ذكر الله وأثره على استقامة النفس البشرية - التفريغات

فضيلة الشيخ صلاح غانم · 10 مشاهدة

ذكر الله وأثره على استقامة النفس البشرية

ذكر الله وأثره على استقامة النفس البشرية

المحتوي

خطبة (ذكر الله وأثره على استقامة النفس البشرية) فَضِيلَة الشَّيْخِ ابِي عَبْدِ اللَّهِ صَلَاحٍ بْنِ مُحَمَّدٍ غَانِمٍ (رحمه الله) انَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّه مِنْ شُرُورِ انْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ اعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَاشْهَدُ انْ لَا الَهَ الَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَاشْهَدُ انَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ -صلى الله عليه وعلى اله وسلم-. • امَّا بَعْدُ: ﴿يَا ايُّهَا الَّذِينَ امَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ الَّا وَانتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [ال عمران102] ﴿ يَا ايُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْارْحَامَ ۚ انَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [ النساء1] ﴿يَا ايُّهَا الَّذِينَ امَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا 70 يُصْلِحْ لَكُمْ اعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الاحزاب71] فَانَّ أصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وعلى اله وسلم-، وَشَرَّ الْامُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. • امَّا بَعْدُ: فإن تلك الحياة التي يحياها كل آدمي من يقظته إلى منامه, ومن ميلاده إلى مماته ليست هذه الحياة حياة بلا موت, وليست هذه الحياة دنيا بلا آخره ، وليست هذه الحياة أعمال بلا حساب ولا عقاب، وإنما هي دنيا يتبعها آخره, وحياه يعقُبها موت وأعمال يقام عليها الحساب, فإما آخذ بيمينه وإما آخذ بشماله, إما ناجي مسلم أو مخدوش مكردس. والمرء عامل لنفسه مخير بين الأمرين, والله رب العالمين جعل الإنسان في هذه الحياة عامل لأخراه كما هو عامل لدنياه، فأمرك الله رب العالمين أن تعمل لأخرتك كما أنت عامل لدنياك. والحياة الدنيا لا تصلح للمرء إلا بأن يحصل أمورا لا غنى له فيها عنه من مأكل ومشرب ومنكح ومسكن ومركب، وكذلك الآخره لا غنى للمرء عن تحصيل أمور لا تصح له الحياة فيها إلا بها من درجة وحسنة وطاعة وقربة وذكر وعمل صالح. والله رب العالمين قدر بين الحياة الدنيا وقدر الآخره ،فالدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، وإليها يركن من لا عقل له, ولها يجمع من لا علم له، إذا حلت أوحلت وإذا كست أوكست, حلالها حساب وحرامها عقاب, متاعها حقير وأجلها قصير, وأما الآخره فهي دار المأوى والقرار, هي دار المحيا والحيوان ، الجار فيها الله ذو الجلال والاكرام، والصحب فيها الأخيار الأبرار من الأنبياء والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ، الأهل فيها زوجات حسان وحور عين كأنهن بيض مكنون, والولدان فيها ولدان مخلدون يطوفون على آبائهم وأمهاتهم وبأكواب وأباريق وكأس من معين, وإن الذين يدخلون عليه من كل باب فهم ملائكه الله المطهرون. فإذا كانت الدنيا بهذه المثابة, والآخرة بهذه المثابة فلمَ يعمل المرء لدنياه أكثر مما يعمل لأخراه!! ، لمَ يحرص المرء على دنيا فانية ويغفل عن آخرة باقية!! لمَ يعمل المرء لدار تفنى وتبور ولا يعمل لآخرة تبقى وتدوم. ولقد بين الله رب العالمين ذلك في كتابه فقال : ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْاخِرَةُ خَيْرٌ وَابْقَي﴾والله تبارك وتعالى أمرنا أن نأخد بأسباب الآخرة بالمسارعه والمسابقة والتنافس فقال سبحانه ﴿وَسَارِعُوٓا الَىٰ مَغْفِرَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْارْضُ ﴾ وَقال سبحانه بعد ذكر مآل الأبرار ومآل الفجار, فذكر مآل الأبرار فقال : ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾. والأعمال ليست واحدة فأعمال الدنيا بعضها يتنفاضل عن بعض, وبعضها خير من بعض، وبعضها أزكي من بعض، وبعضها أرفع من بعض ، فالغني ماله خير من مال الفقير، والقوي بدنه خير من بدن الضعيف, والصحيح فيها خير من المريض, والعالِم فيها خير من الجاهل، فالناس يتفاضلون في دنياهم على حسب أعمالهم ومقاماتهم ودرجاتهم، وكذلك الناس يتفاضلون في أخراهم على حسب أعمالهم ومقاماتهم ودرجاتهم وأحوالهم. ولقد بين لنا ربنا تبارك وتعالى ما يصل المرء به إلى الدار الآخره من أعمال حسان ومقامات عظمى ودرجات رفيعة وأعمال عظيمة. وبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، فبين النبي صلى الله عليه وسلم خير الأعمال وبين أفضلها وأشرفها وأرفعها كل ذلك من أجل ألا يضيع على المرء حظه في أخراه من أجل أن يسابق مع المسابقين, من أجل أن يسارع مع المسارعين. فقد أخرج الترمذي وابن ماجه والإمام أحمد في مسنده عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أَلَا أُنَبِّئُكم بِخَيْرِ أعمالِكُم ، وأَزْكاها عِندَ مَلِيكِكُم ، وأَرفعِها في دَرَجاتِكُم ، وخيرٌ لكم من إِنْفاقِ الذَّهَب والوَرِقِ ، وخيرٌ لكم من أن تَلْقَوا عَدُوَّكم ، فتَضْرِبوا أعناقَهُم ، ويَضْرِبوا أعْناقكُم ؟ ! ، قالوا : بَلَى ، قال : ذِكْرُ اللهِ). أخرجه الترمذي (3377) واللفظ له، وابن ماجه (3790)، وأحمد (6/ 447) فبين النبي صلى الله عليه وسلم أرفع الأعمال وأفضل الأعمال وأشرف الأعمال وهو ذكر الله العزيز المتعال، وهو يسير على من يسره الله عليه وهو عظيم عند من عرف قدره وفضله. فالله رب العالمين مع الذاكرين ، فإذا ما ذكر المرء ربه في نفسه ذكره الله في نفسه, وإذا ما ذكر المرء ربه في ملأ ذكره الله رب العالمين في ملأ خير منه، وما تقرب العبد إلى الله شبرا إلا وتقرب الله إليه ذراعا، وما تقرب العبد إلى ربه ذراعا إلا تقرب الله رب العالمين إليه باعا. وإن في الدنيا جنة وإن في الآخرة جنة, فأما جنة الدنيا فهي: حلق الذكر, هي: حلق العلم. وفي ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم (إذا مررتم برياضِ الجنةِ فارتعوا، قيل : يا رسولَ اللهِ وما هي رياضُ الجنةِ؟ قال : حلَقُ الذكرِ) أخرجه الترمذي (3510)، وأحمد (12545)، وأبو يعلى (3432) واللفظ له. لأنها حِلق يُذكر الله فيها ،لأنها حِلق يمجد الله فيها لأنها حلق يُسبح الله فيها, لأنها حلق يؤمر فيها بالمعروف وينهي فيها عن المنكر. هذه الحِلق لشرفها وعظمها وفضلها فإن ملائكة السماء إذا تلمست حلقة من تلك الحِلق نادي بعضها على بعض: هَلُمُّوا إلى حاجَتِكُمْ قالَ: فَيَحُفُّونَهُمْ بأَجْنِحَتِهِمْ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، قالَ: فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ -وهو أعْلَمُ منهمْ- ما يَقولُ عِبادِي؟ قالوا: يَقولونَ: يُسَبِّحُونَكَ ويُكَبِّرُونَكَ، ويَحْمَدُونَكَ ويُمَجِّدُونَكَ، قالَ: فيَقولُ: هلْ رَأَوْنِي؟ قالَ: فيَقولونَ: لا واللَّهِ ما رَأَوْكَ، قالَ: فيَقولُ: وكيفَ لو رَأَوْنِي؟ قالَ: يقولونَ: لو رَأَوْكَ كانُوا أشَدَّ لكَ عِبادَةً، وأَشَدَّ لكَ تَمْجِيدًا وتَحْمِيدًا، وأَكْثَرَ لكَ تَسْبِيحًا، قالَ: يقولُ: فَما يَسْأَلُونِي؟ قالَ: يَسْأَلُونَكَ الجَنَّةَ، قالَ: يقولُ: وهلْ رَأَوْها؟ قالَ: يقولونَ: لا واللَّهِ يا رَبِّ ما رَأَوْها، قالَ: يقولُ: فَكيفَ لو أنَّهُمْ رَأَوْها؟ قالَ: يقولونَ: لو أنَّهُمْ رَأَوْها كانُوا أشَدَّ عليها حِرْصًا، وأَشَدَّ لها طَلَبًا، وأَعْظَمَ فيها رَغْبَةً، قالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قالَ: يقولونَ: مِنَ النَّارِ قالَ: يقولُ: وهلْ رَأَوْها؟ قالَ: يقولونَ: لا واللَّهِ يا رَبِّ ما رَأَوْها، قالَ: يقولُ: فَكيفَ لو رَأَوْها؟ قالَ: يقولونَ: لو رَأَوْها كانُوا أشَدَّ مِنْها فِرارًا، وأَشَدَّ لها مَخافَةً، قالَ: فيَقولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أنِّي قدْ غَفَرْتُ لهمْ، قالَ: يقولُ مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ: فيهم فُلانٌ ليسَ منهمْ، إنَّما جاءَ لِحاجَةٍ، قالَ: هُمُ الجُلَساءُ لا يَشْقَى بهِمْ جَلِيسُهُمْ), فيغفر له معهم. وهذا مقام الذاكرين, وهذا شرف الذاكرين, وهذا فضل الذاكرين، يجعل الله رب العالمين جليسهم وهو لا حاجه له في الذكر, وإنما يغفر الله رب العالمين له لكونه على مقربة منه. وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل الذكر هم السابقون الذين يأتون يوم القيامة فرادى واحد بعد الواحد. ففي صحيح مسلم عن أبي هريره رضي الله عنه قال : كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يَسِيرُ في طَرِيقِ مَكَّةَ، فَمَرَّ علَى جَبَلٍ يُقَالُ له: جُمْدَانُ، فَقالَ: سِيرُوا، هذا جُمْدَانُ، سَبَقَ المُفَرِّدُونَ، قالوا: وَما المُفَرِّدُونَ يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: الذَّاكِرُونَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ ). المفردون: الذين يأتون يوم القيامة فرادى يأتي الواحد بعد الواحد, يقال هذه أمه من الأمم فينتظر الناس, ينتظر الناس مجيىء الجمع الغفير, والعدد الكثير فيجدون رجل واحد﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾[النحل120]. فانظر إلى أثر الذكر دنيا وآخره, وكفى في شرف الذكر شرفا أن الله رب العالمين يباهي ملائكته بأهله. كما عند مسلم في الصحيح عن معاويه رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ خرجَ على حَلْقةٍ يعني من أصحابِهِ فقالَ ما أجلسَكم قالوا : جلَسنا ندعوا اللَّهَ ونحمَدُهُ ، على ما هدانا لدينِهِ ومنَّ علينا بِكَ قالَ آللَّهُ ما أجلسَكم إلَّا ذلِكَ قالوا آللَّهُ ما أجلسنا إلَّا ذلِكَ قالَ أما إنِّي لَم أستحلِفْكم تُهمةً لَكم وإنَّما أتاني جبريلُ عليْهِ السَّلامُ فأخبرَني أنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ يُباهي بِكمُ الملائِكةَ). عبد الله إذا أصبحت عند صباحك فوجدت اسمك واسم أبيك في جريدة من الجرائد, وقد ذكرك من محامد فلان بن فلان رئيسا أو وزيرا أو مديرا كان, فكيف يكون شأنك عند أصباحك؟ فكيف بك والله رب العالمين إذا ذكرته ذكرك عن أشرف الخلق ، ذكرك الله رب العالمين في الملأ الأعلى بين يدي جبريل وميكائيل وإسرافيل والملائكة المقربين, يقول الله رب العالمين: هذا عبدي فلان بن فلان ذكرني فاذكره بينكم. وذكر الله توفيقه, وذكر الله تأييده, وذكر الله رب العالمين معيته, وذكر الله إحاطته, وذكر الله دفاعه عن عبده, فلم تبخل على نفسك!! لم تبخل على نفسك عبدالله هذا الفضل العميق الذي لا يكلفك إلا حركة لسان ولكن.... الموفق هو من وفقه الله, والمسدد من سدده الله. وأهل الذكر أقوام عمرت قلوبهم بمحبة الله, وملئت نفوسهم بالشوق إليه, وهامت أرواحهم بلقائه, فأبدانهم على الأرض وأرواحهم تطوف حول العرش في السماء, فما زالت الأرواح تدفع الجوارح فيلهج اللسان بذكره, وتتقرب الجوارح إليه بحبه, ويسعى المرء جاهدا في إرضاءه. فلا تظنن أن الذي وفق للذكر رجل استعمل لسانه ولكن.... الذي وفق للذكر رجل استعمله قلبه وجنانه فدفعه قلبه الذي عمر بحب ربه, دفعه قلبه إلى ذكره, ودفعه قلبه إلى الثناء عليه, ودفعه قلبه إلى التقرب إليه بمحابه. نبيكم صلى الله عليه وسلم سُأل عن أفضل الأعمال, فما قال النبي صلى الله عليه وسلم: كثره صلاة النوافل, ولا كثره صيام الفرائض, ولا قال كثره الحج والعمره, ولا قال كثره الإنفاق وانما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟ فقال ﷺ : أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله. فرطب اللسان من رطب لسانه بذكر الله, هذا يتقرب إلى الله بأفضل الأعمال. ولقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يذكر له ضعفه وعجزه عن التقرب إلى الله بالنوافل فذكر: أن هذا الأمر عظيم وأنه عليه شديد, فهل من عمل يكفيه ذلك كله فقال له صلى الله عليه وسلم: لا يزال لسانك رطب من ذكر الله. فيا من عجز عن قيام الليل, يا من عجز عن صيام النهار, يا من بخل بالمال, يا من تخلف عن العلم.... أيعجزك أن تكون من الذاكرين!!! أيعجزك أن تكون على ربك من المثنين, أن تذكر الله رب العالمين في كل وقت وحين. بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن حركه اللسان إنما هي نابعة من حياه القلب، كما أن حركة البدن نابعة من حياة الروح فقال ﷺ :فيما جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (مَثَلُ الذي يَذْكُرُ رَبَّهُ والذي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ، مَثَلُ الحَيِّ والمَيِّتِ) أخرجه البخاري (6407)، ومسلم (779). فالذاكر لله حيّ, أحيا الله قلبه, أحيا الله عقله, ونور الله بصيرته.... وأما الذي لا يذكر الله رب العالمين فهو رجل أمات الله قلبه, وأعمي الله بصيرته, وأهمل الله رب العالمين نفسه، بل بيّن النبي ﷺ أن الفرق بين البيت الذي يذكر فيه الله, والبيت الذي لا يذكر فيه الله كالدنيا والقبر, كحياة الناس في دنياهم, وكحال الناس في قبورهم فقال ﷺ: ( مَثَلُ البَيْتِ الذي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ، والْبَيْتِ الذي لا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ، مَثَلُ الحَيِّ والْمَيِّتِ) أخرجه البخاري (6407)، ومسلم (779). فجعل بيت الذاكر بمنزلة بيت الحي, وبيت الغافل بمنزلة بيت الميت. قال القائل: فنسيان ذكر الله موت قلوبهم وأجسامهم قبل القبور قبور..... وأرواحهم في وحشة من جسومهم وليس لهم حتى النشور نشور. فنسيان ذكر الله موت قلوبهم وأجسامهم قبل القبور قبور, نسيان ذكر الله علامة فارقة على حياة القلب, وموته نسيان ذكر الله رب العالمين علامة على كون قلب العبد قبره، قال: وأرواحهم في وحشة من جسومهم وليس لهم حتى النشور نشور النبي صلى الله عليه وسلم بيّن أن الذاكر حي وأن غير الذاكر ميت.... وأن بيت الذاكر كبيت الأحياء, وأن بيت غير الذاكر كالقبر وما أدراك ما القبر. ونبيكم صلى الله عليه وسلم أخبر أن الذكر مستجلب به أمور عظام فقال ﷺ: (ما اجتمَعَ قومٌ في بيتٍ من بيوتِ اللَّهِ يتلونَ كتابَ اللَّهِ ، ويتدارسونَهُ فيما بينَهم إلَّا نزلَت عليهِم السَّكينةُ ، وغشِيَتهُمُ الرَّحمةُ ، وحفَّتهُمُ الملائكَةُ ، وذكرَهُمُ اللَّهُ فيمَن عندَهُ ) أخرجه مسلم (2699) مطولاً باختلاف يسير . أربع بأربع, أربع لا يُتوصل إليهن إلا بأربع يقوم المرء بهن . فالسكينة التي تورث راحه الضمير, وهدوء النفس, واستقرار البال, هذه السكينة لا يتحصل عليها إلا بالذكر. ورحمة الله رب العالمين لا تنزل إلا على الذاكرين وملائكة الله الطيبون، ملائكة الله المطهرون لا يجلسون إلا من كان على شاكلتهم من أصحاب الألسنه الذاكرة, والقلوب العامرة. وذكر الله تبارك وتعالى لعبده لا يكون إلا بعد ذكر العبد لربه, فإذا ما أردت أن يذكرك ربك فابدأ بذكره فإن الجزاء من جنس العمل. عباد الله إننا نعمر دنيانا ونحرص على أحسن ما فيها, فلم نخرب ديننا!! لم نخرب أخرانا ونجعل فيها ما لا يرضى الرب تبارك وتعالى ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾[النحل62]. الغفله تحزنكم, والنسيان يؤذيكم, والبعد يفرق بينكم، فلم تغفلون عن ذكر ربكم؟؟ لم تبعدون عنه؟؟ لم لا تاخذون بالوسائل التي لا تقربكم إليه؟؟ ولدك إذا نسيك أو ابتعد عنك أو جفاك ولا يصلك صار من العاقين وصار عندك من المغضوب عليهم, فلم تجعل ذلك حظك عند ربك؟؟ ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾[النحل62]. فاللهم احيى قلوبنا بذكرك, واقبل بنفسنا على حبك, واجعل ألسنتنا لاهجه بالثناء عليك ، وقلوبنا عامرة بالشوق إليك، ومجالسنا مليئة بذكرك. وصلي الله على نبينا محمد, صلى الله عليه وعلى آله وسلم. الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبى بعده, صلى الله عليه وعلي آله وسلم, أما بعد : فإن أطيب المساكن تلك التي عمرت جذورها, وغرست أشجارها, وحفرت أنهارها, فهذا البيت أغلى من بيوت الدنيا والحياة وأحلاها, وهذا الذي تذهب إليه كل نفس والآخره كذلك. أخبرك الله رب العالمين أن لك فيها جنة, وأن لك فيه دارًا, وأن لك فيها قصرًا, وأن لك فيها زرعًا, وأن لك فيها قصور وخيام ، كل ذلك لا تصل إليه إلا بذكر الله رب العالمين. فإن إبراهيم عليه السلام لما لقى النبى الهمام صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به قال النبىﷺ: لَقيتُ إبراهيمَ ليلةَ أُسْريَ بي فقالَ : يا محمَّدُ ، أقرئ أمَّتَكَ منِّي السَّلامَ علي خليل الله إبراهيم السلام والرحمة والبركة، فنبي الله إبراهيم يقرأكم السلام يسلم عليكم فردوا عليه سلامه عباد الله, ثم قال صلى الله عليه وسلم: وأخبِرْهُم أنَّ الجنَّةَ طيِّبةُ التُّربةِ عذبةُ الماءِ ، وأنَّها قيعانٌ ، وأنَّ غِراسَها سُبحانَ اللَّهِ والحمدُ للَّهِ ولا إلَهَ إلَّا اللَّهُ واللَّهُ أَكْبرُ ). قال علماؤنا عليهم الرحمة: الجنة خالية, جنتك خالية لا قصر فيها ولا زرع لا نهر فيها ولا شجر, أنت الذي تزرع شجرك, وأنت الذي تبني قصرك, وأنت الذي تحفر نهرك, فزارع وقاطع, وبان وهادم, وحافر وغير حافر!! قال علمائنا عليهم الرحمة: فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبره إبراهيم عليه السلام أن الجنة خالية لا بناء فيها ولا شجر, وأن من أراد أن يعمر جنته فعليه بطاعة ربه, وإن من أرجي أعمال المرء في إعمار جنته أن يذكر الله رب العالمين, فإذا ما قال: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) غرس له بكل واحدة شجرة في الجنة هذه الشجرة عظيمة القدر. أخبر نبيكم صلى الله عليه وسلم عن بعض أشجار الجنة فقال: شجرة يسير الراكب المجد تحتها مائة عام لا يقطعه، هذه شجرة واحدة لا تكلفك إلا أن تقول: سبحان الله, أو أن تقول الحمد لله, أو أن تقول الله أكبر, أو أن تقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وهو على كل شيئ قدير. وذكر الله حركة حياة فأهل الحق من أهل الفضل يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم, فلك في كل حركة ذكر, ولك في كل مكان ذكر, ولك في كل وقت ذكر, فعند يقظتك تذكر الله رب العالمين تقول ما علمك نبيك ﷺ: اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور. واذا أمسيت تقول: اللهم بك أمسينا وبك أصبحنا وبك نحيا وبك نموت وإليك المصير. بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا ما ينبغي المرء قوله عند صباحه, فإذا ما أصبح فقال :اللهم ما أصبح بي من نعمه أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر", فقد أديت شكر يومك, والشكر يستوجب الزيادة, الشكر يستوجب الزيادة, والكفر يستوجب النقصان . وبيّن لك نبيك صلى الله عليه وسلم ما تقوله عند دخولك وخروجك, فإذا ما دخلت بيتك فقل :بسم الله, وتسلم على أهلك وتقول: السَّلَامُ عَلَيْنَا وعلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ إن كان خالي, فإذا ما أردت الخروج تقول عند خروجك: بسمِ اللهِ، توكَّلْتُ على اللهِ، لا حَولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللهِ ، فيقول لك الملك عند ذلك: كُفِيتَ ووُقِيتَ، ويتنحَّى له الشَّيْطانُ, فيقول لشيطان آخر أراد بك سوءا: كيف لك برجل هدي وكفى ووقي. فانظر إلى تلك الكلمات أن تكون سببا في حمايتك، وتكون سببا في حفظ مالك, وتكون سببا في حفظ بدنك. فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله لدغني البارحة عقرب, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أما أنك لو قلت: أَعُوذُ بكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِن شَرِّ ما خَلَقَ, ما لدغك. ويقول لكم نبيكم صلى الله عليه وسلم من قال حين يصبح وحين يمسي: بسمِ اللهِ الذي لا يضُرُّ مع اسمِه شيءٌ في الأرضِ ولا في السَّماءِ وهو السَّميعُ العليمُ, لم يضره شيئ في يومه ولا مساءه, ذكر ذلك الحديث أبان ابن عثمان بن عفان رضي الله عنه وقد أصابه ما يسمى بالشلل الذي يقعده عن الحركة, فنظر إليه السامع متعجبا -يعني كيف تقول ذلك وقد أصابك ما أصابك- فقال: والله ما كذبت ولا كذب عثمان ولكن في اليوم الذي أصابني ما أصابني غضبت على أهلي فنُسيت ذلك الذكر فوقع بي ما ترى. فيا عباد الله عليكم بذكر الله رب العالمين, فإن ذكر الله تبارك وتعالى حياة القلوب, وإن ذكر الله رب العالمين شرف المؤمن, وإن ذكر الله رب العالمين مفتاح كل خير, وإن ذكر الله رب العالمين دفع كل شر. ألا ترى إلى نوح عليه السلام كيف نصره الله رب العالمين بذكره حين آذاه قومه فقال: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ 10 فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ﴾[القمر]. ألا ترى كيف نجي الله يونس عليه السلام لما وضع في بطن الحوت فقال:﴿ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾[الأنبياء87], فانجاه الله رب العالمين من الغم وكذلك ينجي الله المؤمنين . ألم تر كيف وهب الله زكريا بعد طول العمر حينما قال:﴿ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾[الأنبياء88]. ألم تر إلى أيوب كيف شفاه الله رب العالمين حينما قال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء83]. ألم تر إلى نبيك صلى الله عليه وسلم لما جاء له رجل مِن أسلم فقال: أسلم عادت الله ورسوله فادعوا الله عليها يا رسول الله, فقال النبيﷺ أسلم سالمها الله, فأتت مسلمة. وكذلك غِفار قال: غفار غفر الله لها, فأتت مسلمة. ودوس قال عنها اللهم أتي بدوس فهدي الله أهل دوس فدخلوا في الإسلام أفواجا . عبدالله حاجتك عند ربك ولا سبيل لقضائها إلا بذكره, حاجتك عند ربك ولا سبيل للوصول إليها إلا أن تطرق بابه, وإن أقرب طريق للوصول إلى المأمول ذكر الله رب العالمين. فاللهم اجعلني وإياكم من الذاكرين. وصلي الله على محمد, صلى الله عليه وعلي آله وسلم .

ملف نصي

ذكر الله وأثره على استقامة النفس البشرية
ملف نصي
عرض
ذكر الله وأثره على استقامة النفس البشرية
ملف نصي
عرض

تفاصيل التفريغ

الزيارات
10 مشاهدة
تاريخ الإضافة
السبت 1448‏/02‏/25 1448‏/صفر‏/24

مشاركة التفريغ

10 مشاهدة

تفريغات ذات صلة