خُلق العفو وآثره في الحياه
خُلق العفو وآثره في الحياه

المحتوي
خطبة
(خُلق العفو وأثره في الحياة)
فَضِيلَة الشَّيْخِ
أَبِي عَبْدِ اللَّهِ صَلَاحٍ بْنِ مُحَمَّدٍ غَانِمٍ
(رحمه الله)
إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّه مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
• أمَّا بَعْدُ:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران102]
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [ النساء1]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا 70 يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب71]
فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
• أَمَّا بَعْدُ:
فإن الحياة فتنة ما أعظمها من فتنة وإن الحياة محنة ما أصعبها من محنة وإن الحياة بلية ما أشدها من بلية ولم لا!! لم لا تكون الحياة فتنة ومحنة وبلية؟؟ والمرء مأخوذ عليه في سمعه وبصره وقوله وفعله ونيته وحركته ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق18], وما يعمل من عمل وإلا ويعقد له ديوانان: ( لم عملت ؟وكيف عملت؟) ولا أن هذه الفتنة والمحنة والبلية الناس فيها قسمان:
• قسم اشتدت الحياة بهم فتنه فصارت من أعظم الفتن؛ واشتدت بهم المحنة فصارت من أشد المحن؛ واشتدت بهم البلية فصارت بلايا عظائم ,هؤلاء هم الذين عاشوا الحياة للحياة!! عاشوا الحياة لذواتهم! عاشوا الحياة لشهواتهم! عاشوا الحياة على المذهب الفرعوني أو على المذهب القاروني أو على المذهب الإبليسي, هؤلاء تشتد بهم الحياة فتنة بعد فتنة, ومحنة بعد محنة, وبلية بعد بلية.
• وأما القسم الأخر من الناس فأولئك الذين استقبلوا تلك الفتن واستقبلوا تلك المحن والبلاء فصارت البلايا في حقهم عطايا؛ وصارت المحن في حقهم منح؛ وصارت الفتن في حقهم نِعم, أولئك أولياء الله رب العالمين, أولئك الذين علموا أن الحياة لا تُراد للحياة وأنها معبر وممر؛ لا مقر ولا مستقر, (وأنها دار من لا دار له, ومال من لا مال له, وإليها يركن من لا عقل له, ولها يجمع من لا علم له, إذا حلت أوحلت, وإذا كست أوكست, حلالها حساب وحرامها عقاب, أجلها قصير ومتاعها حقير ولو كانت تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا فيها شربة ماء, وأراد الله رب العالمين صرفها عن أوليائه).
فما من نبي من الأنبياء وما من ولي من الأولياء إلا وزوى الله رب العالمين عنه الدنيا, ولو كانت الدنيا لها قدر وقيمة لجعلها الله رب العالمين لأولياءه.
فيا عبد الله في أي القسمين أنت؟؟ ومن أي الصنفين أنت؟
إن الله رب العالمين يبتليك, وإن الله عز وجل يختبرك, إن الله عز وجل يفتنك من أجل أن تخرج مكنون ضمير!! ومن أجل أن تظهر حقائق نفسك على فلتات لسانك وفي أفعالك وأقوالك!! ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ [العنكبوت3].
إن أعظم فتنة في الحياة هي فتنة الإنسان بالإنسان.....
أعظم فتنة الحياة أن يُفتن المرء بمن حوله أن يفتن بزوجه وولده...
أن يفتن بصاحبه وعامله....
أن يفتن بجاره والقائم عليه.
قال سبحانه ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان20].
فيا عبدالله إن الله رب العالمين جعل كل من حولك جعلهم فتنة لك! وجعلهم محنه لك!, وابتلاك الله رب العالمين بهم وماذا أنت صانع ؟ وماذا أنت إليه صائر؟ والله رب العالمين جعل الإنسان في هذه الحياة بين أن يكون وليا من أوليائه؛ أو أن يكون عدوًا من أعدائه؛ وبين الولاية والعداوة كما بين الجنة والنار.
فأولياء الله في الجنة....... وأعداء الله في النار.
نبيكم صلى الله عليه وسلم وهو خير خلق الله رب العالمين, وهو اتقى خلق الله في الأولين والأخرين, ومع ذلك كثر أعدائه, وقل أولياءه, وكثر مواجهه وقل ناصره, فماذا كان شأن النبي؟ ما الذي صار عليه النبي صلى الله عليه وسلم .....
أقابل الظلم بالظلم؟؟؟
أقابل العداوة بالعداوة؟؟؟
أقابل الإساءه بالإساءة؟؟؟
أقابل البخل بالبخل؟؟؟؟
أقابل القطيعة بالقطيعة؟؟؟
هذا خُلق نبيكم صلى الله عليه وسلم واجه من واجهه من أعدائه وآذاه من آذاه!! ولكن لما تمكن نبيكم صلى الله عليه وسلم حين فتح الله رب العالمين عليه مكة؛؛
ماذا فعل بأعدائه؟ ماذا فعل بمن واجهوه؟ ماذا فعل بمن آذوه؟ ماذا فعل بمن عادوا؟
هذا خلق نبيكم صلى الله عليه وسلم بكلمة واحدة بإشارة واحدة تُحصد هذه الأنفس, يُقتل هؤلاء الأعداء!! تُزال هذه الرؤوس من على هذه الأبدان!! ولكن.....
العفو الذي هو صفته وشيمته الذي هو خُلقه وشيته, العفو كان هو الغالب عليه, ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾[يونس58].
وقف النبي صلى الله عليه وسلم أمام جحافل الشرك بعد أن واجهوه بما واجهوه, وبعد أن نالوا منه ما نالوا!! ونفسه نفسه ولكن أي نفس ....
إنها نفس قد عبدت نفسها لله وصارت على مرادها ومقتضاها.
والله عفو يحب العفو.....
والله كريم يحب الكرم.....
والله جواد يحب الجود....
فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يتطلع إلى مرضات الله لا إلى مرضات نفسه؛؛
يتطلع إلي ما يحبه الله ويرضاه لا إلى ما يحبه ويهواه.
وما كان لنبينا ﷺ أن يرضى إلا بما يرضى الله به؛ وأن يحب إلا ما يحب الله عز وجل؛ فقال لهم:ما تظنون أني فاعل بكم؟؟؟
فقالوا:- يستجدون الرحمة منه والرأفة والشفقة فيه- أخ كريم وابن أخ كريم, فقال النبي ﷺ: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
هذا خلق نبيكم الذي أمركم الله عز وجل أن تكونوا عليه قائمين وأن تكونوا بأخلاقه متأسين ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ﴾ [الأحزاب21].
نعم الظلم وقعه على النفس عظيم، الظلم وقعه على النفس أليم، الظلم وقعه على النفس شديد ولكن....
ما يجديه وما ينفع أن تنفس عما في داخلك في لحظات إنتقام ويمر الأمر ويؤول إلى لا شيء ولكن.....
الذي ينفع أن تقف أمام نفسك, أن تقهر شيطانك, أن تقهر ما تريده نفسك الأمارة بالسوء, وأن تعلم أنك حين تعفو فإن الله عز وجل يعفو عنك .....
وحين تصفح فإن الله عز وجل يصفح عنك.....
وأنت ذنوبك وخطاياك عظيمة ما من لحظة إلا ولك فيها ذنب وخطيئة وقد حانت لك الفرصة من أجل أن تخفف عن نفسك ذنوب!! من أجل أن تخفف عن نفسك أوذارك.
ها هو الظالم يقول لك خلي عنك أحمل عنك شيئًا من ذنوبك!!
أحمل عنك شيئا من خطاياك!!
أكون سببا في عفو ربك عليك!!
أكون سببا في مغفرة الله إليك!!
فكيف تضيع هذه الفرصة؟ كيف تضيع هذه المنحة؟ هذه عطية الله لك ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾ [الشورى40].
وأما إذا لم تعف ولم تصفح فالذي أمامك ما الذي يعطي؟ يُرضيك بكلمة؛ يُرضيك بفعله؛ يُرضيك بمال؛ ثم يزول الأمر وينتهي ولكن العافين أولئك هم المسارعون ﴿ وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران133].
من هؤلاء المتقون؟؟ يقول لك ربك تبارك وتعالى إذا أردت أن تكون من المتقين فعليك أن تتصف بأوصافه وأن تتخلق بأخلاقه وأن تتحلى بشياته .
وهذه أوصافه الذين ينفقون في السراء والضراء, ينفقون حال الشدة وحال اليسر, ينفقون على من يحبون وينفقون على من يبغضون, هذه صفاته ﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران134], لا يسترسلون مع نفوسهم؛ لا يسترسلون مع شهواتهم؛ وإنما يقفون لأنفسهم بالمرصاد, وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم « ليس الشديد بالصرعة -أي الذي يصرع الرجال- ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».
فهؤلاء المتقون يغضبون ولكن مع الغضب لا يسترسلون.
يغضبون ولكن لغضبهم يكظمون, والكاظمين الغيظ يكظمون غيظهم فإذا كظموا غيظهم فقد صاروا أقوام من صرعهم فقد صرعوا شياطينهم, وصرعوا نفوسهم, وصرعوا أعدائهم فمن أقوى من هؤلاء!!!!
ولكنهم لا يقفون على كظم الغيط, فكظم الغيظ هو أثر من آثار عدم رضا النفس لكن .....
يتحولون إلى ما هو أعظم وإلى ما هو أفضل ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ﴾والعفو هو: ترك المؤاخذة بالقول والفعل مع عظيم المسامحة.
لن تكون عفوًا إلا إذا طرقت أن تؤاخذ من ظلمك أن تعاتبه؛ أن تناظره؛ أن تجادله ثم تجعل المسامحة من قلبك كأنه ما فعل شيء ,كأنه لم يصدر منه شيء,وهذا الذي تحبه.
هذا الذي تحبه لنفسك فإذا كان المرء مؤمنا حقا فإنه ينبغي عليه أن يبذل لغيره ما يحب أن يُبذل له؛ وأن يفعل مع غيره ما يحب أن يفعل معه, وهذا شرط من شروط الإيمان لا يتحقق كمال الإيمان إلا به .
«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحب لأخيه ما يحب لنفسه». ونبيكم ﷺ «أتى إليه رجل وقال: يا رسول الله أي الدعاء أفضل؟ فقال النبي ﷺ سل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة, ثم جاءه في اليوم الثاني فقال: يا رسول الله أي الدعاء أفضل؟ فقال: سل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة», ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم لماذا دله على هذا الدعاء؟ ولماذا بين له أن هذا الدعاء هو خير ما يدعو المرء به.
ففي سنن أبي داوود عن رثاعة ابن رافع رضي الله عنه قال: «قام أبو بكر الصديق خطيبا فينا فقام على المنبر ثم بكى ثم قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم العام الأول, قام كمقامي هذا ثم بكى ثم قال: سلوا الله العفو والعافية فما أوتى أحد بعد اليقين مثل العفو والعافية -أي ما أعطاه الله رب العالمين لأحد بعد اليقين- ليس هناك خير من أن يرزق العبد العفو وأن يرزق العافية».
فالعفو صفة الله رب العالمين ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ ﴾[فاطر 45].
العفو صفة الله تبارك وتعالى ولو آخذنا الله بذنوبنا لأهلكنا وما أبقى منا أحد ولكنه سبحانه (يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار, ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل, ويقبل التوبة حتى من الذين كفروا) فأولئك الذين خدوا الأخاديد واحرقوا المؤمنين قال الله عز وجل عنهم ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج10], فكأنهم لو تابوا لتاب الله عليهم!!
ألا ترى إلى قاتل المائة نفس الذي أسرف على نفسه في القتل حتى قتل تسعة وتسعين نفسا, ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدُل على عابد فسأله فيأسه من رحمة الله فكمل به المائة.
فدُل على عالما فقال: من يحول بينك وبين التوبة, فلما تاب إلى الله أرشده العالم إلى ترك أرضه ووطنه فتركها –غادر- يريد أن يلقى الله تائبا, وهو في طريقه نزل عليه الموت......
فاختصمت فيه ملائكة العذاب وملائكة الرحمة؛ ملائكة الرحمة تقول: جاء تائب؛؛ وملائكة العذاب تقول: لم يفعل طاعة قط؛؛ فقال الله عز وجل: قيسوا ما بين الأرضين ثم أوحى الله تبارك وتعالى إلى أرض الطاعة أن تقاربي وإلي أرض المعصيه أن تباعدي!!!! انظر إلى عفو ربك.....
الرجل قتل مائة نفس ولكن لما تاب تاب الله عليه, بل غير الله رب العالمين نواميس الأرض من أجله, تقاربت أرض الطاعة وتباعدت أرض المعصية هذا لأن الله عز وجل عفو كريم جواد.
فيا عبدالله إن لله رب العالمين تسعة وتسعين اسم من أحصاها دخل الجنة.
قال علماؤنا (عليهم الرحمة): وإحصاء أسماء الله!!!
أن تحفظها بألفاظها.
أن تعلم معانيها.
أن تتقرب إلى الله وجل بسؤاله بها فتقول: يا غفور اغفر لي, ويا رحيم ارحمني, ويا عفو اعف عني.
ثم بعد ذلك تتمثل بما يجوز لك التمثل به من صفات الله عز وجل فتكون رحيما آخذًا بصفة الرحمة, وتكون عفوا آخذًا بصفة العفو, وتكون حليما آخذًا بصفة الحلم , وتكون ودودا آخذًا بصفة الود. هكذا تكون عبدا رباني؛ تكون عبدا لله وليًا, فاذا كنت من أولياء الله غار الله عز وجل عليك .
كما قال النبي ﷺ عن رب العزة تبارك وتعالى أنه قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب, وما تقرب إلي عبدي بشي أحب إلي مما افترضته عليه.
فهذا حال أولياء الله, وهذا حال من باع دنياه بأخراه.
لا يعيش لنفسه ولا يعيش لحظه ولا يعيش لهواه, إنما.....
يتاجر مع الله, مع من يحبه ومن يبغضه, مع من يعطيه ومن يمنعه, مع من يواليه ومن يعاديه, مع من يخالله ومن يخاصمه, فهو ولي الله يحب من أحب ويبغض من أبغض, ويعطي من أعطاء ولا يمنع من منع, ويحسن إلى من أحسن إليه ولا يسيء إلى من أساء إليه!!
عندئذ ينصره الله رب العالمين بنصره؛ ويأيده الله بتأيده؛ ويوفقه الله بتوفيقه ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ(٣١)نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ(٣٢) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ( ٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) ﴾ [فصلت31].
ألا تريد من حولك أن يصيروا أوليائك!!!
أن يصيروا أحبابك!!!
أن يصيروا ناصروك هذا كله لا تتوصل إليه إلا بأن تكون عفو.
أن تترك المؤاخذة مع عظيم المسامحة؛ ألا تجعل لأحد عليك حجة بين يدي الله عز وجل بل تجعل الناس حججا لك.
من ظلمك يكون لك بين الله حجة, لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن العبد يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة وحج وصدقة!!!! ولكن......
ذلك كله لما كان غير محافظا عليه, وغير قائم علي الحياطة له ؛ هذا كله يسلب منه.
فقال صلى الله عليه وسلم :أتدرون من المفلس؟ فقالوا: المفلس فينا من لا دينار ولا درهما ولا متاع له؛ فقال النبي ﷺ : المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة وحج وصدقة ولكنه....
شتم هذا؛ وسب هذا؛ وسفك دم هذا؛ وأخذ مال هذا؛ فيؤخذ من حسناته لهذا ولهذا؛ فإذا فنيت حسناته أخذت من سيئاتهم ثم طرحت عليه ثم طرح في النار.
فيا عباد الله في هذا الزمن المنكود بأهله كلٌ يريد نفسه, كلٌ يريد حظه, كلٌ قد صار الظلم وصفا له......
إما أن تكون وليا من أولياء الله, وإما أن يكون الأبعد عدوًا من أعداء الله !! وأولياء الله ليس لهم في نفوسهم حظ ولا نصيب﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾[الأنعام163].
إن ولي الله عبّد نفسه لربه فرأى ما بيديه وما مّلكه الله إياه؛ إنما هو متصرف فيه تصرف الخادم في مال سيده....
فإذا ما أمره أن يعطي أعطى ؛؛
وإذا ما أمره أن يمنع منع؛؛
وإذا ما أمره أن يعاقب عاقب؛؛
وإذا ما أمره أن يصفح صفح.
وربكم تبارك وتعالى يحب منكم العفو, ربكم تبارك وتعالى يحب منكم الصفح ,والحياة بلا عفو ولا صفح غابة من الغابات.
القوي يأكل فيها الضعيف, والعظيم يحتقر فيها الفقير, القوي يظلم فيها الضعيف, والغني يحتقر فيها الفقير؛ غابة .....
كلٌ يريد نفسه؛؛ كلٌ يريد حظه؛؛ كلٌ يريد أن يصير فوق الجميع؛؛ وهذا كله يأتي في المنتهى إلى الذل والصغار, يؤتى بالمتكبرين يوم القيامة كأمثال الذر تتطأهم الناس بأقدامهم.
وأما أهل التواضع ,وأما هم الصفح, وأما أهل العفو فأولئك الذين يخيرهم الله عز وجل يخيرهم بينما أرادوا﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)﴾ [القمر55].
حينما يُظهر الله رب العالمين قصرا من القصور؛ وبيتا من البيوت من بيوت أهل الجنة ؛ فيقول الناس: يا رب أهذا القصر لوليًا من أوليائك؟ أم لنبي من أنبيائك؟ فيقول الله عز وجل: لا, وإنما لمن ظلم وعفا عمن ظلم.
فيأتي أهل العفو يوم القيامة يقولون: يا رب ظلمنا فعفونا طهرنا, فاعفو عنا فيقول الله عز وجل: ادخلوا هذه القصور, واسكنوا هذه الدور جزاء وفاقا فمن عفا وأصلح فأجره على الله .
فاللهم اجعلني وإياكم من العافين,,,
اللهم اجعلني وإياكم من العافين,,,
واجعلني وإياكم من الكاظمين,,
واجعلني وإياكم من المصلحين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
الحمدُ للهِ وحدَهُ ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على مَن لا نَبِيَّ بعدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ,أما بعد:
فما الذي ينالك من الناس يشتمونك؛ يأخذون مالك؛ ينالون من عرضك ؛هذا كله وقع لأنبياء الله عز وجل فنبيكم ﷺ قيل عنه شاعر, وقيل عنه ساحر, وقيل عنه مجنون, وقيل عنه كذاب, وقيل عنه ﴿ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [الفرقان5].
وأشد ما يكون على الداعي إلى الله أن يُكذّب في دعوته!!
فهي خير ما يملك وأرجى ما يطلب ومع ذلك كله.....
لما نزل ملك الجبال على النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره إنتظر منه كلمة واحدة, ينتظر منه إشارة واحدة, فيطبق الله رب العالمين على أهل مكة الأخشبين.
فماذا فعل نبيكم ﷺ هل واجه العناد بالعناد ؟ وهل واجه الظلم بالعقاب ؟ وهل واجه الإساءة بالإساءة ؟ لا, ما هذا بخلق الأنبياء ولا الصديقين ولا الأولياء؟ ولكن.....
قال: بل لعل الله عز وجل أن يخرج من أصلابهم من يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ,اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون .
ولما ذهب النبي ﷺ, ذهب إلى كفار مكة بعد أن حدث ما حدث مما لقيه في الطائف منعوه صلى الله عليه وسلم من الدخول, فدخل في جوار مشرك ليدعوا إلى الله رب العالمين.
نبينا صلى الله عليه وسلم جاءه رجل في غزوة من الغزوات وفي موقعة من المواقع والنبي صلى الله عليه وسلم نائما, فاختلس الرجل سيفا ﷺ وايقظه وقال له: يا محمد من يمنعك مني ؟ فقال النبي ﷺ :الله ,فوقع السيف من يد الرجل ,فأمسك به النبي ﷺ وقال يا هذا من يمنعك مني؟ فقال: يا محمد كن خير آخذ, فقال: عفوت عنك .
وهذا أبو بكر رضي الله عنه حين أُتهمت الصديقه بنت الصديق بأنها وقعت في الزنا وكان ممن أتهمها –مسطح- الذي كان أبو بكر ينفق عليه فقال: والله لا أنفق عليه بعد اليوم, فانظر إلى مراد الله عز وجل يُنزل الله رب العالمين قرآن لأبي بكر من أجل أن يعفو عن من نال من عرضه وهو ليس لأبي بكر وحده وإنما لي ولك وللأمة إلى قيام الساعة ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾[النور22].
فيا عبد الله العفو العفو, فهذا خير ما أعطاك الله عز وجل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :« ما أوتي أحد بعد اليقين مثل العافية».
أن الله رب العالمين جعل العفو من شيم المؤمنين, وجعل العفو من شيم الصادقين, وجعل العفو من صفات النبيين ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾[آل عمران 159].
وها هو نبيك صلى الله عليه وسلم يأتي إليه الأعرابي فيجذبه جذبة أثرت في رقبته؛ فإذا به يقول له: يا محمد اعطني فإنه ليس مالك ولا مال أبيك؛ فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: أرضيت؛ فقال: والله ما رضيت ولا كفيت ولا جزاك الله خير!!!
فأخذه النبي إلى بيته فأعطاه مما كان يدخره لأهله, ثم قال له: هل كفيت يا أخ العرب؟ قال: رضيت وكفيت وجزاك الله خير؛ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : لقد أوغرت صدر أصحابي فأذهب بنا فقل مثلما قلت.
فلما ذهب إلى الصحابة رضوان الله عليهم وقد هموا قبل ذلك بقتله, ثم ولى الرجل, فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لو تركته لكم لقتلتموه ولدخل النار ولكن الله عز وجل هداه بي.
وإن مثلي ومثلكم كمثل رجل له ناقة شردت في الصحراء فاتبعها الناس فكلما تابعوها ازدادت نفورا , فقال لهم صاحبها: خلوا بيني وبين ناقتي ,ثم أخذ يجمع من خشاش الأرض فقربه إليها فأتت إليه فأمسك بزمامها.
لن تجد كالعفو سبيلًا إلى محبة بينك وبين زوجك....
ولن تجد كالعفو سبيلًا إلى المحبة بينك وبين إخوانك....
ولن تجدك العفو سبيلًا إلى المودة بينك وبين جيرانك.
وقد أتى رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني لي خادمًا فكم اعفوا عنه؟ وكم اصفح عنه؟ , فقال له النبي ﷺ :اعف عنه في اليوم سبعين مرة.
فهل تجد رجلا يعفو عن من أساء إليه سبعين مرة, يجد الشيطان عليه سبيلا أو يصير الظلم إليه أمرًا وبيلا.
إن الله رب العالمين حال بين الإنسان وهلكته بأن دعاه إلى العفو, ودعاه إلى الصفح, ودعاه إلى الرحمة لأنك إن استوفيت حقك ظلمت كل من سعى إلى أن يستوفي حقه صار ظالمه , لأن الإنسان نفسه تأمره بالسوء والزيادة في حقه .
فيا عبد الله كن مظلوما ولا تكن ظالما؛ كن مظلوما يكن الله لك وليا وناصرا.
وأما إذا صار الأبعد ظالما فمن الذي يواليه؟ ومن الذي ينصره؟ ومن الذي يؤيده؟ والله رب العالمين خير الناصرين.
فاللهم اجعلنا من العافين ولا تجعلنا من الظالمين, اللهم ردنا إليك مردا جميلا ,واجعلنا على أخلاق النبي الأمين وعافنا واعف عنا من الظلم يا رب العالمين.
وصلى الله وسلم علي نبينا محمد صلي الله وعلي آله وصحبه وسلم.
ملف صوتي بصيغة mp3
خُلق العفو وآثره في الحياه
تحميل التفريغ
تفاصيل التفريغ
الزيارات
11 مشاهدة
تاريخ الإضافة
السبت 1448/02/25 1448/صفر/24