الحقوق والحرمات في خطبة الوداع - التفريغات

فضيلة الشيخ صلاح غانم · 8 مشاهدة

الحقوق والحرمات في خطبة الوداع

الحقوق والحرمات في خطبة الوداع

المحتوي

خطبة (الحقوق والواجبات في خطبة الوداع) فَضِيلَة الشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ صَلَاحٍ بْنِ مُحَمَّدٍ غَانِمٍ (رحمه الله) إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّه مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. • أمَّا بَعْدُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران102] ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [ النساء1] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا 70 يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب71] فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. • أَمَّا بَعْدُ: فما من شيء إلا وله ظاهر وباطن, وله صورة وحقيقة وفي الغالب الأعم صورة الشيء وظاهره يُنبيك عن حقيقته وباطنه؛ فإنك إذا لقيت رجلا علا على وجهه البشر والفرح فهذا خير دليل على اطمئنانه ورضاه؛ وإذا رأيت رجلا علا على وجهه الكآبة والحزن فهذا خير دليل على قلقه واضطرابه, فظاهر الشيء ينبيك في الغالب الأعم عن باطنه. والله رب العالمين شرف هذه الأيام وجعلها خير أيام العام فإذا أردت أن تعرف حقائق الناس هذه الأيام فأنظر إلى صورهم وظواهرهم؛؛؛ فما من ذاكر في هذه الأيام إلا وهو يدلك بذكره على تقواه وإيمانه... وما من غافل في هذه الأيام إلا وهو يدلك بغفلته على زيغ نفسه واضطرابه في عقيدته... لأن الذي يرى أمامه كنزًا ثمينا ومالا عظيما ثم يمضي هكذا من غير ما أن ينظر إليه ولا أن يأخذ منه فهذا يدل على سفهه وطيشه وحمقه ونزقه. فيا عباد الله كيف أحوالكم في هذه الأيام العشر؟ كيف صلاتكم؟ كيف ذكركم؟ كيف إنفاقكم؟ كيف صيامكم؟ كيف بركم؟ كيف صلتكم لأرحامكم؟ هذا كله يدلكم على حقائق ما تنطوي عليه قلوبكم, يدلكم على إيمانكم أو على نفاقكم, يدلكم على حرصكم أو على تفريطكم. لأن الله رب العالمين جعل تعظيم شعائر هذا الدين من تعظيم دين الإسلام العظيم. فمن علامات تعظيم دين الإسلام العظيم تعظيم شعائره؛ لأن المسلم الحق ترتبط نفسه بشعائر دين الإسلام إرتباط الروح بالجسد, وإرتباط النفس بالنفس. ولقد جعل الله رب العالمين لكل وقت عبادة تتعلق به وشعائر تميز تلك العبادة عن غيرها من العبادات؛ ويتميز الناس في هذه العبادة!! يتميزون إلى مسلم وفاسق؛ إلى مؤمن وفاجر؛ إلى تقي وشقي؛ يتميز المسلم عند وقت تلك العبادة وشروعها يتميز المسلم إلى فريقين إلى مسلم متمسك بدينه وإلى مسلم متهاون مفرط فيه؛ فالأذان من الشعائر الظاهرة التي تميز الصلاة عن غيرها, وهنا يفترق المسلمون إلى مسلم غافل لاه في عمله وفي لعبه وطيشه... وإلى مسلم حريص على عبادة ربه وإجابة داعيه. فإجابة المؤذن والسعي إلى الجمع والجماعات من الشعائر الظاهرة التي تميز بين الصادق والكاذب؛ بين الصادق في تدينه وبين الكاذب المخادع فيه. وملابس الإحرام في موسم الحج علامة فارقة بين المحرم بالحج والعمرة وغيره من غير الحاجين والمعتمرين فصورة الرجل الذي قد لبس ملابس إحرامه تدلك بظاهرها على أنه ممن نوي حج بيت الله الحرام؛ هذا الملبس يميز بينه وبين من لم يحرم ولم ينوي. فانظروا عباد الله! انظروا إلى بواطنكم تعرفوا حقائقكم؛؛؛ انظرو إلى أفعالكم وأقوالكم تعرفوا حقيقة إيمانكم وبركم. وفي هذه الأيام المباركات شعائر عظيمة فهي أيام مليئة بالشعائر ينبغي على المسلم أن يعظمه وأن يعمل به وأن يدعو إليه, فمن شعائر هذه الأيام (التكبير والتحميد والتهليل), هذه إنما هي من شعائر هذه الأيام ومن شعائرها الأضحيه, ومن شعائرها إجتناب الحرام بكل صورة الظاهرة والباطنة, ومن شعائرها الحج والعمرة لأنها أيام عظيمة, فهي أيام العشر التي أقسم الله رب العالمين بها في كتابه فقال سبحانه ﴿ وَالْفَجْرِ 1 وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾ وقال علماؤنا عليهم الرحمة :شرف الليلة يُنبيك عن شرف اليوم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:« ركعتي الفجر خير من الدنيا وما فيها». وركعة الفجر إنما هما اللتان يصليان قبل صلاة الصبح فإذا كانت ركعة فجر خير من الدنيا وما فيها!! فما بالك بصلاة الصبح؟ أجرها عظيم لا يستطيع أحد أن يعرف ذلك القدر لذا ذكر النبي ﷺ بما دونه. فحين يقسم الله رب العالمين على ليالي هذه العشر فهذا يدلك دلالة واضحة عظيمة على فضل هذه الأيام ففيها يخرج الحجيج إلى عرفات وفيها( التكبير والتهليل والتحميد والتسبيح), وفيها الأضحية, وفيها يوم عرفة, وفيها يوم النحر, وفيها يوم القر, وفيها أيام التشريق خير أيام الدنيا جميعا. تعظيم هذه الشعائر والعمل بها والدعوة إليه بالبدن والقلب واللسان والمال علامة فارقة بين الذاكرين والغافلين... علامة فارقة بين الجادين المترفعين والهاذلين المائعين.... العمل بشعائر هذه الأيام علامة فارقة بين السائرين على خطى النبي الامين ﷺ والصحابة المطهرين, وبين أهل البدع واللاعبين. لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يعظمون هذه الأيام أيما تعظيم وخذ على ذلك مثالا؛؛؛ وهو الذكر والتكبير فقد كانوا الصحابة رضوان الله عليهم يجهرون بالذكر والتكبير في أيام العشر في الشوارع والطرقات والمجالس والأسواق والمساجد والبيوت حال يقظتهم وعند استعدادهم لمنامهم. فعبدالله ابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنه وغيرهم كثير, كانوا يعلنون التكبير في طرقه وأسواقه, وكان عمر رضي الله عنه يكبر في هذه الأيام وهو بمنى ,يكبر الناس بتكبيره, ليعلنوا شعيرة من شعائر هذا الدين تقربا بها إلى الله رب العالمين وامتثالا لأمره وعملا بهدي نبيه صلى الله عليه وسلم . هذا التكبير شعار الذاكرين هذا التكبير علامة فارقة بين الذاكرين والغافلين حين يكبر المكبر ويسبح المسبح ويهلل المهلل يجعل في الحياة أثرا فاعلا, فإن ذلك يؤثر في نفسية المحيطين به فيستيقظ من سباتهم الغافلون, ويرعوي عن سماع التكبير الأصوات المذنبون, ويأسى بأثره على أحوال الكسالى والمفرطون, ويعود إلى رشدهم السفهاء فاشلون. فهلا أيها المسلمون أظهرتم شعائر هذا الدين في هذه الأيام الفاضلة... بتكبيركم؛ بصيامكم؛ بحرصكم على صلواتكم؛ املؤوا المساجد الفارغة املؤوا المساجد الخاوية. لم لا يجتمع الناس في هذه الأيام يملؤون المساجد التي خربت؟!! ما الذي يشغلهم عن صلواتهم وهي أعظم شعيرة تدل على تقواهم وإيمانهم ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ فأثبت الله الإيمان لأهل عمارة بيوت الرحمن في هذه الأيام؛؛ تدخل المسجد لا ترى فيه إلا عشر أو عشرين!! أين المسلمون؟ مر أبو هريرة رضي الله عنه بالسوق فقال: أيها الناس تبيعون وتشترون وميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم في المسجد!! فترك الناس الأسواق وتركوا البيع والشراء وذهبوا إلى المسجد يريدون الميراث ,يريدون الذهب والفضة, فماذا وجدوا في المسجد؟ وجدوا راكعا مع الراكعين أو ساجدا مع الساجدين أو ذاكرا في الذاكرين أو تاليا في التاليين.... فقالوا : يا أبا هريرة أين ميراث رسول الله؟ فقال رضي الله عنه :ما ترون صلوات المصلين, وذكر الذاكرين, وتلاوة التالين, هذا ما خلفه لكم رسول الله ﷺ رسول رب العالمين. هذا الإرث هو سبب البركة, وسبب النماء, وسبب العزه, وسبب رفع البلايا, قال تعالي ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ 96ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾. والله الذي لا إله إلا هو لو عاد الناس إلى الله رب العالمين في هذه الأيام العشر لرخصت أسعارنا وشُفينا من أمراضنا ورفع عنا بلاؤنا وقيد الله رب العالمين السماء والأرض ليعود إلينا نيلنا ومياهنا.... هذا هو الحق الذي ينبغي أن تعتقده فلاحك, وصلاحك, وتوفيقك في تمسكك بدينك والعرض عليك. لما وقع عوف ابن مالك الأشجعي في الأسر فذهب إلى النبي ﷺ متأسيا على ولده الذي فقده, وهو بين عشية أو ضحاها يسمع عن بيعه أو قتله فقال له النبي ﷺ: اصبرا واتقي الله رب العالمين أي- أنت وامرأتك- وأكثرا من قول (لا حول ولا قوة إلا بالله), فما هي إلا أيام قلائل وعاد عوف رضي الله عنه بمالًا, قطيع من الإبل, فقال له أبوه: كيف عدت يا ولدي؟ قال والله لقد فك الله أسري وأغفل الله عني عدوي حتي خرجت فوجدت قطيعا من الأبل فركبت ناقة فقامت فقام القطيع بقيامها فسارت فسار القطيع بسيرها حتى أتيت إليكم, فقال: لا تفعلوا شيئًا حتى نذهب إلى رسول الله ﷺ, فقال النبي صلى الله عليه وسلم ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. إن الله رب العالمين جعل شعائر هذا الدين خير دلالة على تمسك أصحابه به. فهلا أظهرتم أيها المسلمون شعائر ربكم بين أبنائكم وجيرانكم وأعمالكم وطلابكم وتجاركم وصناعكم وولاة أموركم؛ هلا أظهرتم تمسككم بدينكم لعلهم بدينهم يتمسكون, هلا أظهرتم حرصكم على سنة نبيكم فلعلهم بحرصكم يحرصون. وإن المرء ليتأثر بمن هو بجواره!!! وإذا أردت أن تعرف نفسك فانظر إلى جليسك وصاحبك.... جليسك وصاحبك يدلان عليك ويؤثران فيك, ويغيران من حالك ومنالك, فاظهروا عباد الله شعائر الله, أعلنوا التكبير في هذه الأيام الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد اجعلوها في أرواحكم وغدوكم؛ اجعلوها في بيوتكم وأسواقكم, اجعلوها في ألسنتكم وفي أصل قرار قلوبكم. الله رب العالمين لا يسوي بين ذاكر وغافل .... ولا يسوي الله رب العالمين بين مؤمن وفاجر.... فأما الذين آمنوا فسوف يؤتيهم الله رب العالمين من فضله في الدنيا والأخرة؛ وأما العصاة الفجرة فلا تنتظر إلا خراب بيوتهم, لا تنتظر إلا ما ينزل عليهم من بلايا ربهم. نبيكم صلى الله عليه وسلم منذ ألف وأربعمائة واثنتين وثلاثين عاما, وقف النبي ﷺ في مثل هذه الأيام خطيبا يخطب في الصحابة رضوان الله عليهم وهذه صورة الخطبه الظاهرة ولكن.... هذه الخطبة إنما هي خطبة ووصية إلى المسلمين إلى قيام الناس لرب العالمين؛ فحينما تسمع خطبة النبي صلى الله عليه وسلم فأرعها سمعك, وأعلم أنها لك وإليك ؛أرادك النبي صلى الله عليه وسلم بها وإنها ستكون حجة عليك بين يدي الله رب العالمين أو أن تكون حجة لك بين يديه. نبيكم صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الأيام حمد الله رب العالمين وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس اسمعوا مني لأبين لكم فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد هذا في موقفي هذا؛ أيها الناس إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا, في شهركم هذا, في بلدكم هذا, وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلغت فمن كانت عنده أمانة فليؤديها إلى من أئتمنه عليها, وإن كل ربا موضوع ولكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون, وإن أول ربا أضعه ربا العباس عمي- ربا العباس ابن عبد المطلب- بغضهم كله, وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع وإن أول دماءكم اضعوا دماء عامر ابن أبي ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية. إن أموالكم وأعراضكم ودمائكم حرام عليكم!! كيف هذا؟ كيف يكون مالك؟ حرام عليك كيف يكون عرضك حرام عليك؟ كيف يكون دمك حرام عليك؟ لأن المقصود بالضمير هنا إن دماءكم أي –دماء المسلمين- حرام على المسلمين, وإن أموال المسلمين حرام على المسلمين, وإن أعراض المسلمين حرام على المسلمين, ولكن النبي ﷺ أضاف ذلك إليه؛ لتعلم أن مال أخيك هو مالك, وأن عرض أخيك هو عرضك, وإن دم أخيك هو دمك؛ فإذا ما فرطت في ماله فقد فرط في مالك, وإذا ما فرط في عرضه فقد فرطت في عرضك, وإذا ما تجرأت على دمه فقد تجرأت على دمك, لأن الجزاء من جنس العمل. وإن الأمة التي تستبيح الأموال تستباح أموالها... وإن الأمة التي تستبيح الأعراض تستباح أعراضها.... فإن الأمة التي تستبيح الدماء تستباح دماؤها. إذا ما كثر الفساد فسيصل إليك في مخدعك؛ إذا كنت صاحب مال ولست بأمين أتريد من عامل أن يكون أمينا عليك؟ إذا كان الأبعد يتلاعب بالنساء زيغا ومجونا وينتظر أن يحفظ عرضه, سيفتك عرضه!! أيظن من يتجرأ على الأعراض ثريا وغيبة ونميمة وبهتانا أنه بمنع عن ذلك إن ربك لبالمرصاد. انظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين يضع دمائه أول دم يضعه دم ابن عمه؛ وحينما يضع الربا فإن أول ربا يضعه ربا العباس عمه, وهكذا يجب عليه ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾. تريد من ولدك أن يكون بارًا بك ولست أنت بارا بأخيك!! تريد من عامل أن يكون أمينا عليك وأنت لست بأمين عليه!! هذا والله هو السفه والطيش . لأن ربان السفينة إذا أخذت الأمواج بالسفينة فإنه يكون أخر الناس نزولا لا يخاف على نفسه ولكن ...يخاف أولا على راكب السفينة. وأنت أنبغي عليك أن تخاف على مجتمعك, تخاف على أسرتك, تخاف على زوجك, تخاف على ولدك, تخاف على مالك... احفظ أعراض المسلمين, واحفظ أموال المسلمين, واحفظ أبناء المسلمين؛ احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله. النبي صلى الله عليه وسلم يأمر ويأتمر؛ وينهى وينتهي؛ أما أولئك الذين يأمرون ولا يأتمرون؛ وينهون ولا ينتهون. بيّن النبي صلى الله عليه وسلم مآلهم في الأخرة؛ فإن الرجل منهم تندلق أقطاب بطنه- مصارينه- وهي عظيمة وأنّى له أن يتحرك وهي مصارينه فيدور حولها كما يدور الحمار حول الرحى!! وما اسوأ هذا المنظر وما أفظعه.... فانشغل أصحاب النار عن النار وعذابهم فيقولون: يا فلان ما لك؟!! ألم تكن تأمرنا بالمعروف؟!! وتنهانا عن المنكر؟!! فيقول: بلى كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه, وأنهاكم عن المنكر وآتيه. قضية القضايا ورزيه الرزايا أن تجد الرجل آمرا ناهيا غير مؤتمر ولا منتهي فهذا حاله وهذا مآله, والله رب العالمين قد أنكر عليه ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: بين مآثر الجاهلية موضوعة وأن الشيطان قد يئس بأن يعبد بأرضكم وإنما رضي بما دون ذلك من المحقرات, الشيطان أن يأخذك إلى الكفر دفعة واحدة ولكن يأخذك إلى التهاون والتفريط والتقصير حتى يقع الأبعد في الكفر إلى أذنابه؛ فأحذر أن تكون مفرطا أو أن تكون مقصرا أو أن تكون غافلا, وبخاصة في هذه الأيام العشر المباركات. وصلى الله وسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده صلى الله عليه وعلى آله وسلم, أما بعد.... فقد أعلن الله رب العالمين الغاية من إرسال رسوله صلى الله عليه وسلم فقال سبحانه ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ أي- ما أنزلنا عليك القرآن وما أمرناك بما أمرناك به وما نهيناك عما نهيناك عنه إلا من أجل أن تدعو الناس إلى ذلك- فإذا ما استجابوا صارت رسالتك ودعوتك سببا إلى رحمتهم في الدنيا والآخرة؛ وإذا ما أعرضوا وعاندوا صارت رسالتك ودعوتك سببا في شقائهم في الدنيا والآخرة . فيا من تريد أن تكون رسالة النبي الأمين رحمة عليك وعلى أخيك وولدك لا تولها ظهرك ولكن.... أقبل عليها تعلما وعملا ودعوة من أجل أن تصل إلى رحمة الله في الدنيا والآخرة, ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ﴾ المغفرة لها أسباب؛؛ لا يغفر الله رب العالمين لمتجرأ على المعصية... لا يغفر الله رب العالمين لمتجرأ عن العطيه ولا يغفر الله رب العالمين لمعرضا عن الذكر. وأما المغفرة إنما تكون لمن أخذ بأسبابها وصار في طريق الوصول إليها. فرسالة النبي صلى الله عليه وسلم هي أعظم أسباب رحمة هذه الأمة في الدنيا والآخرة, ولو أنك تصورت المجتمع في هذه الأيام؛ ملئت به المساجد, وسُمع تكبيره وذكره, وكثر إنفاقه وبذله, وغلب صيامه وقيامه, وامتنعت أفواه القوم عن الغيبة والنميمة, وعلى ذكرهم وتلاوتهم لكتاب ربهم أقبلوا. أتظن أن المجتمع سيظل على حاله؟!! لا والله, لأن الله رب العالمين قال للكفرة الملاعين, قال الله لمن سب ونسب إليه الولد ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا ﴿لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾ يقول الله رب العالمين لمن كفر به لمن نسب إليه الولد لمن قال يد الله مغلولة.. لمن قال إن الله فقير ونحن أغنياء.. لو أنه آمن وأتقى وعاد إلى ربه لأكلوا من فوقه ومن تحت أرجلهم فكيف بالأمة الموحدة؟!!كيف بالأمة المصلية؟!! كيف بالأمة القائمة؟!! كيف بالأمة الذاكرة؟!! كيف بأمة هي خير أمة أخرجت للناس؟!! عباد الله في هذه الأيام شعيرة الأضحية, والبيت الذي فيه سعة ولا يضحي هذا بيت يخشى عليه!! لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان عنده سعة من المال فلم يضحي فلا يقربن مصلانا» وإنك لترى السفه في الإنفاق ولا ترى البذل في التضحية, ترى السفه يسافرون ليأكلوا ويشربوا ويصيفوا ويفسقوا ويصرفون الآلاف المؤلفة ويأتي الواحدة أمام الأضحية فيدعي الشح والفقر!!! ولو أن الله ابتلاه بمرض فأقعده وأذله لجمع الآلاف المؤلفة من أجل أن يعود إلى ما كان عليه. بدنك أعظم عندك من سنة نبيكﷺ, راحتك أعظم عندك من اتباع أمر ربك ونبيك قال تعالي ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ 1 فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ 2 إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ 3﴾ أي -صلي صلاة العيد ثم انحر النسك- هي الذبائح التي يتقرب بها إلى الله رب العالمين؛ والمسلم قانونه ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾, وقال تعالى ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ ﴾, ﴿ لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۗ فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا ﴾ أي اسمعوا وأطيعوا واخضعوا, أي قصر من قصر في إخراج الزكاة؛ وقصر من قصر في الأضحية؛ وقصر من قصر في العقيقة؛ وقصر من قصر في الوليمة؛ ومن قصر في إكرام الضيف منع الله رب العالمين أسباب ذلك. تريدون دينكم؟ تريدون مياهكم؟ ضحوا لأن الله رب العالمين تكفل أن يسقي أرض لتخرج الزرع لتأكل الأنعام, فإذا ما ذبحت أنعامكم في مرضات ربكم فإن الله رب العالمين لا يمنع الماء عن أضاحيكم, فاكسوا ماؤكم ويجري نيلكم ويكثر الخير على أرضكم. قرية سبأ كانت قرية آمنة مطمئنة وكان الواحد منهم يمشي من العمران لا يطول سفره, مدينة بجوار مدينة, وقرية بعد قرية, والطرق عامرة عامرة بالمزارع والحدائق ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ ماذا آل أمرهم... آل أمرهم إلى خراب الدور وإلى حرق الجنان والأشجار. وانظر إلي الجوع بعد الشبع, آل أمرهم إلى التعب بعد الراحة, آل أمرهم إلى الحاجة بعد الكفاية. فيا عباد الله إنما جعل المال لينفق, وإنفاقه في مرضاة خالقه. لا نقول بذروا ولكن نقول انفقوا, والإنفاق في مظانه الذي أعطاك والذي أمرك أن تنفق الذي كفاك, والذي أمرك أن تفعل الذي إمتن عليك, والذي أمرك أن تمن بشيء من مالك أو غيرك. فيا عباد الله من أراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره, ولا من ظفره, ولا من جسده شيئا حتي يدبح ضحيه, فقال علمائنا عليهم الرحمه: يحرم علي كل من أراد أن يضحي أن يأخد شئ من تلك الأشياء. والنبي صلى الله عليه وسلم دلنا على عظم الصيام يوم عرفة, يوم جعل الله صيامه لتكفير سنتين سنة ماضية وسنة قابلة, بشرط أن تكون من الكبائر تائبا, أن تكون عن المحرمات مبتعدا, وأما أولئك الذين يقولون نصوم يوم عرفة فيغفر الله لنا ذنوب سنة ماضية وذنوب سنة قابلة ونفعل ما نريد هؤلاء السفهاء- حمقى طائشون-. رأى أبو حنيفة رجل يقف أمام بائع فاكهة وكانت ثيابه لها كُم عظيم فيجعل يده هكذا وكمه على الفاكهه ثم يقذف بالفاكهة فتسقط في كمه فياخذ عشرا من الحبات, ثم يرفع يده هكذا فتنزل إلى كيس قد جعله فإذا ما ملأ انطلق من غير أن يراه البائعة؛؛ مر على الفقراء فأعطى هذا حبة, وهذا حبتين, وهذا ثلاث!!! فقال له أبو حنيفة :يا هذا إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا؛ فقال من أنت قال: أنا أبو حنيفة, قال: كنت أسمع عنك وما كنت أعلم أنك قد نزلت في الفقة إلى هذه الدركة, قال كيف؟ قال أليس الله يعطي العشر حسنات على الحسنة؟!! قال: بلى, قال: فإني أسرق حبات عشر فيكتب علي عشر سيئات, وأعطي هذا حبة وهذا حبة وهذا حبة, سيكون قد حصلت مئة حسنة!! فقال يا هذا إن الله رب العالمين طيب لا يقبل إلا طيبا ,وإن الحسنة المضاعفة هي الحسنة الطيبة؛ فسيئاتك سيئاتك وليس لك في فعلك حسنة. هذا قانون كثير من الناس أغفلوه أي- أغاني يسمعون وعلى شاشات يسهرون وفي المحارم يقعون- ويقولون: ربنا غفور رحيم!!! لا والله لا والله رب هؤلاء شديد العقاب, رب هؤلاء شديد الإنتقام, لأن الله تبارك وتعالى قال ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ 8 يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ثم ذكروا الله بعد ذلك ما لهم من العذاب الاليم. فاللهم اجعلنا ممن يعظم شعائر دين الإسلام العظيم, اللهم اجعلنا ممن يعظم شعائر دين الاسلام العظيم, اللهم اجعلنا في أيامنا هذه مكبرين مهللين حامدين مسبحين صائمين قائمين منفقين باذلين عن المحرمات مبتعدين. اللهم اعتق رقابنا في يوم عرفة يا رب العالمين. اللهم اعتق رقابنا من النار في يوم عرفة يا رب العالمين. وآخر دعوانا أن الحمد لله لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

ملف نصي

الحقوق والحرمات في خطبة الوداع
ملف نصي
عرض
الحقوق والحرمات في خطبة الوداع
ملف نصي
عرض

تفاصيل التفريغ

الزيارات
8 مشاهدة
تاريخ الإضافة
السبت 1448‏/02‏/25 1448‏/صفر‏/24

مشاركة التفريغ

8 مشاهدة

تفريغات ذات صلة