِ، وَالذُّلِّ وَالْبَوَارِ، وَسُوءِ الْمَآلِ إِلَى النَّارِ، وَبِئْسَ الْقَرَارُ.. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. * * * الْهِمَّةَ الْهِمَّةَ يَا طُلَّابَ الْعِلْمِ الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ: فَحِرْصُ الْمَرْءِ عَلَى الشَّيْءِ نَتِيجَةُ الْعِلْمِ بِقِيمَتِهِ، وَكُلَّمَا عَلَتْ قِيمَةُ الشَّيْءِ حَرَصَ النَّاسُ عَلَى اقْتِنَائِهِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ. وَالْعِلْمُ أَشْرَفُ طَرِيقٍ، وَأَفْضَلُ رَفِيقٍ وَأَوْفَى صَدِيقٍ، بِهِ تَنْشَرِحُ الصُّدُورُ، وَتَنْكَشِفُ الْغُمُومُ، وَتَنْزَاحُ الْهُمُومُ. أَسْعَدُ النَّاسِ نَفْسًا، وَأَشَدُّ النَّاسِ عِنْدَ الْجِهَادِ بَأْسًا، وَأَكْثَرُ النَّاسِ جُودًا وَبَذْلًا هُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ وَطَلَبَتُهُ، النَّاسُ مَوْتَى فِي شَهَوَاتِهِمْ وَشُبُهَاتِهِمْ. وَأَهْلُ الْعِلْمِ يُحْيُونَ بِالْعِلْمِ عَلَى أَحْسَنِ الْوُجُوهِ حَيَاتَهُمْ، وَحَيَوَاتِ السَّابِقِينَ مِنْ سَلَفِهِمْ. فَهَلْ مِثْلُ هَذِهِ الْحَيَاةِ حَيَاةٌ؟! فَيَا مَنْ قَصَّرَتْ عَنْ طَلَبِ الْمَعَالِي هِمَّتُهُ، وَقَعَدَتْ عَنْ بُلُوغِ أَمَانِي أَهْلِ الْفَضْلِ عَزِيمَتُهُ: قُمْ وَأَدْرِكِ الرَّكْبَ قَبْلَ الْحَسْرَةِ وَالنَّدَمِ، وَقَبْلَ فَوَاتِ الصِّحَّةِ بِالْمَرَضِ وَالْأَلَمِ، وَفَوَاتِ الشَّبَابِ بِالْعَجْزِ وَالْهَرَمِ! وَقَدِّمْ لِنَفْسِكَ خَيْرًا وَأَنْتَ مَالِكُ مَالِكَ، مِنْ قَبْلِ أَنْ تُصْبِحَ فَرْدًا وَيَكُونَ قَبْرُكَ حَالِكًا!! فَوَاللهِ مَا تَدْرِي أَيُّ الْمَسَالِكِ سَالِكٌ.. إِمَّا لِجَنَّةِ عَدْنٍ، أَوْ فِي الْمَهَالِكِ هَالِكٌ. * * * حَافِظُوا عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ.. يَا طُلَّابَ الْعِلْمِ الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ مِنْ أَجْلِ نِعَمِ اللهِ عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ بَعْدَ نِعْمَةِ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ: أَنْ يُوَفِّقَهُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى حَمْلِ الْعِلْمِ عَلَى يَدَيْ عَالِمٍ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ وَالسُّنَّةِ. فَوَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّهَا لَنِعْمَةٌ مِنْ أَجْلِ النِّعَمِ، وَمِنَّةٌ مِنْ أَعْظَمِ الْمِنَنِ.. وَلِمَ لَا تَكُونُ كَذَلِكَ وَالْعَالِمُ لِطَالِبِ الْعِلْمِ كَالرُّوحِ لِلْجَسَدِ، وَالْعَافِيَةِ لِلْبَدَنِ، وَالشَّمْسِ لِلدُّنْيَا، وَالْإِبْصَارِ لِلْعَيْنِ، وَالسَّمْعِ لِلْأُذُنِ؟! وَهَلْ لِلْحَيَاةِ بِغَيْرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ قِيمَةٌ؟! وَمَا مَرَّ ذِكْرُهُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ ضَرْبِ الْأَمْثَالِ. وَأَمَّا حَقِيقَةُ الْمَسْأَلَةِ: فَعَلَاقَةُ الطَّالِبِ بِشَيْخِهِ وَعَالِمِهِ هِيَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَجَلُّ! فَالْعَالِمُ بِالنِّسْبَةِ لِطَالِبِ الْعِلْمِ كَطَوْقِ النَّجَاةِ لِلْغَرِيقِ، وَالدَّوَاءِ لِلْمَرِيضِ، وَالْمَنْجَى لِمَنْ عَايَنَ النَّارَ وَالْحَرِيقَ. فَلَا مَخْرَجَ لَهُ مِنَ الْغَرَقِ فِي بِحَارِ الظُّلُمَاتِ وَمِنَ التَّلَظِّي بِنِيرَانِ الشَّهَوَاتِ، وَمِنَ الِانْزِلَاقِ فِي مَزَالِقِ الشُّبُهَاتِ، وَمِنَ السَّخَطِ وَالضَّجَرِ عِنْدَ الْفِتَنِ وَالِابْتِلَاءَاتِ، إِلَّا بِالْقُرْبِ مِنْ شَيْخِهِ وَعَالِمِهِ، وَالْخَطْوِ عَلَى أَثَرِهِ، وَالِانْتِصَاحِ بِقَوْلِهِ وَرَأْيِهِ. فَالْعُلَمَاءُ هُمْ حُرَّاسُ الْعَقِيدَةِ، وَحَمَلَةُ الشَّرِيعَةِ، وَدُعَاةُ الْأُمَّةِ إِلَى خَيْرِ طَرِيقٍ وَأَعْظَمِ مِلَّةٍ. فَلَوْلَا الْعُلَمَاءُ بَعْدَ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ لَانْدَرَسَتِ الشَّرَائِعُ، وَحُرِّفَتِ الْعَقَائِدُ، وَحَلَّ الشِّرْكُ وَالْكُفْرَانُ مَحَلَّ الْهُدَى وَالْإِيمَانِ. فَالْعَالِمُ وَرِيثُ أَنْبِيَاءِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَالْحَامِلُ لِكِتَابِ اللهِ وَوَحْيِهِ، وَالْفَقِيهُ بِسُنَنِ رَسُولِهِ وَهَدْيِهِ، وَالْبَصِيرُ بِمَا فِي الْوَاقِعِ مِنْ نَوَازِلِهِ وَفِتَنِهِ وَمِحَنِهِ، وَهُوَ مِنْ أَقْوَى أَسْبَابِ حُصُولِ الثَّبَاتِ أَمَامَ الشَّهَوَاتِ وَالشُّبُهَاتِ وَالْفِتَنِ وَالِابْتِلَاءَاتِ.. فَيَا طُلَّابَ الْعِلْمِ! لَا قِيمَةَ لَكُمْ فِي الْحَيَاةِ بِغَيْرِ عُلَمَائِكُمْ، وَلَا أَثَرَ لَكُمْ وَلَا فَضْلَ وَلَا ذِكْرَ إِلَّا بِالْقَصِّ عَلَى آثَارِهِمْ، وَالنَّيْلِ مِنْ فَيْضِ عُلُومِهِمْ، وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِمْ وَمُشَاوَرَتِهِمْ. فَالنَّاسُ مَوْتَى وَأَهْلُ الْعِلْمِ أَحْيَاءُ.. وَالنَّاسُ هَلْكَى وَأَهْلُ الْعِلْمِ بِسُبُلِ النَّجَاةِ أَدِلَّاءُ.. فَمَا أَجْمَلَ الْحَيَاةَ حَيْثُ الطَّالِبُ بِجَهْلِهِ وَحُمْقِهِ بَيْنَ يَدَيْ شَيْخِهِ بِعِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَالْوَلَدُ بِعَجْزِهِ وَضَعْفِهِ مَعَ وَالِدِهِ بِحُنُوِّهِ وَعَطْفِهِ، وَالْحَائِرُ فِي شَأْنِهِ وَأَمْرِهِ مَعَ الْحَكِيمِ بِحِكْمَتِهِ وَخِبْرَتِهِ.. وَمَا أَظْلَمَ الْحَيَاةَ بِلَا شَيْخٍ بِالنَّوَازِلِ خَبِيرٍ بَصِيرٍ! وَلَا وَالِدٍ عَلى وَلَدِهِ شَفِيقٍ رَحِيمٍ! وَلَا نَاصِحٍ عِنْدَ المُلِمَّاتِ خَبِيرٍ بَصِيرٍ! وَقَدْ جَمَعَ الْعَالِمُ ذَلِكَ كُلَّهُ لِطَالِبِهِ وَصَاحِبِ وُدِّهِ.. فَتَوَدَّدُوا يَا طُلَّابَ الْعِلْمِ إِلَى عُلَمَائِكُمْ. وَحَافِظُوا عَلَى حَيَوَاتِهِمْ، وَذَلِكَ بِالنَّهَلِ مِنْ عُلُومِهِمْ، وَالذَّبِّ عَنْ حِيَاضِهِمْ، وَالتَّقَرُّبِ إِلَى اللهِ بِمَحَبَّتِهِمْ، وَبَذْلِ الْغَالِي وَالنَّفِيسِ لِلْقِيَامِ بِشَأْنِهِمْ وَنَشْرِ دَعْوَتِهِمْ. وَكُلُّ ذَلِكَ فِي جَنْبِهِمْ قَلِيلٌ، وَفِي حَقِّهِمْ يَسِيرٌ، وَاللهُ الْمُوَفِّقُ لِكُلِّ خَيْرٍ، وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرٌ. فَاللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَيْخِنَا وَحَكِيمِنَا وَنَاصِحِنَا وَوَالِدِنَا أَبِي عَبْدِاللهِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيد رَسْلَان، وَجَمِيعِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَاحْفَظْهُمْ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ وَسُوءٍ، وَقَوِّ اللَّهُمَّ قُوَّتَهُمْ وَأَضْعِفِ اللَّهُمَّ ضَعْفَهُمْ، وَاجْمَعْ عَلَيْهِمْ شَمْلَهُمْ، وَيَسِّرْ لَهُمْ أُمُورَهُمْ، وَأَعِنْ طُلَّابَ الْعِلْمِ عَلَى الْوَفَاءِ بِحُقُوقِهِمْ، وَاجْمَعْنَا بِهِمْ فِي الدُّنْيَا عَلَى مَرْضَاتِكَ فِي طَاعَتِكَ، وَفِي الْآخِرَةِ فِي جَنَّتِكَ وَدَارِ كَرَامَتِكَ. وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. * * * حُكْمِ تَعَلُّمِ النِّسَاءِ أَحْكَامَ الْقُرْآنِ عَلَى يَدَيْ شَيْخٍ مُتْقِنٍ مُحَقِّقٍ الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ: فَهَذَا سُؤَالٌ: مَا تَقُولُ فِي حُكْمِ تَعَلُّمِ النِّسَاءِ أَحْكَامَ الْقُرْآنِ عَلَى يَدَيْ شَيْخٍ مُتْقِنٍ مُحَقِّقٍ فِي تَجْوِيدِ وَتَرْتِيلِ الْقُرْآنِ، وَمَعَهُ أَسَانِيدُ عَالِيَةٌ فِي عِلْمِ الْقِرَاءَاتِ، وَقَدْ أَتَمَّ الْكَثِيرُ مِنَ الْأَخَوَاتِ حَمْلَ الْقُرْآنِ بِقِرَاءَاتِهِ عَلَى يَدَيْهِ؟ نَقُولُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا -عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ- أَنَّ: «الْوَسَائِلَ تَأْخُذُ أَحْكَامَ الْمَقَاصِدِ»، فَلَابُدَّ قَبْلَ أَيِّ عَمَلٍ أَنْ نَنْظُرَ فِي وَسَائِلِهِ وَمَقَاصِدِهِ، فَلَا يَكْفِي فِي الْعَمَلِ أَنْ تَكُونَ الْغَايَةُ مِنْ وَرَائِهِ شَرْعِيَّةً، وَلَكِنْ لَابُدَّ أَنْ تَكُونَ الْوَسِيلَةُ إِلَيْهِ شَرْعِيَّةً كَذَلِكَ. وَمَعْلُومٌ أَنْ تَعْلَمَ الْقُرْآنَ عَلَى يَدَيِ الْمُحَقِّقِينَ الْمُتْقِنِينَ غَايَةٌ شَرْعِيَّةٌ، انْطِلَاقًا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ﴾ [سورة المزمل: 4]، وَقَوْلِهِ : «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ»( ). وَإِقَامَةُ الْقُرْآنِ إِحْكَامًا وَتَرْتِيلًا مِنْ إِقَامَةِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَمُسْتَحَبَّاتِهَا، وَأَقْرَأُ النَّاسِ بِالْقُرْآنِ هُوَ الْأَوْلَى بِالْإِمَامَةِ فِي الصَّلَاةِ. وَمِنْ ذَلِكَ يَتَبَيَّنُ لَنَا صِحَّةُ الْغَايَةِ وَالْقَصْدِ، وَبَقِيَ عَلَيْنَا أَنْ نَنْظُرَ فِي الْوَسِيلَةِ، وَالدَّلِيلِ عَلَيْهَا، مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَقَدْ جَاءَ الْبَيَانُ فِي الْقُرْآنِ أَنَّ مِنْ مَهَامِّ الرَّسُولِ  تَعْلِيمَ الْأُمَّةِ الْقُرْآنَ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﴾ [سورة الجمعة: 2]. وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ النِّسَاءَ دَاخِلَاتٌ فِي هَذَا التَّكْلِيفِ النَّبَوِيِّ، فَالنَّبِيُّ  مُكَلَّفٌ بِتَعْلِيمِهِنَّ الْقُرْآنَ لِأَنَّهُنَّ مَأْمُورَاتٌ بِتَعَلُّمِ الْقُرْآنِ وَتَعْلِيمهِ، وَأَنْ تَتَعَلَّمْنَ مِنْهُ مَا تُقِيمُ بِهِ فَرِيضَةَ الصَّلَاةِ، فَالضَّرُورَةُ دَاعِيَةٌ لِتَعْلِيمِهِنَّ، انْطِلَاقًا مِنَ الْقَاعِدَةِ الْأُصُولِيَّةِ: (مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ). فَتَعَالَوْا نَنْظُرْ كَيْفَ قَامَ النَّبِيُّ  بِهَذَا الْوَاجِبِ حَتَّى نَتْبَعَهُ فِي تَأْدِيَتِهِ، آتِينَ بِالشَّرْطِ الثَّانِي مِنْ شُرُوطِ قَبُولِ الْعَمَلِ وَهُوَ (الْمُتَابَعَةُ)، وَأَنْ نَنْظُرَ فِي الْكَيْفِيَّةِ الَّتِي عَلَّمَ النَّبِيُّ  بِهَا الْقُرْآنَ لِلنِّسَاءِ، وَمِنْ أَجْلِ الْوُصُولِ إِلَى ذَلِكَ فَلَابُدَّ مِنَ الْإِجَابَةِ عَلَى هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ: السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: هَلْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ  جَمَعَ النِّسَاءَ فِي حَلْقَةٍ لِتَعْلِيمِهِنَّ أَحْكَامَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ؟ السُّؤَالُ الثَّانِي: هَلْ عَهِدَ النَّبِيِّ  بِهَذَا الْأَمْرِ إِلَى أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ؟ وَبِالْبَحْثِ وَالتَّحَرِّي لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. وَمِنْ هُنَا يَأْتِي السُّؤَالُ يُعِيدُ نَفْسَهُ: كَيْفَ عَلَّمَ النَّبِيُّ  النِّسَاءَ الْقُرْآنَ؟ وَيُجِيبُكَ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ نِسَاءُ الصَّحَابَةِ أَنْفُسُهُنَّ، فَتَقُولُ إِحْدَى الصَّحَابِيَّاتِ: «تَعَلَّمْتُ سُورَةَ ق مِنْ فَمِ النَّبِيِّ ، يَخْطُبُ بِهَا عَلَى الْمِنْبَرِ»( ). وَتَقُولُ إِحْدَاهُنَّ: «كَانَتِ الْوَاحِدَةُ مِنَّا إِذَا عَادَ إِلَيْهَا زَوْجُهَا، قَالَتْ مَاذَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنَ الْقُرْآنِ؟ وَمَا الَّذِي حَدَّثَكُمْ بِهِ مِنَ السُّنَّةِ؟». فَإِذَا كَانَتِ الطَّرِيقَةُ فِي تَعْلِيمِ النِّسَاءِ مِنْ خِلَالِ السَّمَاعِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ، وَالتَّعَلُّمِ عَلَى أَيْدِيِ النِّسَاءِ وَالْمَحَارِمِ مِنَ الرِّجَالِ فَيَكُونُ مَاعَدَا ذَلِكَ مِنَ الطُّرُقِ مُخَالِفًا لِهَدْيِ النَّبِيِّ . وَهُنَاكَ تَسَاؤُلَاتٌ أُخْرَى نُرِيدُ الْإِجَابَةَ عَلَيْهَا وَهِيَ: أَلَيْسَ الْمُعَلِّمُ لِلْقُرْآنِ رَجُلًا وَالْمُتَعَلِّمَةُ امْرَأَةً؟! فَهَلْ وَرَدَ اسْتِثْنَاءٌ يَسْتَثْنِي كُلًّا مِنْهُمَا مِنْ أَحْكَامِ التَّعَامُلِ مَعَ الْأَجَانِبِ؟! أَلَيْسَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا غَرِيزَةٌ فِطْرِيَّةٌ تَدْفَعُ إِلَى مَيْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا إِلَى الْآخَرِ؟! هَلِ الْمَرْأَةُ الْمُتَعَلِّمَةُ لِلْقُرْآنِ أَطْهَرُ قَلْبًا مِنْ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ الْعَدْنَانِ  حَتَّى يُسْمَحَ لَهَا بِذَلِكَ وَتُمْنَعَ مِنْهُ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُنَّ-؟! وَهَلْ قَلْبُ ذَلِكَ الْمُعَلِّمِ أَنْقَى وَأَطْهَرُ مِنْ قُلُوبِ الصَّحَابَةِ ؟! وَأَيْنَ نَهْيُ الْمَرْأَةِ عَنِ الْخُضُوعِ بِالْقَوْلِ بَيْنَ يَدَيِ الرِّجَالِ؟! مَعَ الْعِلْمِ أَنَّ عِلْمَ التَّجْوِيدِ يَقُومُ عَلَى تَحْسِينِ الصَّوْتِ وَتَزْيِينِهِ؟! وَعَلَى كُلِّ مَنْ عَارَضَ هَذَا الْكَلَامَ أَوْ عَانَدَهُ أَنْ يُجِيبَ عَلَى تِلْكَ التَّسَاؤُلَاتِ، وَلْيَدْفَعْ تِلْكَ الشُّبُهَاتِ. وَاللهُ مِنْ وَرَاءِ الْقَصْدِ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّذِيرِ الْبَشِيرِ وَعَلَى آلِهِ وَأَتْبَاعِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. * * * رِثَاءٌ وَعَزَاءٌ فِي مُصَابِ الأُخُوَّةِ فِي اللهِ إِلَى كُلِّ أَخٍ فِي اللهِ افْتَقَدْنَاهُ! كُنَّا قَدِيمًا إِذَا ذَكَّرْنَاكَ بِاللهِ بَكَيْتَ! وَإِذَا وَعَظْتَ حَرَّكْتَ الْقُلُوبَ وَأَدْمَعْتَ الْعُيُونَ فَأَبْكَيْتَ! فَلِمَاذَا عَنْ تِلْكَ الْمَجَالِسِ إِلَى غَيْرِهَا نَرَاكَ قَدْ قَلَيْتَ؟! هَلْ تَغَيَّرَتْ عُهُودُكَ الَّتِي بَيْنَنَا قَدْ عَاهَدْتَ؟! أَمْ أَنْتَ عَلَى غَيْرِ عَهْدِنَا بِكَ قَدْ تَغَيَّرْتَ؟! أَمْ هَلْ تَرَى قُلُوبَنَا تِجَاهَكَ قَدْ قَسَتْ؟! أَمْ أَنْتَ بِهِجْرَانِكَ لَنَا قَدْ قَسَوْتَ؟! وَهَبْنَا لِحَقِّكَ عَلَيْنَا قَصَّرْنَا فَفَرَّطْنَا، فَلِمَاذَا أَنْتَ لِحَقِّنَا عَلَيْكَ قَدْ قَصَّرْتَ وَفَرَّطْتَ؟! وَهَلْ رَأَيْتَ أَحْوَالَنَا فِي سَيْرِنَا إِلَى اللهِ رَبِّنَا قَدْ تَغَيَّرْتَ؟! وَأَضِفْ إِلَى ذَلِكَ أَنَّكَ عَلَى عُيُوبِنَا وَذُنُوبِنَا قَدِ اطَّلَعْتَ؟! فَمَا الَّذِي جَعَلَكَ عَنْ تَصْوِيبِنَا قَدْ تَخَلَّفْتَ؟! أَهَانَ عَلَيْكَ حُبُّكَ لَنَا الَّذِي فِي اللهِ قَدْ أَحْبَبْتَ؟! أَهَانَ عَلَيْكَ بِذَلِكَ لَنَا الَّذِي فِي اللهِ قَدْ بَذَلْتَ؟! أَبَعْدَ هَذَا الْجُهْدِ الْجَهِيدِ، وَالتَّعَبِ الشَّدِيدِ، الَّذِي طَالَمَا قَدْ لَاقَيْتَ وَعَانَيْتَ، لِخَطَأٍ عَارِضٍ أَوْ لِخِلَافٍ يَسِيرٍ نَرَاكَ لِنَفْسِكَ قَدْ انْتَصَرْتَ؟! وَلِإِخْوَانِكَ فِي اللهِ قَدْ عَادَيْتَ؟! أَتُرَاكَ فِي الرَّكْبِ مَا زِلْتَ سَائِرًا أَمْ عَنْهُ قَدْ تَخَلَّيْتَ؟! فَأَدْرِكْ أَخِي فِي اللهِ نَفْسَكَ قَبْلَ نُزُولِ الْمَوْتِ، وَقَبْلَ الْحَسْرَةِ عَلَى الْحُبِّ فِي اللهِ فِي زَمَانِ الْفَوْتِ. فَوَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَنْ تَرَى كَالْحُبِّ فِي اللهِ عِوَضًا أَوْ مَثِيلًا، حِينَ يَأْتِي الْمُتَحَابُّونَ فِي اللهِ عَلَى يَمِينِ الرَّبِّ الْجَلِيلِ وَمَا عَدَاهُمْ عَنْ هَذَا الْمَقَامِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَلَوْ كَانُوا فِي الْعِبَادَةِ مِنْ أَفْضَلِ الْعَابِدِينَ، وَفِي الزَّهَادَةِ مِنْ خِيرَةِ الزَّاهِدِينَ. تَاللهِ لَقَدْ سَبَقَ الْمُتَحَابُّونَ فِي اللهِ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ، وَالْمُنْفِقُونَ الْقَائِمُونَ، وَأَصْحَابُ الْكُتُبِ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ. فَاللَّهُمَّ رُدَّنِي وَإِيَّاكَ أَخِي فِي اللهِ إِلَى أَوْثَقِ عُرَى الْإِيمَانِ، وَأَقْرَبِ الطُّرُقِ الْمُوصِلَةِ لِمَرْضَاةِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ، وَمُرَافَقَةِ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ وَالصَّحْبِ الْمُطَهَّرِينَ. وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ الْأَمِينِ وَعَلَى آلِهِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ بِالْهُدَى وَالْإِحْسَانِ. * * * هَلِ الْقَوْلُ بِأَنَّ النَّبِيَّ  حَبِيبُ اللهِ فَحَسْبُ وَفَقَطْ هُوَ أَفْضَلُ أَوْصَافِهِ الَّتِي يُوصَفُ بِهَا؟ الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ: فَالْمَحَبَّةُ مَرَاتِبُ وَدَرَجَاتٌ، أَعْلَاهَا وَأَجَلُّهَا مَرْتَبَةُ الْخُلَّةِ، وَالنَّبِيُّ  قَدْ وَصَفَ نَفْسَهُ أَنَّهُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، فَوَصْفُهُ بِمَا دُونَ ذَلِكَ تَقْلِيلٌ لِشَأْنِهِ، وَإِنْزَالٌ مِنْ قَدْرِهِ، وَتَقْصِيرٌ فِي حَقِّهِ وَفَضْلِهِ، فَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ حَبِيبُ اللهِ فَقَطْ وَحَسْبُ، مُعْتَقِدِينَ أَنَّهَا أَكْمَلُ الصِّفَاتِ، وَأَحْسَنُ الشِّيَاتِ مَجَانِبٌ لِلصَّوَابِ، مُخَالِفٌ لِلْهَدْيِ وَصَحِيحِ الِاتِّبَاعِ. لِأَنَّ مَرْتَبَةَ الْخُلَّةِ أَعْلَى أَنْوَاعِ مَرَاتِبِ الْمَحَبَّةِ، فَلَا تُشَارِكُهَا مَرْتَبَةٌ مِنْ تِلْكَ الْمَرَاتِبِ. وَتَحْقِيقُ كَمَالِ الْخُلَّةِ فِي تَحْقِيقِ كَمَالِ الْعُبُودِيَّةِ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُزَاحِمَ الْمُحِبِّينَ فِي مَرَاتِبِهِمْ فِي الْمَحَبَّةِ، فَلْيُزَاحِمْهُمْ فِي مَرَاتِبِ الْعُبُودِيَّةِ، فَمَيْدَانُ الْعُبُودِيَّةِ هُوَ الْمَيْدَانُ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَتَسَابَقَ فِيهِ الْمُتَسَابِقُونَ، وَأَنْ يَتَنَافَسَ فِيهِ الْمُتَنَافِسُونَ. وَقَدْ بَلَغَ النَّبِيُّ  فِي مِضْمَارِ السِّبَاقِ وَاللَّحَاقِ أَكْمَلَ حَالَاتِ الْعُبُودِيَّةِ، فَلَحِقَ مَنْ سَبَقَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَلَمْ يَزَلْ فِيهِ مُشَمِّرًا مُتَوَاصِلًا، لَا يَدَعُ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْعِبَادَاتِ إِلَّا كَانَ لَهُ فِيهِ أَعْظَمُ حَظٍّ وَأَوْفَرُ نَصِيبٍ، حَتَّى حَازَ فِيهِ أَعْلَى مَرَاتِبِ السَّبْقِ فَجَاءَتْ مَرْتَبَتُهُ فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الْمَحَبَّةِ وَهِيَ الْخُلَّةُ. فَوَصْفُ النَّبِيِّ  بِالْمَحَبَّةِ إِنْزَالٌ لِقَدْرِهِ وَتَقْلِيلٌ لِشَأْنِهِ، وَلَيْسَ هَذَا شَأْنَ مَنِ ادَّعَى مَحَبَّتَهُ، وَسَعَى إِلَى نَيْلِ شَفَاعَتِهِ، وَأَتْبَاعُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ هُمُ الَّذِينَ يُثْبِتُونَ لِنَبِيِّهِ  مَا أَثْبَتَهُ اللهُ لَهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا أَثْبَتَهُ هُوَ لِنَفْسِهِ فِي سُنَّتِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى. وَجَعَلَنَا اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَإِيَّاكُمْ مِنَ الْمُتَنَافِسِينَ فِي هَذَا الْمِضْمَارِ الْكَرِيمِ، وَالْمِنْهَاجِ الْقَوِيمِ. وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى خَيْرِ رُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ، وَخِيرَتِهِ مِنْ خَلْقِهِ وَعِبَادِهِ، خَلِيلِهِ وَصَفِيِّهِ وَكَلِيمِه وَنَجِيِّهِ، وَحَبِيبِهِ الَّذِي بَلَغَ فِيهَا أَعْلَى مَرَاتِبِهَا، وَعَلَى مَنْ سَارَ عَلَى هُدَاهُ وَاقْتَفَى طَرِيقَهُ وَلَزِمَ صِرَاطَهُ وَمَسْعَاهُ، وَثَبَّتَنَا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى فِي الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى نَتَمَتَّعُ بِهِ وَنَلْقَاهُ، وَنَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ رَبِّهِ وَمَوْلَاهُ. * * * رِسَالَةٌ إِلَى الْغَاضِبِينَ وَالْغَاضِبَاتِ! الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِلَى الْغَاضِبِينَ وَالْغَاضِبَاتِ وَالسَّاخِطِينَ وَالسَّاخِطَاتِ وَالدَّاعِينَ إِلَى الْفَوْضَى وَالدَّاعِيَاتِ: لِمَاذَا ذَلِكَ السُّخْطُ وَالْغَضَبُ وَالتَّذَمُّرُ وَالنَّكَدُ؟! مَنْ مِنْكُمْ مَاتَ جُوعًا أَوْ عَطَشًا؟! وَمَنْ مِنْكُمْ مَاتَ عُرْيًا وَبَرْدًا؟! مَنْ مِنْكُمْ مَاتَ تَشَرُّدًا فِرَارًا وَهَرَبًا؟! لِمَاذَا وَقَفَتْ أَنْظَارُكُمْ عَلَى النَّظَرِ إِلَى مَا فَقَدْتُمُوهُ؟! وَلَمْ تَنْظُرُوا إِلَى مَا أُعْطِيتُمُوهُ؟! أَلَا تَحْمَدُونَ اللهَ عَلَى مَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنْ عَافِيَةٍ وَنِعَمٍ؟! أَلَا تَفْرَحُونَ بِمَا عَافَاكُمُ اللهُ مِنْ كَثِيرِ الْبَلَايَا، وَشَدِيدِ النِّقَمِ؟! أَيْنَ إِيمَانُكُمْ بِاللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ؟! يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ جُودًا وَفَضْلًا، وَيَمْنَعُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ حِكْمَةً وَعَدْلًا. وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يُصْلِحُ أَمْرَ عِبَادِهِ، ﴿ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﴾ [سورة البقرة: 216]. فَأَيْنَ إِيمَانُكُمْ بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ فِي خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، حُلْوِهِ وَمُرِّهِ وَنَعْمَائِهِ وَسَرَّائِهِ؟! لِمَاذَا وَقَفَتْ أَنْظَارُكُمْ عَلَى النَّظَرِ إِلَى الْمَفْقُودِ؟! وَلَمْ تَنْظُرُوا إِلَى الْمَأْمُولِ وَالْمَوْجُودِ؟! أَلَمْ يَأْتِكُمْ مِنَ اللهِ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَبَيَانٌ وَتَحْذِيرٌ؟! أَلَمْ تَتَّعِظُوا مِنْ وَيْلَاتِ الْمَاضِي الْقَرِيبِ؟! وَمَا فَوْضَى الْخَرِيفِ الْعَرَبِيِّ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ؟! أَلَيْسَ لَكُمْ فِي الْعِرَاقِ وَسُورِيَّا وَالْيَمَنِ عِبْرَةٌ؟! أَلَيْسَ لَكُمْ فِي لِيبْيَا وَتُونُسَ وَالسُّودَانِ.. عِظَةٌ وَعِبْرَةٌ وَفِكْرَةٌ وَذِكْرَى؟! أَلَمْ تَرَوْا مَا الَّذِي آلَ إِلَيْهِ أَمْرُ هَؤُلَاءِ؟! بُدِّلُوا بَعْدَ الْأَمْنِ خَوْفًا.. وَبَعْدَ الْغِنَى فَقْرًا.. وَبَعْدَ الْقُوَّةِ وَالتَّمْكِينِ ذُلًّا وَضَعْفًا.. وَبَعْدَ الْوَحْدَةِ وَالْأُلْفَةِ تَفَرُّقًا وَكُرْهًا.. وَهَا هُمُ الْآنَ يَبْكُونَ عَلَى أَمْنٍ فَقَدُوهُ، وَاسْتِقْرَارٍ ضَيَّعُوهُ، وَوَطَنٍ مَزَّقُوهُ!! مَا أَسْهَلَ الْهَدْمَ وَالتَّخْرِيبَ وَالتَّدْمِيرَ، وَمَا أَصْعَبَ الْبِنَاءَ وَالنَّمَاءَ وَالتَّعْمِيرَ. فَلَا تُضَيِّعُوا الْحَاضِرَ الْآمِنَ وَلَا الْمُسْتَقْبَلَ الْوَاعِدَ بِسَرَابٍ مَوْهُومٍ وَوَعْدٍ مَزْعُومٍ، وَخَيَالِ خَدَّاعٍ وَضَمَانٍ مِنْ غَادِرٍ! فَلَا يَلِيقُ وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُلْدَغَ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ! وَكَيْفَ يَرْضَى أَهْلُ الْعَقْلِ وَالْبَصِيرَةِ أَنْ يُحَرِّكَهُمْ السُّفَهَاءُ الْفَاشِلُونَ وَالْأَغْمَارُ! الْخَائِنُونَ أَصْحَابُ السَّوْءَاتِ الْمَكْشُوفَةِ! وَالْأَخْلَاقِ السَّافِلَةِ وَالْأَفْكَارِ الْهَدَّامَةِ؟! أَلَيْسَ فِيكْمُ رَجُلٌ رَشِيدٌ ذُو رَأْيٍ سَدِيدٍ، يُرْشِدُكُمْ إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ بِالصَّبْرِ الْحَمِيدِ وَالرِّضَى بِأَقْدَارِ الْعَزِيزِ الْمَجِيدِ الْفَعَّالِ لِمَا يُرِيدُ، الَّذِي بِيَدِهِ أَمْرُ الْخَلْقِ وَالْعَبِيدِ، يَبْتَلِيهِمْ بِمَا شَاءَ وَمَا يُرِيدُ؟!! وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. * * * رِسَالَةٌ إِلَى أَهْلِ الْجَزَائِرِ الْحَبِيبَةِ الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ: فَهَذِهِ رِسَالَةٌ إِلَى آبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا وَإِخْوَانِنَا وَأَخَوَاتِنَا وَأَبْنَائِنَا وَبَنَاتِنَا فِي أَرْضِ الْجَزَائِرِ الْحَبِيبَةِ! نَقُولُ لَهُمْ: حَفِظَكُمُ اللهُ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ وَسُوءٍ، وَأَدَامَ اللهُ عَلَيْكُمْ نِعْمَةَ الْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ، وَنِعْمَةَ السَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ! يَا أَهْلَ الْجَزَائِرِ الْحَبِيبَةِ! تَجَاوَزُوا هَذِهِ الْمِحْنَةَ، وَأَطْفِئُوا نَارَ هَذِهِ الْفِتْنَةِ، وَلَا تَجْعَلُوا لِأَحَدٍ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا وَلَا سَبِيلًا، وَلَا تَفْتَحُوا أَبْوَابَ بِلَادِكُمْ لِأَعْدَائِكُمْ يَتَدَخَّلُونَ فِي شُئُونِكُمْ، فَهُمْ يَدْخُلُونَ عَلَيْكُمْ فِي صُورَةِ أَوْلِيَاءَ مُصْلِحِينَ وَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ فَاسِدُونَ مُفْسِدُونَ!! إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُونَ مِنَ الرَّخَاءِ وَالنَّمَاءِ لَيْسَ فِي الَّذِي إِلَيْهِ الْيَوْمَ تَدْعُونَ وَمِنْ أَجْلِهِ تَخْرُجُونَ.. وَفِيهِ تَتَوَرَّطُونَ! إِنَّ الْمُظَاهِرَاتِ وَالْإِضْرَابَاتِ وَالِاعْتِصَامَاتِ هِيَ بَوَّابَةُ التَّدْمِيرِ وَالتَّفْجِيرِ وَالْقَتْلِ وَالتَّشْرِيدِ! لِأَنَّ الْعَقْلَ آنَذَاكَ يَغِيبُ فِي الْمَحْفِلِ الْجَمْعِيِّ الَّذِي تَعْلُو فِيهِ الْأَصْوَاتُ، وَتَتَعَدَّدُ فِيهِ الرَّايَاتُ، وَتَتَخَالَفُ فِيهِ الْقِيَادَاتُ، وَتَتَنَازَعُ فِيهِ الشَّهَوَاتُ، وَتَكْثُرُ فِيهِ الشُّبُهَاتُ، فَيَقُودُ الْقَوْمَ آنَذَاكَ أَرْذَلُهُمْ شَأْنًا وَأَقَلُّهُمْ عَقْلًا وَأَعْلَاهُمْ صَوْتًا وَأَكْثَرُهُمْ جَمْعًا!! يَا أَهْلَ الْجَزَائِرِ الْحَبِيبَةِ! لِمَ تُسْلِمُونَ الْمَقَادَةَ لِأَرَاذِلِكُمْ؟! لِمَ تَجْعَلُونَ الْبِلَادَ تُقَادُ بِأَيْدِي سُفَائِكُمْ؟! أَيْنَ أَنْتُمْ مِنْ كَلَامِ رَبِّكُمْ وَمِنْ سُنَّةِ نَبِيِّكُمْ وَمِنْ تَحْذِيرِ عُلَمَائِكُمْ؟! أَلَيْسَتْ لَكُمْ فِي أَحْدَاثِ الْمَاضِي الْقَرِيبِ عِظَةٌ وَعِبْرَةٌ؟! أَنَسِيتُمُ الْيَوْمَ.. قَتْلَاكُمْ بِالْأَمْسِ؟! أَنَسِيتُمْ قُرَاكُمُ الَّتِي حُرِقَتْ؟!! أَنَسِيتُمْ أَعْرَاضَكُمْ الَّتِي هُتِكَتْ؟! أَنَسِيتُمْ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي فِي الْفَوْضَى سُلِبَتْ؟! أَنَسِيتُمْ دِمَاءَ أَبْنَائِكُمْ الَّتِي فِي الْفِتْنَةِ الْمَاضِيَةِ قَدْ سُفِكَتْ؟! يَا أَهْلَ الْجَزَائِرِ! أَلَيْسَتْ لَكُمْ فِي جَزَائِرِ الْأَمْسِ عِظَةٌ وَعِبْرَةٌ؟! أَلَيْسَتْ لَكُمْ فِي الْعِرَاقِ عِظَةٌ وَعِبْرَةٌ؟! أَلَيْسَ لَكُمْ فِي أَفْغَانِسْتَانَ عِظَةٌ وَعِبْرَةٌ؟! أَلَيْسَ لَكُمْ فِي الْيَمَنِ عِظَةٌ وَعِبْرَةٌ؟! أَلَيْسَ لَكُمْ فِي لِيبْيَا عِظَةٌ وَعِبْرَةٌ؟! هَلْ خَفِيَتْ عَلَيْكُمْ أَخْبَارُ هَذِهِ الْبِلَادِ.. أَمْ عَمِيَتْ عَنْهَا الْأَبْصَارُ؟! أَمْ سُتِرَتِ الْعُقُولُ فَسُلِبَتْ مِنْهَا مَوْهِبَةُ الْعِظَةِ وَالِاتِّعَاظِ وَالِاعْتِبَارِ؟! يَا أَهْلَ الْجَزَائِرِ! عُودُوا مِنْ قَرِيبٍ.. وَاسْتَجِيبُوا لِدُعَاتِكُمْ وَعُلَمَائِكُمْ! اسْمَعُوا لِعُقَلَائِكُمْ وَحُكَمَائِكُمْ! يَا أَهْلَ الْجَزَائِرِ الْحَبِيبَةِ! لَقَدْ نَبَتَتْ فِيكُمُ الْيَوْمَ نَابِتَةُ سُوءٍ، وَخَرَجَتْ مِنْكُمْ خَارِجَةُ فِتْنَةٍ، وَمَرَقَتْ مِنْكُمْ فِي الظَّلَامِ مَارِقَةٌ؛ تُرِيدُ أَنْ تُبَدِّدَ جُهُودَكُمْ، وَأَنْ تُشَتِّتَ شَمْلَكُمْ، وَأَنْ تُنَكِّسَ رَايَتَكُمْ، وَأَنْ تُمَزِّقَ جَمْعَكُمْ، وَأَنْ تَكُونَ سَبَبًا فِي زَوَالِ أَمْنِكُمْ وَأَمَانِكُمْ! فَإِيَّاكُمْ أَنْ تَتْرُكُوا هَؤُلَاءِ يَخْرِقُونَ سَفِينَةَ بِلَادِكُمْ!! وَيُشْمِتُونَ فِيكُمْ أَعْدَاءَكُمْ! وَيَفْتَحُونَ الْبَابَ لِلْحَاقِدِينَ لِيُعْمِلُوا فِيكُمْ حِقْدَهُمْ! وَلِلْمَاكِرِينَ لِيُظْهِرُوا عَلَى أَرْضِكُمْ مَكْرَهُمْ وَتَدْبِيرَهُمْ!! لَا تَسْمَحُوا لِقُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَالْبَلْطَجِيَّةِ أَنْ يَتَحَكَّمُوا فِي مَصَائِرِكُمْ وَمَصَائِرِ أَبْنَائِكُمْ وَمَصَائِرِ أَهْلِيكُمْ وَذَوِيكُمْ! احْفَظُوا أَعْرَاضَكُمْ مِنَ الذِّئَابِ الضَّارِيَةِ وَالْوُحُوشِ الْعَادِيَةِ الَّتِي تُكَشِّرُ عَنْ أَنْيَابِهَا فِي الْفِتَنِ! وَتَسْعَى إِلَى تَحْصِيلِ مَطَامِعِهَا فِي الْفَوْضَى وَالْمِحَنِ! وَيَسْهُلُ عَلَيْهَا اصْطِيَادُ الْفَرَائِسِ عِنْدَ غِيَابِ الْأَمْنِ وَالْأَمَانِ وَالصِّيَانَةِ وَالْحِمَايَةِ وَالرِّعَايَةِ وَالْكَفَالَةِ!! إِذَا أُطْلِقَتِ الْحُرِّيَّاتُ فَلَا تَسْأَلُوا عَنِ الْفَوْضَى آنَذَاكَ! تُحْرَقُ الْمُؤَسَّسَاتُ! وَتُدَمَّرُ الْمُنْشَآتُ! وَتُدَمَّرُ السَّيَّارَاتُ! وَتُكْسَرُ النَّوَافِذُ! وَتُفْتَحُ الْمَتَاجِرُ وَالْمَحَلَّاتُ! وَتُسْرَقُ الْأَمْوَالُ! وَتُسْتَبَاحُ الدِّمَاءُ! وَتَهُونُ الْأَعْرَاضُ! وَيَعْجِزُ الْمَرْءُ حِينَذَاكَ عَنْ حِمَايَةِ نَفْسِهِ -فَضْلًا عَنْ حِمَايَةِ مَالِهِ وَعِرْضِهِ-!! وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. * * * صُورَةٌ وَحَقِيقَةٌ الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَبَعْدُ: فَمَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا لَهُ صُورَةٌ وَحَقِيقَةٌ، وَصُورَةُ الشَّيْءِ عَلَامَةٌ وَأَمَارَةٌ عَلَيْهِ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْأَشْيَاءِ حَقَائِقُهَا لَا صُوَرُهَا، فَصُورَةُ الْمَائِدَةِ عَامِرَةٌ بِأَشْهَى وَأَلَذِّ الْأَطْعَمةِ لَا تَسُدُّ لَكَ جَوْعَةً وَلَا تُقِيمُ لَكَ بَدَنًا، حَتَّى تَكُونَ بَيْنَ يَدَيْكَ حَقِيقَةً مَاثِلَةً، وَالْحُبُّ فِي اللهِ لَهُ صُورَةٌ وَحَقِيقَةٌ، فَأَمَّا صُوَرتُهُ فَمَعْسُولُ الْكَلَامِ، وَعَذُوبَةُ الْبَيَانِ، وَالتَّزَاوُرُ وَالتَّجَالُسُ، وَالْمُلَاطَفَةُ وَالتَّأَنُّسُ، وَأَمَّا حَقِيقَتُهُ فَهِيَ بِمَبْعَدَةٍ عَنْ ذَلِكَ. فَالْحُبُّ فِي اللهِ لَا يَزِيدُ بِالْوَصْفِ وَالْعَطَاءِ، وَلَا يَنْقُصُ بِالْبُعْدِ وَالْجَفَاءِ؛ لِأَنَّهُ حُبٌّ فِي اللهِ، وَبِاللهِ، وَإِلَى اللهِ. وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَا كَانَ للهِ دَامَ وَاتَّصَلَ، وَمَا كَانَ لِغَيْرِ اللهِ انْقَطَعَ وَانْفَصَلَ. وَكَانَ يُقَالُ: إِنِّي لَأُحِبُّ الرَّجُلَ فِي اللهِ وَلَا أَرَاهُ إِلَّا فِي الْعَامِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَلَهُ مِنَ الْمَحَبَّةِ فِي قَلْبِي مَا اللهُ بِهِ عَلِيمٌ. فَالْحُبُّ فِي اللهِ لَيْسَ كَمَا يَرَاهُ الْكَثِيرُ مِنْ مُدَّعِيهِ، الْوَاقِفِينَ عِنْدَ صُورَتِهِ، الْمُغَيَّبِينَ عَنْ حَقِيقَتِهِ، الَّذِينَ يَرَوْنَهُ تَزَاوُرًا وَتَجَالُسًا، وَتَبَاذُلًا وَتَأَنُّسًا، فَهَذِهِ عَلَاقَةُ الْبَدَنِ بِالْبَدَنِ، وَالْهَوَى بِالْهَوَى, وَالنَّفْسِ بِالنَّفْسِ! وَأَمَّا الْمُتَحَابُّونَ فِي اللهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَهُمْ أَقْوَامٌ عَزَفَتْ نُفُوسُهُمْ عَنِ الْأَعْرَاضِ، وَطَهُرَتْ قُلُوبُهُمْ مِنَ الْأَغْرَاضِ، قُلُوبُهُمْ مِنَ الْأَحْسَادِ وَالْأَحْقَادِ خَاوِيَةٌ، وَنُفُوسُهُمْ عَنْ حُبِّ الدُّنْيَا طَاوِيَةٌ، وَعُقُولُهُمْ مِنْ سُوءِ الظَّنِّ خَالِيَةٌ، لِبَاسُهُمُ التَّوَاضُعُ، وَمَرْكَبُهُمْ هَضْمُ النَّفْسِ، وَعَطَاؤُهُمُ الْجُودُ وَالْبَذْلُ، وَمَجْلِسُهُمْ خَيْرُ الْكَلَامِ وَالذِّكْرُ، غَايَاتُهُمْ الْمُسَارَعَةُ فِي الْخَيْرَاتِ، وَالْوُصُولُ إِلَى رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ. يَضِنُّونَ بِأَوْقَاتِهِمْ أَنْ تَضِيعَ فِي غَيْرِ طَاعَةٍ، وَيَبْذُلُونَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَسَاعَةٍ، مُرَادُهُمْ مُرَادُ اللهِ وَمَحَابُّهُ، وَالْقِيَامُ بِأَمْرِهِ، وَاجْتِنَابُ نَهْيِهِ، وَالسَّعْيُ إِلَى مَرْضَاتِهِ، وَالْوُصُولُ إِلَى الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى فِي دَارِ كَرَامَتِهِ ومَحَلِّ رِضْوَانِهِ عَلَى أَوْلِيَائِهِ فِي جَنَّاتِهِ, تَشَاكَلَتْ نُفُوسُهُمْ، وَاتَّحَدَتْ غَايَاتُهُمْ، وَتَشَابَهَتْ مَرَاكِبُهُمْ، وَاقْتَرَبَتْ مَلَابِسُهُمْ، فَجَمَعَهُمُ الْحُبُّ فِي اللهِ عَلَى طَرِيقِ الْمُسَابَقَةِ وَالْمُسَارَعَةِ وَالْفِرَارِ وَالْمُنَافَسَةِ، فَلَا تَرَاهُمْ يَلْهُونَ مَعَ اللَّاهِينَ، وَلَا يَلْعَبُونَ مَعَ اللَّاعِبِينَ، وَلَا لِأَعْمَارِهِمْ يُضَيِّعُونَ مِنَ الْفَارِغِينَ الْبَطَّالِينَ، وَإِنَّمَا تَرَاهُمْ عَلَى الصِّرَاطِ مُسَارِعِينَ، وَعَلَى الْقُرُبَاتِ مُنَافِسِينَ، وَعَنِ الْهَفَوَاتِ الزَّلَّاتِ مُبْتَعِدِينَ بِمَشْغَلَةٍ. وَقَوْمٌ هَذَا شَأْنُهُمْ، فَلَنْ تَرَاهُمْ إِلَّا مُتَوَادِّينَ مُتَحَابِّينَ، مُتَزَاوِرِينَ مُتَجَالِسِينَ، وَفِي الْجُودِ وَالْإِنْفَاقِ أَسْخِيَاءُ مُنْفِقُونَ، فَبَاذِلٌ فِي مَرْضَاتِ اللهِ يَبْذُلُ مِنْ وَقْتِهِ، وَآخَرُ يَبْذُلُ مِنْ عِلْمِهِ وَفَضْلِهِ، وَثَالِثٌ يَبْذُلُ لِإِخْوَانِهِ بِجُهْدِهِ وَسَعْيِهِ، وَآخَرُ يَبْذُلُ بِدُعَائِهِ وَحُبِّهِ، وَلَا تَرَى فِيهِمْ كَبِيرًا وَلَا صَغِيرًا، وَلَا عَظِيمًا وَلَا حَقِيرًا، فَقَدْ ذَابَتْ بَيْنَهُمُ الْفَوَارِقُ، وَتَلَاشَتْ بَيْنَهُمُ السَّوَابِقُ، وَامَّحَتْ بَيْنَهُمْ الْأَحْسَابُ وَالْأَلْقَابُ، لَا تَفْرِقُهُمُ الْأَهْوَاءُ، فَهِيَ عَنْهُمْ بِمَبْعَدَةٍ، وَلَا تُشَتِّتُهُمْ النِّزَاعَاتُ فَهُمْ عَنْهَا فِي مَشْغَلَةٍ، شَغَلَتْهُمْ أُخْرَاهُمْ عَنْ دُنْيَاهُمْ، وَعُيُوبُهُمْ عَنْ مَنَاقِبِهِمْ. فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ عَيْبُ عَائِبٍ، وَلَا قَدْحُ قَادِحٍ، وَلَا تَنَقُّصُ مُنْتَقِصٍ، وَلَا يَفْتِنُهُمْ مَدْحُ مَادِحٍ، وَلَا مُثْنٍ بِالثَّنَاءِ صَادِحٌ، لِأَنَّهُمْ أَعْلَمُ بِحَقَائِقِ نُفُوسِهِمْ، فَلَا يَرَوْنَ إِلَّا تَقْصِيرَهُمْ، وَخَوَرَهُمْ وَشُعُورَهُمْ، يَسِيرُونَ حَيْثُ سَارَ السَّابِقُونَ وَغَايَةُ أَمْرِهِمْ أَنْ يَكُونُوا بِهِمْ لَاحِقِين. وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. * * * هَلْ سَاءَتْ أُمُورُنَا أَمْ فَسَدَتْ نُفُوسُنَا؟! الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ: فَمَا أَحْوَجَ الْأُمَّةَ إِلَى أَنْ تَسْتَلْهِمَ الْحِكْمَةَ وَالرُّشْدَ وَالِاتِّزَانَ وَالتَّعَقُّلَ مِنْ مَاضِيهَا الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، فَتَنْظُرَ بِعَيْنٍ فَاحِصَةٍ مُتَفَحِّصَةٍ لِأَحْدَاثِ الْمَاضِي بِعَيْنِ الْعِظَةِ وَالْعِبْرَةِ وَالتَّدَبُّرِ وَالْفِكْرَةِ؛ لِتَعْرِفَ كَيْفَ كَانَتْ قَبْلُ، وَإِلَى أَيْنَ صَارَتْ بَعْدُ؟! إِلَى تَوْفِيقٍ وَسَدَادٍ أَمْ إِلَى ضَلَالٍ وَفَسَادٍ؟! إِلَى إِخْلَاصٍ وَاتِّبَاعٍ، أَمْ إِلَى رِيَاءٍ وَابْتِدَاعٍ؟! إِلَى إِصْلَاحٍ وَتَعْمِيرٍ أَمْ إِلَى إِفْسَادٍ وَتَدْمِيرٍ؟! إِلَى عَوْدَةٍ حَمِيدَةٍ لِأُصُولٍ وَشَرِيعَةٍ أَمْ إِلَى أَخْلَاقٍ سَافِلَةٍ وَأَعْرَافٍ وَضِيعَةٍ؟! وَلَوْ نَظَرْنَا إِلَى الْمَاضِي الْقَرِيبِ لَوَجَدْنَا أَنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فَرْقًا شَاسِعًا وَبَعِيدًا! فَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْجِيرَانِ، وَالتَّوَدُّدِ إِلَى الْأَصْحَابِ وَالْخِلَّانِ، وَالرِّضَا بِالْقَلِيلِ مِنَ الرِّزْقِ وَالْمَالِ، وَعَدَمِ التَّطَلُّعِ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْنَا فِي الْأَحْوَالِ وَالْأَمْوَالِ؟!! لَقَدْ تَغَيَّرَتْ أَحْوَالُنَا، وَتَبَدَّلَتْ أُمُورُنَا، وَسَاءَتْ أَخْلَاقُنَا!! لَقَدْ عَقَّنَا أَبْنَاؤُنَا، وَقَسَى عَلَيْنَا آبَاؤُنَا، وَأَسَاءَ إِلَيْنَا جِيرَانُنَا، وَتَبَاعَدَ بَعْضُنَا عَنْ بَعْضِنَا، وَغَشَّنَا تُجَّارُنَا، وَاسْتَغَلَّ حَاجَتَنَا أَصْحَابُ الْوَظَائِفِ فِي دَوَاوِينِنَا، وَفَرَّطَ فِي رِعَايَتِنَا أَطِبَّاؤُنَا، فَعَامَلُونَا مُعَامَلَةَ التُّجَّارِ، وَقَصَّرَ فِي حَقِّ أَبْنَائِنَا الْمُدَرِّسُونَ مِنْ أَبْنَائِنَا، فَهَلْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَحْوَالُ فِي الْمَاضِي أَحْوَالَنَا؟! وَهَلْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَخْلَاقُ أَخْلَاقَ آبَائِنَا؟! لِمَاذَا انْسَلَخْنَا مِنْ جُلُودِنَا، وَانْخَلَعْنَا مِنْ أَعْرَافِنَا وَأَخْلَاقِنَا؟! هَلْ سَاءَتْ أُمُورُنَا أَمْ فَسَدَتْ نُفُوسُنَا؟! أَمْ لِتَيَّارِ الْغَرْبِ سَلَّمْنَا زِمَامَ أُمُورِنَا؟! فَالْعَوْدَةَ الْعَوْدَةَ مِنْ قَرِيبٍ، وَالْأَوْبَةَ الْأَوْبَةَ قَبْلَ شَمْسِ الْمَغِيبِ، قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ وَانْصِرَامِ الزَّمَانِ، وَالنَّدَمِ وَالْحَسْرَةِ عَلَى مَا فَاتَ وَكَانَ، قَبْلَ أَنْ تَعَضُّوا عَلَى أَصَابِعِ النَّدَمِ، وَتُغْلَقُ الْأَبْوَابُ بِشِدَّةٍ وَإِحْكَامٍ، وَلَيْسَ هُنَاكَ بَرِيقٌ مِنْ أَمَلٍ، وَلَا فِي الْإِمْكَانِ إِصْلَاحٌ لِلْخَلَلِ. وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. * * * عَلَامَةُ صِحَّةِ الْمَحَبَّةِ فِي اللهِ الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ الشَّجَرَةَ سَبِيلُ الْوُصُولِ إِلَى الثَّمَرَةِ، وَإِنَّ الْعَمَلَ بِجِدٍّ وَاجْتِهَادٍ سَبِيلُ الْوُصُولِ إِلَى الْجَاهِ وَالْمَالِ وَالسُّلْطَانِ. وَقَدْ قَالُوا قَدِيمًا: لَا تَحْسَبَنَّ الْمَجْدَ تَمْرًا أَنْتَ آكِلُهُ لَنْ تَبْلُغَ الْمَجْدَ حَتَّى تَلْعَقَ الصَّبِرَا وَلَنْ نَصِيرَ جَسَدًا وَاحِدًا حَتَّى نُجَدِّدَ إِيمَانَنَا الَّذِي اخْلَوْلَقَ، وَنَصِلَ صَفَّنَا الَّذِي تَفَرَّقَ، وَنَجْمَعَ شَمْلَنَا الَّذِي تَخَرَّقَ، وَنُعِيدُ جَمْعَنَا الَّذِي تَمَزَّقَ!! وَلَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إِلَّا بِتَصْفِيَةِ قُلُوبِنَا مِنْ غِشِّهَا وَدَغَلِهَا وَتَعَلُّقِهَا بِشَهَوَاتِهَا، وَنِسْيَانِهَا لِمَا يَنْتَظِرُهَا يَوْمَ الْعَرْضِ عَلَى رَبِّهَا، ﴿ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ﴾ [سورة الشعراء: 88- 89]، حَيْثُ يُنَادِي اللهُ -جَلَّ جَلَالُهُ-: «حَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَوَاصِلِينَ فِيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَوَاصِلِينَ فِيَّ»( ). وَمَا أَيْسَرَ أَنْ تَدَّعِيَ الْمَحَبَّةَ، وَمَا أَعْسَرَ أَنْ تَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا الَّذِينَ يَقُومُونَ بِوَاجِبَاتِهَا وَيُؤَدُّونَ حُقُوقَهَا، وَيَصْبِرُونَ عَلَى مَشَاقِّهَا!! وَعَلَامَةُ صِحَّةِ هَذِهِ الْمَحَبَّةِ: أَنْ يَصِيرَ أَخُوكَ الَّذِي تُحِبُّهُ فِي اللهِ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ زَوْجِكَ وَوَلَدِكَ وَمَالِكَ وَأَهْلِكَ، وَهَذَا هُوَ قَانُونُ الْمَحَبَّةِ عِنْدَ السَّابِقِينَ! إِخْوَانُنَا أَحَبُّ إَلَيْنَا مِنْ أَهْلِينَا؛ فَإِخْوَانُنَا يُذَكِّرُونَنَا بِاللهِ، وَأَهْلُونَا يُذَكِّرُونَنَا بِالدُّنْيَا. وَيَوْمَ كَانَ هَذَا الْقَانُونُ قَانُونًا لَنَا، كُنَّا فِي أَحْسَنِ أَحْوَالِنَا، وَأَهْنَأِ عَيْشٍ لَنَا وَلِأَبْنَائِنَا وَزَوْجَاتِنَا. وَلَمَا شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا ضَاعَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنَّا، فَلَا نَحْنُ بِالَّذِي كُنَّا عَلَيْهِ حَافَظْنَا، وَلَا بِالَّذِي وَصَلْنَا إِلَيْهِ سَعِدْنَا وَاسْتَرَحْنَا!! وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ جَمِيعًا تَرْكَبُونَ سَفِينَةَ السُّنَّةِ، وَلَنْ يَنْجُوَ بِرُكُوبِهَا إِلَّا مَنْ كَانَ حَقًّا مِنْ أَهْلِهَا، فَإِنَّ السُّنَّةَ تَنْفِي خَبَثَهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ، وَهِيَ كَالْمُنْخُلِ يُمَيِّزُ بَيْنَ الدَّقِيقِ وَالنُّخَالَةِ.. فَاحْذَرْ أَنْ تَدَّعِيَ شَيْئًا لَا تَمْلِكُهُ، أَوْ تَلْبَسَ ثَوْبًا لَسْتَ بِمَالِكِهِ، فَيُنْزَعَ مِنْكَ أَشَدُّ مَا تَكُونُ أَحْوَجَ إِلَيْهِ، فَتَظْهَرَ عِنْدَ ذَلِكَ السَّوْءَةُ، وَتَنْكَشِفَ بَعْدَ ذَلِكَ الْعَوْرَةُ، وَيَنْدَمَ الْأَبْعَدُ وَلَاتَ حِينَ مَنْدَمٍ!! وَيَطْلُبَ الرَّجْعَةَ لِيُزِيلَ عَنْهُ مَا حَاكَ بِهِ مِنْ مَغْرَمٍ وَمَأْثَمٍ، فَيُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهِيهِ!! فَتَحَابُّوا أَوَّلًا فِي اللهِ حَقًّا وَصِدْقًا، ثُمَّ تَزَاوَرُوا فِي اللهِ مَشْيًا وَسَعْيًا، ثُمَّ تَجَالَسُوا فِي اللهِ تَنَاصُحًا وَتَشَاوُرًا، ثُمَّ تَبَاذَلُوا فِي اللهِ فَضْلًا وَإِحْسَانًا وَجُودًا وَإِكْرَامًا بِلَا مِنَّةٍ وَلَا غَضَاضَةٍ، وَإِنَّمَا خُضُوعًا وَإِذْعَانًا بِحَقِّ إِخْوَانِكَ عَلَيْكَ.. عِنْدَئِذٍ تَصِيرُوا جَسَدًا وَاحِدًا يَشْعُرُ كُلُّكُمْ بِكُلِّكُمْ، وَيَتَفَقَّدُ كُلُّكُمْ كُلَّكُمْ، وَيَأْلَمُ كُلُّكُمْ لِأَلَمِ الْبَعْضِ مِنْكُمْ. وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. * * * حُبُّكَ فِي اللهِ حَقِيقَةٌ أَمْ خَيَالٌ؟! الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ: فَمَا أَيْسَرَ الْقَوْلَ وَمَا أَصْعَبَ الْعَمَلَ بِهِ! وَمَا أَسْهَلَ الدَّعْوَى وَمَا أَعْسَرَ الثَّبَاتَ عَلَيْهَا! فَكَثِيرًا مَا تَسْمَعُ مَنْ يَقُولُ لَكَ: (أُحِبُّكَ فِي اللهِ)، وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى ذَلِكَ، وَيُقْسِمُ عَلَيْهِ، وَهُوَ خُلْوٌ مِنْ وَصْفِ الْمَحَبَّةِ وَلَوَازِمِهَا! وَهَذَا وَاحِدٌ مِمَّنِ ابْتُلِيَ بِالْحُبِّ فِي غَيْرِ اللهِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ صَادِقًا فِي دَعْوَاهُ، إِنَّهُ رَجُلٌ أَحَبَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ، فَقَالَ فِيهَا شِعْرًا وَكَانَ مِمَّا قَالَ: أُحِبُّ لِحُبِّهَا السُّودَانَ حَتَّى أُحِبُّ لِحُبِّهَا سُودَ الْكِلَابِ! فَيَا مَنْ تَزْعُمُ مَحَبَّةَ إِخْوَانِكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ فِي اللهِ.. أَيْنَ عَلَامَاتُ ذَلِكَ الْحُبِّ وَأَمَارَاتُهُ؟! بَلْ أَيْنَ مَوْضِعُ ذَلِكَ الْحُبِّ بَيْنَ الْمَحْبُوبَاتِ؟! وَأَيْنَ هُوَ فِي زَمَانِ الْفِتَنِ وَالِابْتِلَاءَاتِ؟! وَلَقَدْ بَيَّنَ لَنَا النَّبِيُّ  لَنَا كَيْفَ يَكُونُ (الْحُبُّ الصَّحِيحُ)، وَوَضَعَ الْقَوَاعِدَ الَّتِي نَسِيرُ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ الْحُبِّ، وَذَلِكَ فِي دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ كُلِّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ»( ). فَأَوَّلُ مَرَاحِلِ الْحُبِّ فِي اللهِ وَللهِ: (الْمَحَبَّةُ لِلذَّاتِ)، وَلِمَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ صِفَاتٍ، وَلَا يُحَبُّ لِذَاتِهِ إِلَّا اللهُ، وَمَا عَدَاهُ مِنْ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ وَمَلَكٍ مُقَرَّبٍ وَصَدِيقٍ وَلِيٍّ، وَمُؤْمِنٍ تَقِيٍّ فَإِنَّمَا يُحِبُّ لِصِفَاتِهِ لَا لِذَاتِهِ.. فَهَلْ فَكَّرْتَ يَوْمًا فِي الصِّفَاتِ الَّتِي دَعَتْكَ إِلَى مَحَبَّةِ فُلَانٍ أَوْ فُلَانٍ مِمَّنْ تَدَّعِي مَحَبَّتَهُمْ؟! أَمْ أَنَّكَ حَتَّى الْآنَ لَمْ تَعْرِفْ لِمَ أَحْبَبْتَ فُلَانًا وَفُلَانًا؟! وَهَذَا فِي حَدِّ ذَاتِهِ خَلَلٌ فِي الْمَحَبَّةِ، وَدَاعٍ إِلَى مُرَاجَعَةِ النَّفْسِ فِي حَقِيقَةِ ذَلِكَ الْحُبِّ؛ لِأَنَّ الْحُبَّ فِي اللهِ يَعْنِي الْحُبَّ فِي مَرْضَاتِ اللهِ وَطَاعَتِهِ، وَمَا يُوصِلُ دَارَ كَرَامَتِه فِي جَنَّاتِهِ، فَهَذا تُحِبُّهُ لِخُشُوعِهِ وَوَرَعِهِ، وَثَانٍ تُحِبُّهُ لِسَلَامَةِ قَلْبِهِ وَحُسْنِ طُوِيَّتِهِ، وَثَالِثٌ تُحِبُّهُ لِبِرِّهِ وَحُسْنِ خُلُقِهِ وَوَفَائِهِ، وَآخَرُ تُحِبُّهُ لِبَذْلِهِ فِي الْخَيْرَاتِ وَالْقُرُبَاتِ بِمَالِهِ وَجَاهِهِ، وَغَيْرُهُ تُحِبُّهُ لِزُهْدِهِ وَوَرَعِهِ فِي إِقْبَالِهِ وَإِدْبَارِهِ، وَهَكَذَا تَجْتَمِعُ الْقُلُوبُ عَلَى مَحَابِّ اللهِ وَمَرَاضِيهِ.. وَأَمَّا الْحُبُّ الَّذِي يَقُومُ عَلَى سَعَةِ الْمَوَائِدِ بِأَشْهَى الْأَكَلَاتِ، فَهَذَا حُبُّ شَهْوَةٍ وَلَذَّةٍ، يَبْدَأُ عَلَى الْمَوَائِدِ وَيَنْتَهِي فِي الْخَلَاءِ! وَتَأْتِي (الْعَلَامَةُ الثَّانِيَةُ) عَلَى الصِّدْقِ فِي الْحُبِّ وَالْمَحَبَّةِ وَهِيَ: (مَحَبَّةُ مَنْ أَحَبَّ أَخِيكَ قَبْلَكَ)، مِمَّنْ سَبَقُوكَ إِلَى مَحَبَّتِهِ، تُحِبُّهُمْ لَا لِكَوْنِهِمْ قَدْ أَحَبُّوكَ، وَإِنَّمَا لِكَوْنِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ تُحِبُّ، وَيَوَدُّونَ مَنْ تَوَدُّ بِلَا رَغْبَةٍ مِنْكَ فِي تَمَلُّكِهِ، وَاسْتِئْثَارٍ بِهِ دُونَ غَيْرِكَ. ثُمَّ تَأْتِي (الْعَلَامَةُ الثَّالِثَةُ) وَهِيَ: (مَحَبَّتُكَ لِمَنْ يُحِبُّهُ مِمَّنْ هُوَ عَلَى شَاكِلَتِكَ فِي مَحَبَّتِهِ)، مِنْ أَقْرَانِكَ وَإِخْوَانِكَ، زَادَ عَنْكَ فِي مَحَبَّتِهِ أَوْ نَقَصَ، جَدَّ وَاجْتَهَدَ أَوْ قَصَّرَ وَفَتَرَ، فَتَتَلَاقَى الْقُلُوبُ عَلَى الْحُبِّ الْخَالِي مِنَ النَّقَائِصِ وَالْعُيُوبِ، الصَّافِي مِنَ الشَّوَائِبِ وَالْكُدُورَاتِ.. إِنَّهُ ذَلِكَ الْحُبُّ الَّذِي يَجْمَعُ الْقَرِيبَ وَالْبَعِيدَ، وَالسَّابِقَ وَاللَّاحِقَ، وَالصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ، وَالْعَظِيمَ وَالْحَقِيرَ، فَذَابَتْ فِي ذَلِكَ الْحُبِّ الشَّخْصِيَّاتُ، وَامَّحَتْ فِيهِ الرُّسُومُ وَالصِّفَاتُ، وَتَلَاشَتْ فِيهِ الْأَحْسَابُ وَالْأَنْسَابُ، وَتَمَازَجَتْ فِيهِ النُّفُوسُ وَالْأَرْوَاحُ.. فَـ«تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادُّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»( ). وَمِنْ هُنَا تَأْتِي (الْعَلَامَةُ الرَّابِعَةُ) وَهِيَ: (مَحَبَّةُ كُلِّ عَمَلٍ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُدْخِلَ السُّرُورَ عَلَى قَلْبِ أَخِيكَ)، بِمُوَافَقَتِهِ فِي مَحَابِّهِ الَّتِي يُحِبُّهَا فِي اللهِ وَللهِ مِنْ طَاعَاتٍ وَقُرُبَاتٍ، وَدَعَوَاتٍ وَتَضْحِيَاتٍ.. فَإِذَا شَرَعَ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الطَّاعَاتِ وَجَدَكَ لَهُ مُعِينًا، وَعَلى نُصْحِهِ وَمَشُورَتِهِ نَاصِحًا أَمِينًا، وَلِلْقِيَامِ بِمَحَابِّ اللهِ الَّتِي يُحِبُّهَا مُوَافِقًا مُقِيمًا، وَعَلَى الذَّوْدِ عَنْكَ بِبَذْلِ الْغَالِي النَّفِيسِ تَجِدُهُ بَاذِلًا جَوَادًا كَرِيمًا.. وَهَكَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ مَعَ نَبِيِّهِمْ ، وَالتَّابِعُونَ مَعَ أَصْحَابِ نَبِيِّهِمْ، وَالطُّلَّابُ مَعَ عُلَمَائِهِمْ، وَالْمَدْعُوُّونَ مَعَ دُعَاتِهِمْ، وَالْمُؤْمِنُونَ مَعَ إِخْوَانِهِمْ.. فَكَانُوا أَهْلًا لِأَنْ يُؤَلِّفَ اللهُ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَيُوَحِّدَ صُفُوفَهُمْ، وَيُعْلِيَ شَأْنَهُمْ، وَيَرْفَعَ فِي الْعَالَمِينَ ذِكْرَهُمْ، وَيُعَظِّمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَقْدَارَهُمْ. فَالْزَمُوا عِبَادَ اللهِ غَرْزَهُمْ! وَقُصُّوا عَلَى آثَارِهِمْ! وَكُونُوا عَلَى طَرِيقَتِهِمْ وَشَاكِلَتِهِمْ، فَوَاللهِ! لَقَدْ كَانُوا عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ، وَالنَّهْج الْقَوِيمِ وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.. فَصَارُوا بِذَلِكَ مِنْ أَهْنَأِ النَّاسِ عَيْشًا، وَأَطْيَبِهِمْ نَفْسًا، وَأَكْثَرِهِمْ جَاهًا وَمَالًا وَوَلَدًا، فَرَفَعَ اللهُ فِي الْعَالَمِينَ ذِكْرَهُمْ، وَأَعْلَى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَقْدَارَهُمْ، وَبَارَكَ اللهُ لَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَأَعْمَارِهِمْ، فَلَمْ تُفْقِرْهُمُ النَّفَقَةُ، وَلَمْ يُحْوِجْهُمُ الْبَذْلُ وَالْإِيثَارُ، بَلْ رَدَّ اللهُ عَلَيْهِمْ بَذْلَهُمْ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، زِيَادَةً فِي الْأَمْوَالِ وَقُوَّةً فِي الْأَبْدَانِ وَبَرَكَةَ فِي الْأَعْمَارِ، وَنَجَابَةً وَقُرَّةَ عَيْنٍ فِي الزَّوْجَاتِ وَالْوِلْدَانِ. فَابْذُلُوا عِبَادَ اللهِ مِنْ أَوْقَاتِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ لِنُصْرَةِ دِينِ رَبِّكُمْ، وَسُنَّةِ نَبِيِّكُمْ، وَمُؤَازَرَةِ دُعَاتِكُمْ وَعُلَمَائِكُمْ، وَمُوَاسَاةِ إِخْوَانِكُمْ تَفْرَحُوا فِي دُنْيَاكُمْ وَتَسْعَدُوا فِي أْخُرْاكُمْ. وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. * * * شُبْهَةٌ، وَالرَّدُّ عَلَيْهَا وَإِلَيْكُمْ -أَوَّلًا- عَرْضُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِتَأْصِيلَاتِهِا، وَمَفَادُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مَا يَلِي فَاقْرَأْهَا بِحَذَرٍ! «السَّلَفِيُّ يُطِيعُ وَلِيَّ الْأَمْرِ فِي الْمَعْرُوفِ، وَلَا يَخْرُجُ عَلَيْهِ، وَلَا يُشَهِّرُ بِأَخْطَائِهِ، وَلَا يُهَيِّجُ النَّاسَ ضِدَّهُ، وَيَدْعُو لَهُ بِالْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ، وَيَقِفُ سَدًّا مَنِيعًا ضِدَّ الْخَوَارِجِ. لَكِنْ، فِي الْمُقَابِلِ: السَّلَفِيُّ لَا يُقَدِّسُ الْحَاكِمَ، وَلَا يَغْلُو فِيهِ، وَلَا يَرْفَعُهُ إِلَى مَنْزِلَةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، وَلَا يَكْذِبُ فِي الْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَلَا يَجْعَلُ الْغَيْرَةَ عَلَى الْحَاكِمِ مُقَدَّمَةً عَلَى الْغَيْرَةِ عَلَى دِينِ اللهِ  بِحَيْثُ يُبَرِّرُ أَخْطَاءَهُ وَيَسْتَحِلُّ مَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ مَعَاصٍ، وَيُعِينُهُ عَلَى ظُلْمِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَقَعُ فِيهِ بَعْضُ مَنِ انْحَرَفَ فَهْمُهُ فِي هَذَا الْبَابِ. وَإِذَا أَنْكَرَ سَلَفِيٌّ مُنْكَرًا وَاقِعًا فِي الْمُجْتَمَعِ نَتِيجَةَ قَرَارَاتٍ سَيِّئَةٍ دُونَ التَّعَرُّضِ لِلْحَاكِمِ فَهَذَا لَيْسَ خُرُوجًا، بَلْ هِيَ نَصِيحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ وَغَيْرَةٌ عَلَى دِينِ اللهِ . السَّلَفِيَّةُ وَسَطٌ بَيْنَ الْمُرْجِئَةِ وَالْخَوَارِجِ، فَلَا يُحَارَبُ الْخَوَارِجُ بِالْإِرْجَاءِ وَلَا يُحَارَبُ الْإِرْجَاءُ بِالْخُرُوجِ». السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، حَيَّاكُمُ اللهُ شَيْخَنَا الْفَاضِلَ. نُرِيدُ تَعْلِيقًا حَوْلَ هَذَا الْكَلَامِ بَارَكَ اللهُ فِيكُمْ. * * * الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ: فَاعْلَمْ أَخِي فِي اللهِ أَنَّنَا يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُحْسِنَ الظَّنَّ بِقَائِلِ هَذَا الْكَلَامِ، وَلَكِنْ مَنْ حَقِّهِ عَلَيْنَا أَنْ نَزِنَ كَلَامَهُ عَلَى مِيزَانِ الْحَقِّ وَالسُّنَّةِ فَفِي هَذَا الْكَلَامِ (حَقٌّ يُرَادُ بِهِ بَاطِلٌ، وَسُنَّةٌ مُعْلَنَةٌ خَلْفَهَا بِدْعَةٌ مُؤَصَّلَةٌ)! وَدَعْوَةُ ضَلَالَةٍ وَغِوَايَةٍ فِي صُورَةِ نُصْحٍ وَهِدَايَةٍ، مَعَ التَّأْكِيدِ أَنَّ قَائِلَهُ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ كَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْحَقِّ لَمْ يَبْلُغْهُ! وَالْفَهْمُ الْمَغْلُوطُ فِي هَذَا الْبَابِ يُؤَدِّي إِلَى الْكَثِيرِ مِنَ الشُّرُورِ. وَهَلْ خَرَجَ الْخَوَارِجُ عَلَى الْحُكَّامِ إِلَّا بِمِثْلِ هَذَا الْمَعْسُولِ مِنَ الْكَلَامِ، وَالتَّقْعِيدُ وَالتَّنْظِيرُ بِالْهَوَى وَالشُّبْهَةِ اللَّذَيْنِ هُمَا مَطِيَّةُ أَهْلِ الْغِيِّ وَالضَّلَالِ؟! وَهَلْ يَجُوزُ أَصْلًا وَشَرْعًا لِلْمُسْلِمِ السُّنِّيِّ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي أُمُورِ الْحُكَّامِ عَلَانِيَةً مَدْحًا أَوْ قَدْحًا؟!! وَمَا لَهُ هُوَ وَذَلِكَ؟!! وَهَلْ هَذَا مِنْ شَأْنِهِ؟! وَهَلْ هُوَ مُكَلَّفٌ بِبَثِّهِ وَنَشْرِهِ؟ قَالَ تَعَالَى: ﴿ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﴾ [سورة الأحقاف: 4]. وَهَلْ هَذَا الْمَادِحُ أَوِ الْقَادِحُ ضَابِطٌ لِمَا يَخْرُجُ مِنْ عَقْلِهِ، قَدْ بَانَ لَهُ وَجْهُ الْحَقِّ وَالسُّنَّةِ فِيمَا يَمْدَحُ أَوْ يَقْدَحُ؟! وَالْمَدْحُ وَالْقَدْحُ كَالْمِلْحِ وَالسُّكَّرِ يَحْتَاجَانِ إِلَى حِكْمَةٍ وَعِلْمٍ، وَلَا يَدْرِي الْقَائِلُ فِي ذِكْرِ أَيِّهِمَا قَدْ أَصَابَ الْحَقَّ وَالسُّنَّةَ، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ أَوْ النَّقْصَ فِيهِمَا مَهْلَكَةٌ مُضِرَّةٌ. وَالَّذِي عَلَى السَّلَفِيِّ تِجَاهَ حَاكِمِهِ: أَنْ يَسْمَعَ لَهُ وَيُطِيعَ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، وَأَنْ يَصْبِرَ عَلَيْهِ حَالَ عَدْلِهِ وَجَوْرِهِ، وَأَنْ يَدْعُوَ لَهُ فِي أَوْرَادِهِ وَأَسْحَارِهِ، وَأَنْ يُظْهِرَ مَحَبَّتَهُ لَهُ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَإِذَا وَجَدَ مِنْ حَاكِمِهِ شَيْئًا دَعَاهُ إِلَى بُغْضِهِ أَنْ يُبْطِنَ ذَلِكَ الْبُغْضَ، وَيَجْعَلَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ وَسِرِّهِ وَضَمِيرِهِ، حَتَّى لَا يَقَعَ فِي التَّشْهِيرِ بِهِ، وَالتَّهْيِيجِ عَلَيْهِ، وَإِغَارَةِ صُدُورِ النَّاسِ عَلَيْهِ. وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَكُونَ سَاعِيًا فِي الْإِعْلَانِ عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِأَفْعَالِ الْحُكَّامِ وَقَرَارَاتِهِمْ وَسِيَاسَاتِهِمْ فَلَيْسَ هَذَا مِنْ شَأْنِ الْعَامَّةِ وَالطُّلَّابِ لَا لِلْكِبَارِ مِنْهُمْ وَلَا لِلصِّغَارِ وَلَا الدُّعَاةِ وَالْفُقَهَاءِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُمُ التَّعَرُّضُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ، فَلَيْسَ لَهُمْ أَهْلِيَّةُ النَّظَرِ فِيهَا، وَلَا يُحِيطُونَ بِتَفَاصِيلِهَا وَدَقَائِقِهَا.. وَحَرَامٌ عَلَى أَيِّ أَحَدٍ أَنْ يَجْعَلَ أَفْعَالَ الْحُكَّامِ وَمُعَاهَدَاتِهِمْ وَاتِّفَاقِيَّاتِهِمْ مَحَلَّ نَظَرٍ وَتَعَقُّبٍ، لِأَنَّنَا لَا نَعْرِفُ مُحْكَمَ الْأُمُورِ مِنْ مُتَشَابِهِهَا، وَيَسِيرَهَا مِنْ عَسِيرِهَا، وَمَا الَّذِي يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ وَمَا الَّذِي يَعْجِزُونَ عَنْهُ، فَهَذَا شَأْنُ الْوُلَاةِ وَالْحُكَّامِ، فَهُمْ أَعْلَمُ بِأَحْوَالِ بِلَادِهِمْ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقُدْرَةَ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ، وَلَا تَكْلِيفَ بِغَيْرِ مَقْدُورٍ. وَأَوْلَى النَّاسِ بِالْكَلَامِ فِي أَمْرِ الْحُكَّامِ وَتَصَرُّفَاتِهِمْ وَسِيَاسَاتِهِمْ هُمُ الْعُلَمَاءُ، وَهُمُ الْمُكَلَّفُونَ بِالنُّصْحِ وَالْبَيَانِ، وَالتَّوْجِيهِ وَالْإِرْشَادِ عَلَى مُقْتَضَى مَا عَلِمُوهُ مِنْ ضَوَابِطِ التَّعَامُلِ مَعَهُمْ فِي ضَوْءِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَالْعَوَامُّ وَالطُّلَّابُ وَالدُّعَاةُ تَبَعٌ لِأَهْلِ الْعِلْمِ الْكِبَارِ فِي مَوَاقِفِهِمْ، وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْظُرُوا فِي كَلَامِ الْعُلَمَاءِ فَهْمًا وَتَدَبُّرًا، وَوَعْيًا وَتَعَقُّلًا.. فَإِنْ سَكَتَ الْعُلَمَاءُ عَلِمْنَا أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْنَا السُّكُوتُ، وَإِنْ تَكَلَّمُوا فَفَهِمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِكَلَامِهِمْ غَضُّ الطَّرْفِ وَالْإِعْرَاضُ عَنْ الْخَوْضِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَعْرَضْنَا وَلِلطَّرْفِ عَنْهَا غَضَضْنَا.. وَإِنْ وَجَّهُوا نُصْحًا نَقَلْنَا كَلَامَهُمْ دُونَ زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ وَبِدُونِ تَأْوِيلٍ وَتَوْضِيحٍ وَمَزِيدِ بَيَانٍ. وَمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ فَقَدْ وَقَعَ فِي الزُّورِ وَالْبُهْتَانِ، لِأَنَّ عُلَمَاءَنَا تَكَلَّمُوا بِعِلْمٍ وَحِكْمَةٍ، وَنَظَرُوا فِي الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ وَأَعَدُّوا كَلَامَهُمْ قَبْلَ بَثِّهِ وَنَشْرِهِ وَأَعْطَوْا لِلْحَاكِمِ فِي هَذَا النُّصْحِ حَقَّهُ وَمُسْتَحَقَّهُ، فَوَافَقُوا الْحَقَّ فِي السُّكُوتِ وَالْكَلَامِ وَالتَّصْرِيحِ وَالتَّعْرِيضِ، وَالتَّوْضِيحِ وَالْبَيَانِ فَأَيْنَ عَوَامُّ الْمُسْلِمِينَ وَطُلَّابُهُمْ صِغَارًا وَكِبَارًا مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. فَاسْكُتُوا مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ.. عَوَامَّ وَمُتَعَلِّمِينَ، كِبَارًا وَصِغَارًا، دُعَاةً وَمَدْعُوِّينَ عَنِ الْخَوْضِ فِي هَذَا الْمُعْتَرَكِ الْخِضَمِّ الْعَظِيمِ! فَهُوَ مَجَالُ الْعُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ، الْمُسْتَنْبِطِينَ الْمُجْتَهِدِينَ، الَّذِينَ قَدْ أَحَاطُوا بِالْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ وَالتَّوْفِيقِ وَالسَّدَادِ لِمَا فِيهِ النُّصْحُ لِلْحُكَّامِ وَالْمَحْكُومِينَ. وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى النَّذِيرِ الْبَشِيرِ وَعَلَى آلِهِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. * * * وَلَا تَغْفَلْ عَنْ أَمْرٍ مُهِمٍّ جَلَلٍ! الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ: فَلَا تَغْفَلْ عَنْ أَمْرٍ مُهِمٍّ جَلَلٍ! إِنَّهُمْ مَدْعُوُّونَ، وَأَنْتَ لَهُمْ دَاعٍ لِمَا مَعَكَ مِنَ الْخَيْرِ أَوِ الشَّرِّ، فَكُنْ دَاعِيَةَ إِحْسَانٍ وَبِرٍّ، وَلَا تَكُنْ دَاعِيَةَ إِسَاءَةٍ وَشَرٍّ. فَادْعُهُمْ إِلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى الطَّاعَةِ بِحِرْصِكَ عَلَيْهَا، وَإِلَى الْحَقِّ وَالسُّنَّةِ بِتَمَسُّكِكَ بِهِمَا، وَإِلَى الِالْتِزَامِ بِضَوَابِطِ الشَّرِيعَةِ بِالْتِزَامِكَ بِهَا. وَاتَّقِ اللهَ فِيهِمْ قَبْلَ أَنْ تُطَالِبَهُمْ بِتَقْوَى اللهِ فِيكَ. وَلَطَالَمَا كَانَ يَقُولُ لَنَا شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ ابْنُ رَسْلَانَ: «اتَّقُوا اللهَ فِيمَنْ خَلْفَكُمْ، كُونُوا لَهُمْ سَبِيلَ هِدَايَةٍ، وَلَا تَكُونُوا لَهُمْ سَبِيلَ غِوَايَةٍ، فَإِنَّ الصَّغَائِرَ مِنْكُمْ عِنْدَهُمْ كَبَائِرُ، وَالْهَفَوَاتُ مِنْكُمْ عِنْدَهُمْ زَلَّاتٌ، فَلَا تَكُونُوا لَهُمْ فِتْنَةً وَأَنْتُمْ فِي النَّاسِ كَالثَّوْبِ الْأَبْيَضِ يَظْهَرُ فِيهِ أَقَلُّ وَسَخٍ وَأَنْتَ مَعَهُمْ فِي جِهَادٍ وَنِزَالٍ لَا يَصْلُحُ فِيهِ إِلَّا الصَّبْرُ». وَقِفْ طَوِيلًا مَعَ قَوْلِ اللهِ : ﴿ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﳇ ﴾ [سورة الفرقان: 20]. فَالَّذِي فَتَنَكَ بِهِمْ هُوَ اللهُ. وَالَّذِي سَلَّطَهُمْ عَلَيْكَ هُوَ اللهُ. وَهُوَ  بَعْدَ ذَلِكَ بَصِيرٌ بِمَا يَكُونُ مِنْكَ وَمِنْهُمْ. فَاحْذَرْ نَظَرَ اللهِ إِلَيْكَ! فَأَرِ اللهَ مِنْكَ بِرًّا وَصَبْرًا، وَعَفْوًا وَصَفْحًا، وَإِحْسَانًا وَفَضْلًا. وَاغْنَمْ مِنْ وَصْلِهِمْ وَبِرِّهِمْ ثَلَاثًا: - طُولُ عُمُرٍ. - وَحُسْنُ ثَنَاءٍ عَلَيْكَ وَذِكْرٍ. - وَزِيَادَةٌ فِي الْمَالِ وَالرِّزْقِ. هَلْ هَذِهِ إِلَّا مَطْلُوبُكَ وَمَرْغُوبُكَ؟! وَمِنْ أَجْلِهَا يَكُونُ جُهْدُكَ فِي الدُّنْيَا وَتَعَبُكَ؟! فَاتْعَبْ وَابْذُلْ مِنْ أَجْلِ تَحْصِيلِهَا الْغَالِيَ وَالنَّفِيسَ، فَالْعِوَضُ عَظِيمٌ، وَالْمَوْهُوبُ جَلِيلٌ! وَعَلَيْكَ عَبْدَاللهِ! أَنْ تُكْثِرَ لَهُمْ مِنَ الدُّعَاءِ بِالْهِدَايَةِ وَالرُّشْدِ وَالتَّوْبَةِ وَالْأَوْبَةِ، وَلَا تَمَلَّ مِنْ قَوْلِ: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ»، فَهِيَ كَنْزٌ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ، وَبَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْفَتْحِ. مَنْ دَاوَمَ الطَّرْقَ عَلَيْهِ فُتِحَتْ لَهُ جَمِيعُ الْأَبْوَابِ، وَاللهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ وَمَا يَشَاءُ، يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَضْلًا، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ عَدْلًا، فَهُوَ -سُبْحَانَهُ- الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ الْبَرُّ الْكَرِيمُ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، وَقَدْ قَالَ عَلِيٌّ : «النَّصِيحَةُ ثَقِيلَةٌ فَلَا تُلْقُوهَا جَبَلًا وَلَا تَجْعَلُوهَا جَدَلًا». وَالنُّصْحُ عَلَى الْمَلَأِ يُوغِرُ الصَّدْرَ وَيَفْتَحُ بَابَ الشِّقَاقِ لِذَا فَإِنَّ صَرْفَ النَّاسِ عَنِ الْمُخَالَفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ لَا يَكُونُ بِمَا يُوَرِّطُهُمْ فِي الْمِرَاءِ وَالْجَدَلِ وَلَكِنْ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَشَغْلِهِمْ بِالْحَقِّ عَنِ الْبَاطِلِ وَدَعْوَتِهِمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى أَوْجُهِهِ الْمَشْرُوعَةِ، وَلَيْسَ بِمَا يَصُدُّهُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَبِمَا يُنَاقِضُ التَّوْحِيدَ فِي طَرِيقَةِ تَعْلِيمِهِمُ الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ، فَهُمْ أَحْوَجُ إِلَى شَيْءٍ مِنَ اللِّينِ وَالرِّفْقِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗﱘ ﴾ [سورة آل عمران: 159]؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ: «إِنْ لَمْ تَشْغَلْ نَفْسَك بِالْحَقِّ شَغَلَتْكَ بِالْبَاطِلِ». وَمَنْ لَمْ يَسْعَ إِلَى إِصْلَاحِ غَيْرِهِ بِالطَّرِيقَةِ الدَّعَوِيَّةِ الصَّحِيحَةِ فَهُوَ سَاعٍ إِلَى إِفْسَادِهِ، وَالسَّعْيُ إِلَى الْإِنْكَارِ عَلَى الْوَالِدَيْنِ عَلَيْهِ وَالْمُوَاجَهَةِ وَالْمُصَارَحَةِ هَذَا لَيْسَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِنَّمَا هُوَ افْتِئَاتٌ عَلَى الْوَالِدَيْنِ وَعُقُوقٌ لَهُمَا فَكُنْ دَاعِيًا لَهُمْ بِبِرِّكَ لَهُمْ وَخَفْضِ جَنَاحِكَ وَغَضِّ الطَّرْفِ عَمَّا يَقَعُونَ فِيهِ مِنْ مُخَالَفَاتٍ حَتَّى تَمِيلَ قُلُوبُهُمْ إِلَيْكَ وَبَعْدَ ذَلِكَ سَيَأْخُذُونَ عَنْكَ بِسُهُولَةٍ وَيُسْرٍ. وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. وَكَتَبَهُ فَضِيلَةُ الشَّيْخِ: أَبِي عَبْدِاللهِ صَلَاحِ بْنِ مُحَمَّد غَانِم رَحِمَهُ اللهُ وَوَلَدَيْهِ رَحْمَةً وَاسِعَةً وَأَسْكَنَهُمُ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى مِنَ الْجَنَّةِ

ملف نصي

فَوَائِدُ_وَدُرَرُ_فَضِيلَةِ_الشَّيْخِ
ملف نصي
عرض
فَوَائِدُ_وَدُرَرُ_فَضِيلَةِ_الشَّيْخِ
ملف نصي
عرض

تفاصيل مؤلفة الشيخ

الزيارات
49 مشاهدة
تاريخ الإضافة
الاثنين 1448‏/03‏/04 1448‏/ربيع الأول‏/04

مشاركة مؤلفة الشيخ

49 مشاهدة

مؤلفات الشيخ ذات صلة