مخاطر استباحة المال العام - التفريغات

فضيلة الشيخ صلاح غانم · 8 مشاهدة

مخاطر استباحة المال العام

مخاطر استباحة المال العام

المحتوي

خطبة (مخاطر استباحة المال العام) فَضِيلَة الشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ صَلَاحٍ بْنِ مُحَمَّدٍ غَانِمٍ (رحمه الله) إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّه مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. • أمَّا بَعْدُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران102] ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [ النساء1] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا 70 يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب71] فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. • أَمَّا بَعْدُ: فإن النظرة الأولى إلى الأشياء نظرة عجلى حمقاء, لأنها ترى الأشياء ظاهرًا لا باطنًا, وترى الأشياء مقدمات لا نتائج, وإن العاقل حقا في دنيا الله رب العالمين هو الذي ينظر إلى الأشياء في حقيقتها لا في صورتها, وهو الذي يرى الأشياء في مئالاتها لا في مقدمتها. فكم من شيئ حلو طيب في ظاهره ولكنه خبيث مر في باطنه!! وكم من شئ يسرك في أوله ومقدماته ويضرك في آخره ونهاياته!! لذا ينبغي على المرء أن ينظر في حقائق الأشياء من حوله قبل أن تغره وتضره. والله رب العالمين هو خالق الخلق ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾[الملك14]. فإذا أن أردت أن تعرف الشئ فانظر إلى حقيقته عند خالقه ومالكه, إذا أردت أن تعرف الشئ فانظر إليه بعين من يعرف أوله من آخره, بعين من يرى مقدماته ونتائجه. والصحابة رضوان الله عليهم مع كونهم من أعقل الناس في دنيا الله رب العالمين ومع كونهم خير مجتمع بعد مجتمع الأنبياء إلى يوم الدين ومع ذلك نظروا إلى الأشياء ظاهرا فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم حقيقتها باطنا. فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عمرو ابن عوف رضي الله عنه قال« أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ : بَعَثَ أبَا عُبَيْدَةَ بنَ الجَرَّاحِ إلى البَحْرَيْنِ يَأْتي بجِزْيَتِهَا، وكانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ هو صَالَحَ أهْلَ البَحْرَيْنِ وأَمَّرَ عليهمُ العَلَاءَ بنَ الحَضْرَمِيِّ، فَقَدِمَ أبو عُبَيْدَةَ بمَالٍ مِنَ البَحْرَيْنِ، فَسَمِعَتِ الأنْصَارُ بقُدُومِ أبِي عُبَيْدَةَ، فَوَافَوْا صَلَاةَ الفَجْرِ مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ تَعَرَّضُوا له، فَتَبَسَّمَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حِينَ رَآهُمْ، ثُمَّ قَالَ: أظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ أنَّ أبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بشيءٍ قالوا: أجَلْ يا رَسولَ اللَّهِ، قَالَ: فأبْشِرُوا وأَمِّلُوا ما يَسُرُّكُمْ، فَوَاللَّهِ ما الفَقْرَ أخْشَى علَيْكُم، ولَكِنِّي أخْشَى أنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كما بُسِطَتْ علَى مَن كانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كما تَنَافَسُوهَا، وتُهْلِكَكُمْ كما أهْلَكَتْهُمْ ». إن الصحابة رضوان الله عليهم سرهم منظر المال عند مقدمه على يدي أبي عبيدة رضي الله عنه فاخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا الذي يسرهم هو الذي في عاجل أمرهم سيضرهم وأن هذا الذي سيفرحون به هو الذي غدًا سيكون سببا في حزنهم وبؤسهم.... فَوَاللَّهِ ما الفَقْرَ أخْشَى علَيْكُم، ولَكِنِّي أخْشَى أنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كما بُسِطَتْ علَى مَن كانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كما تَنَافَسُوهَا، وتُهْلِكَكُمْ كما أهْلَكَتْهُمْ ,لقد فتحت علينا الدنيا فما الذي فعلناه؟! لقد فتحت علينا الدنيا فكانت سبب شقائنا, وسبب ذلنا, وسبب تفرقنا, وسبب تمزقنا, وكنا قبل ذلك متحابين متوادين متعاطفين لما كنا فقراء كنا بقضاء الله وقدره قانعين غير ساخطين ولا متبرمين ولكن... لما فتحت الدنيا أقبلت النفس على الدنيا طلبا, وخافت من الفقر وصفا, ثم صار تصارع على بقاء المال صراعا وما ذاك إلا أننا لا نعلم حقيقة المال. حقيقة المال يخبرك عنه النبي صلى الله عليه وسلم فالمال نعمة ونقمة.... والمال منحة ومحنة.... والمال عطية ورزية ولكن..... مع من يكون المال منحة وعطية ونعمة ومع من يكون المال بلية ورزية ونقمة؟!!! إن الذي يعرف حقيقة المال هو الذي يستفيد به ويسخره لله. أما من رأى صورة المال فهذا الذي يضره ويغره والمال. عباد الله ليس مالك المال الذي في يديك, ليس بمالك وإنما هو وديعة الله عندك وفي ذلك يقول الله رب العالمين ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾[النور33]. إنك حين تعطي غيرك لا تعطيه من مالك ولا من فضلك وإنما تعطيه من مال الله الذي عندك, والله رب العالمين يخبرك أنك عما قريب تارك هذا المال مخلفه ورائك فقال الله عز وجل ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾[الأنعام94]. إن أكثر الناس في أمر المال مغبون... إن أكثر الناس في أمر المال في خسران مبين... حاله مع ماله كحال رجل له دابة يطعمها ويغذيها ولا يركبها ولا يستعملها فتستأسد عليه فإذا بها تعضه بفمها أو تضربه بحوافرها فتقضي عليه هكذا المال عند كثير من الناس. والنبي صلى الله عليه وسلم بين لك أن هذا المال ينبغي أن تكون على فقه في تصريفه فإن جمعه وتخزينه وتكميره ليس هو بالغاية التي من أجلها أعطاك الله هذا المال وإنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت, ولبست فأبليت, وتصدقت فأبقيت. اثنان زائلان وواحدة باقية!!! فأما ما تأكله, وما تشربه, وما تركبه, وما تسكنه هذا كله إلى زوال!! وأما ما تنفقه, وأما تبر به والديك, وتحسن به إلى جيرانك, وتقيم أصحاب العوز والحاجات فهذا الذي يبقى لك يوم يقوم الناس لرب الأرض والسموات. ما الذي عليه الناس يتنافسون؟! أيتنافسون في إطعام الطعام!!! أيتنافسون في إكرام الضيفان!!! أيتنافسون في كفالة الأيتام!!! أيتنافسون في قضاء دين المدينين, وكفاية حاجة المعووزين!!! إنما يتنافسون فيم يركبون, ويأكلون, ويشربون, ويدخرون وكل ذلك إلى فناء وهو حجة عليك. يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيم أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « يقولُ العبدُ : مالي مالي ، وإِنَّ من مالِهِ ثلاثًا : ما أكل فأفْنَى ، أو لبِسَ فأبْلَى ، أو أعْطَى فأقْنَى ، وما سِوَى ذلِكَ ، فهو ذاهِبٌ وتارِكُهُ للناسِ) ,تترك المال لغيرك يتمتع به وأنت تحاسب عليه, تترك المال لغيرك يعصي الله به وأنت تسأل عنه. عمر ابن عبدالعزيز رضي الله عنه لما قيل له: يا عمر ما خلفت لأولادك!! فقال: إن كانوا صالحين فالله يتولى الصالحين؛ وإن كانوا غير ذلك فوالله لا تترك لهم ما لا يستعملونه في غير طاعة الله رب العالمين. عبد الله أنت ذاهب ومالك حاضر باق, تذهب فلا يذهب معك, وتخرج فلا يخرج معك, وتدفن فلا يدفن معك إنما يخرج معك ويدفن معك ويدافع عنك عملك الصالح وصدقتك الباقية. فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فيم أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس ابن مالك رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يتبعُ الميِّتَ ثلاثٌ فيرجِعُ اثنانِ ويبقَى واحِدٌ يتبعُه أَهلُه ومالُه وعملُه فيرجعُ أَهلُه ومالُه ويبقى عملُهُ ». المال والأهل وديعة ولابد يومًا أن ترد الودائع. عبد الله أن هذا المال الذي تغنم به بالأمس كان في يد غيرك, وغدًا تخلفه ويصير إلى غيرك والحجة قائمة على من علم حقيقة المال!!! فاستعمله في مرضاة الرب الكبير المتعال, ومن غرته نفسه وساقته إلى اكتنازه وادخاره وأخده من غير حله ووضعه في غير حله فهو عليه وبال وخسران. على العبد أن يتذكر أنه موقوف بين يدي ربه ومسؤول عن ماله... يُسأل عن تحصيله وإنفاقه... يُسأل عن قليله وكثيره.... يُسأل عن أخده وعطائه... فعن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لا تزولُ قدَما عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يسألَ عن عمرِهِ فيما أفناهُ ، وعن عِلمِهِ فيمَ فعلَ ، وعن مالِهِ من أينَ اكتسبَهُ وفيمَ أنفقَهُ، وعن جسمِهِ فيمَ أبلاهُ ». تُسأل عن كل شيء مرة واحدة, وأما المال فتُسأل عنه مرتين: من أين حصلته؟؟ من أين اكتسبته؟؟ من أين جمعته؟؟ وهذا أمر يطول!! كل دينار وكل جنيه وكل ألف وكل مليون يقام عليه الحساب يوم القيامة, ثم بعد ذلك تُسأل عن إنفاقه أين انفقته؟؟ في حلال أم في حرام؟؟؟ في طاعة أم في معصية؟؟؟ في سنة أم في بدعة؟؟؟ في بر أم في عقوق؟؟؟ في إحسان أم في إساءة؟؟؟ وما أكثر المسيئين!!! ما أكثر المسيئين في دنيا الله رب العالمين حيث يضعون المال في غير موضعه بعد ما تعبوا في تحصيله وجمعه من حله. أفراح يعصى فيها الله رب العالمين هذه الأموال سيُسال عنها الذي أنفقها؟؟ أندية يذهب إليها من يذهب عابثا لاهيا ماجنا وينفق فيها الآلاف المؤلفة وسفرات وتصيفات ينفق فيها الأموال وهذه كلها عليها حساب من الرب الجليل المتعال. فما جوابكم عن إنفاقكم؟! ما جوابكم في إسرافكم؟! ما جوابكم في استعمالكم نعم ربكم فيم يغضب الله رب العالمين؟!. جعل المال نعمة فبه تقضى الحاجات, وبه تفرج الكربات, وبه يصل به العبد إلى مرضاة رب الأرض والسماوات ولكن... أي مال؟!! أنه المال الصالح مع الرجل الصالح. فعن عمرو ابن العاص رضي الله عنه قال: «بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاكرني أن آخذ على ثيابي وسلاحي ثم آتيه ففعلت فأتيته وهو يتوضأ فصعد إلى البصر ثم طأطأ ثم قال : يا عَمرُو، إنِّي أُريدُ أن أَبعثَك على جَيشٍ فيُغنِمَك اللهُ، وأَرغَبَ لك رغبةً منَ المالِ صالحةً، قُلتُ: إنِّي لم أُسلِمْ رغبةً في المالِ، إنَّما أَسلَمْتُ رغبةً في الإسلامِ، فَأكونَ معَ رَسولِ اللهِ، فَقال: يا عمرُو،‍ نِعْمَ المالُ الصَّالحُ للمَرءِ الصَّالحِ ». وأي مال أحل من مال يعطيه النبي صلى الله عليه وسلم ولكن... ما خُلق العبد ليكون جماعا للثروات وإنما خُلق ليكون عبدا لرب الأرض والسماوات. مقامك ليس ها هنا مقامك هناك, موطنك الأصلي ليس ها هنا وإنما موطنك الأصلي هناك, وما أنزلت إلى الحياة إلا عقوبة!! ما أنزل الله آدم إلى الحياة إلا عقوبة وقد وعده الله رب العالمين إن تاب وأناب أن يرده إلى موطنه, إلى موضعه, إلى مسكنه, إلى مأواه. فلم تأمن؟! ولم لهذه الحياة؟! تفرح وتحزن وتغضب وتثور وهي لا تساوي في المنتهى شيء, ولو كانت تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا فيها شربة ماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو وهو الذي يرفض المال قال: يا عمرُو،‍ نِعْمَ المالُ الصَّالحُ للمَرءِ الصَّالحِ, وبئس المال الطالح مع الرجل الطالح بل بئس المال الطالح مع الرجل الصالح!!! لأن المال الطالح يفسدك, والمال الصالح مع الرجل الصالح يصلحه لابد من توافق بين المال وبين منفقه, بين المال وبين جامعه. أما أولائك الذين يسعون في الخيانة لا يريدون إلا جمع المال واكتنازه هؤلاء غافلون, هؤلاء غدًا بين يدي الله سيندمون, ويتمنى المرء أن لو كان فقيرا معجزا!!! أن لو كان فقيرا مسكينا!!!. حينما يرى المال وحسرته يقول: ﴿ مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ28 هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾[الحاقة], فلا يكن ذلك حالك. عبد الله فهاهم أصحاب نبيك ﷺ ونظرتهم إلى المال. قال سعيد ابن المسيب ( لا خير في من لا يزيد جمع المال من حله يكف به وجهه عن الناس ويصل به رحمه ويعطي لله فيه حقه). المال من أجل أن تقوم بوظيفته في الحياة... من أجل أن تستخدمه... من أجل أن تجعله تحت مواطئ قدميك لترتفع به إلى الفردوس الأعلى من الجنة... وأما حمّال الأموال الذي يحمل الرجل على ظهره آلاف مؤلفة تجعل أنفه في التراب, تذله, تقله, تحقره, تدنسه. والله لو غضب عليك هذا المال بلا شيء لرفضته لخسة قدره وقلة قيمته فكيف حين يكون المال سببا في ذل الأبعد وخسرانه. الله رب العالمين هو الذي يعطي المال وهو الذي يهب وقد أمرنا أن نحافظ عليه، أن نحافظ عليه فلا نسرف فإن المسرفين كانوا إخوانا للشياطين, المسرف والشيطان أخوان, فمهما أعطاك الله من المال فلا تكن مسرفا. إن الإسراف يضر في الطعام والشراب واللباس والوطء والجماع. الإسراف يضر, وأمتكم أمة وسطا ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾[البقرة143]. الوسط هو أعدل الأشياء انفق ولكن في غير ما إسراف ولا مخيلة, أشرب ولكن لا تشرب حتى يضرك شرب الماء ويؤثر عليك, ولو أنك نظرت في أولئك الأطباء لرأيت أن أكثر الأمراض عند الأغنياء لا عند الفقراء.... أكثر المرضى هم الذين يأكلون ويشربون ويتمتعون... أما المعوزون الفقراء فقد أصحهم الله رب العالمين لأن المعدة بيت الداء ومنها يأتي المرض فقلل من طعامك وكثر من صيامك, قلل من إمساكك, وأكثر من إنفاقك حينئذ تكون في الحياة فاعلا؛ تكون في الحياة مؤثرا. أما أولئك الذين يأكلون ولا يشبعون, ويجنون ويكنزون ولا ينتهون فأولائك هم الواهمون النادمون. فاللهم اغفر وأرحم وأنت أرحم الراحمين. وصلي الله وسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده صلى الله عليه وعلى آله وسلم, أما بعد.. فإن مما يجهله أكثر الاغنياء أن إنفاقهم هو سبيل زيادة أموالهم, وأن إمساكهم هو سبيل خسرانه وضياع أموالهم. فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه «ما من يومٍ يُصبحُ العبادُ فيه إلا وملَكانِ ينزلانِ ، فيقولُ أحدُهما : اللهمَّ أعطِ مُنفقًا خلفًا ، ويقولُ الآخرُ : اللهمَّ أعطِ مُمْسكًا تَلفًا » , وكل من سار وراء جمع المال للمال فهذا عبد ماله فهو تعيس. النبي صلى الله عليه وسلم حكم عليه بالتعاسة فقال صلى الله عليه وسلم :«تَعِسَ عَبْدُ الدينار، تَعِسَ عَبْدُ الدرهم، تَعِسَ عَبْدُ الخَمِيصَة، تعس عَبْدُ الخَمِيلَة، إن أُعْطِيَ رَضِيَ، وإن لم يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وانْتَكَسَ، وإذا شِيكَ فلا انتَقَشَ» النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ودعاؤه مستجاب في من جعل المال إمامه, وجعل المال غايته، يدعو النبي صلى الله عليه وسلم بالتعاسة بل يدعو عليه النبيﷺ إذ أصابه شيء من الأذى ألا ينفك عنه, واذا شيك فلانتقش يعني-إذا دخلت الشوكة في قدمه لاسخر الله له من يخرجها. انظر كيف أبغض النبي صلى الله عليه وسلم من كان هذا وصفه. فيا من تدعي محبته أخرج محبة المال من قلبك, واجعله في يديك تصرفه لا يصرفك, تملكه لا يملكك, تستعمله لا يستعملك تكون على هديه, وعلى أثره, وعلى قصه, وعلى صراطه, ومن صار خلف نبيه حشر معه, ومن حشر معه دخل الجنة فتمتع بنعيمها أبد الآباد ودهر الداهرين. النبي صلى الله عليه وسلم أخبر« أن مثلُ هذه الأُمَّةِ كمثلِ أربعةِ نفرٍ رجلٌ آتاهُ اللهُ مالًا وعلمًا فهو يعملُ بعلمِه في مالِه يُنفقُه في حقِّهِ ورجلٌ آتاه اللهُ علمًا ولم يُؤْتِه مالًا فهو يقولُ لو كان لي مثلَ هذا عملتُ فيه مثلَ الذي يعملُ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ فهما في الأجرِ سواءٌ ورجلٌ آتاه اللهُ مالًا ولم يُؤْتِه علمًا فهو يخبطُ في مالِه يُنفقُه في غيرِ حقِّهِ ورجلٌ لم يُؤْتِه اللهُ علمًا ولا مالًا فهو يقولُ لو كان لي مثلَ هذا عملتُ فيه مثلَ الذي يعملُ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ فهما في الوِزْرِ سواءٌ ». لايغرك أنك غني, لا يغرك أنك صاحب مال وجاه وسلطان فيقع الأبعد في محبته ومحبة فعله, بينما الذي تحبه وترغب فيه غني شاكر, غني منفق فإذا ما أحببته وتمنيت أن تكون مثله فأنتما في الأجر سواء. وأما أولائك العابثون, وأما أولائك المستهترون, وأما أولائك الناهمون الجمّاعون فإياك ثم إياك ثم إياك أن تتمنى أن تكون مثلهم. فإنك تصاب بمصيبتين, يصاب الأبعد بمصيبتين: المصيبة الأولى أنه لم يجمع شيئا من المال, والمصيبة الثانية أنه يقام مقام العاصي في ماله فلا هو جمعه ولا هو منه استراح وانتفع لله رب العالمين. حرمة المال الذي هو مال أخيك كل مسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه, فإياك أن تتعرض لأموال الناس, فإن أموال الناس كما كانوا يقولون قديما( مال الناس كناس) أي- مال الناس يدخل على المال الحلال فيكنسه فيخرجه فيزيله- وأشد من ذلك أن من أكل مالًا بغير وجه حق فإنه يأتي يوم القيامة وقد نبت لحمه من حرام, ومن نتَبت لحمه من حرام فالنار أولى به, وأشد المال حرمة المال العام مال المسلمين. أشد المال حرمة المال الذي يعود نفعه على جميع المسلمين وهو بلغة العصر مال الدولة لأن الدولة ليست بملك لحكامها وإنما الدولة ملك لشعوبها, فإذا ما فرطت الشعوب في أملاكها فقد فرطت في مصلحتها. من المال العام يعالج المرضى... من المال العام يُعلّم الجهلاء... من المال العام ينفق على الموظفين... من المال العام يشترى السلاح... من المال العام يشترى الدواء... من المال العام تحفظ الثغور... فإذا ما ضيع الناس أموال دولتهم فقد ضيعوا أنفسهم, فقد ضيعوا مصالحهم. والله رب العالمين توعد من أخد مال دولة أو مال حكومة توعده بالعذاب الشديد يوم القيامة. فهذا هو النبي صلى الله عليه وسلم يبين حرمة المال العام في قوله تبارك وتعالى ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ ۚ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران161]. ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره ثم قال: «لا ألفيَنَّ أحدَكم يجيءُ يومَ القيامةِ على رقبتِهِ بعيرٌ له رُغاءٌ أو بقرةٌ لها خوارٌ أو شاةٌ لها ثُغاءٌ أو رقاعٌ تخفقُ فيقولُ يا محمدُ أغثْني فأقولُ لا أملكُ لك من اللهِ شيئًا قد أبلغتُكَ». الذين يقطتعون أموال المسلمين من أراضى ومبانى ومنشآت, ويتعدون على طرق المسلمين هؤلاء أشد الناس جرما وأشد الناس عذابا, لأنهم يتجرئون على حق مئة مليون من الناس لا شخص واحد ولا اثنين ولا ثلاث, وإنما يتجرءون على عشرات من الملايين. فيا عباد الله اعرفوا حقيقة المال واستعملوه على حقيقته, لا يغرنكم ظاهره الذي يسر, فإن من وراءه باطن يضر. وصلى الله وسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

ملف نصي

مخاطر استباحة المال العام
ملف نصي
عرض
مخاطر استباحة المال العام
ملف نصي
عرض

تفاصيل التفريغ

الزيارات
8 مشاهدة
تاريخ الإضافة
السبت 1448‏/02‏/25 1448‏/صفر‏/24

مشاركة التفريغ

8 مشاهدة

تفريغات ذات صلة