كيف نستمطر الرحمات الربانية
كيف نستمطر الرحمات الربانية

المحتوي
خطبة كيف نستمطر الرحمات الربانية
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ،ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله ،وخير الهدي هدي محمد- صلى الله عليه وسلم- وشر الأمور محدثاتها، و كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد: فما أحوج كل إنسان إلى أن يعرف كيف هو ومع من يكون ما أحوج المرء إلى أن يعرف كيف هو في أقواله وأفعاله وأحواله ومقاماته وظاهره وباطنه ومع من يكون مع أهل الحق سائرا أم مع أهل الباطل سائرا مع أهل الطاعة طائعا أم مع أهل المعصية عاصيا مع أهل الجنة إلى الجنة سائرا أم مع أهل النار وإلى النار سائرا وهذا امر يجب على كل إنسان أن ينظر فيه لقول الله رب العالمين:{يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} والمرء من أجل أن يعرف حاله لا بد أن ينظر في ظاهر فإن ظاهر المرء من أصدق العلامات على صحة أو فساد باطنه لأن صلاح المرء في ظاهره من أدل الدلائل على صلاحه في باطنه وفساد المرء في ظاهره من أدل الدلالات على فساد المرء في باطنه قال الله عز وجل:{والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا} وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم:(أن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) فصلاح المرء من صلاح قلبه وفساد المرء من فساد قلبه فعلى كل عاقل أن يفتش في قلبه ليعرف ما الذي قد استقر فيه من خير أو شر من سنة أو بدعة من هداية أو من ضلالة والأمر لا يكلفك كثيرا وإنما عليك أن تخرج يوما من بيتك وفي يدك قلمك وقرطاسك فتسجل النتيجة النهائية لقولك وفعلك فإن تكلمت فانظر في كلامك هل الذي تكلمت به حسن أم سيئات فإن كان حسنا فضع في خانة الحسنات حسنة وإن كان سيئا فضع في خانة سيئات سيئة انظر كذلك في أفعالك وهكذا فكن في سائر يومك في حلك وترحالك وسكونك وقيامك تستطيع أن تعرف أين أنت والله رب العالمين جعل القلب موضع الصفات الحسنة والصفات السيئة فالرحمة ضد العنف والصدق ضد الكذب والخيانة ضد الأمانة والرأفة ضد الشدة والحلم ضد الطيش والعقل ضد السفه ولا تجتمع الصفات الحسنة ولا تجتمع الصفات الحسنية والسيئة في قلب رجل واحد لأنهما ضدان لا يجتمعان ضدان يتصارعان حتى يغلب أحدهما الآخر فصدقك يصارع كذبك وأمانتك تصارع خيانتك تصارع شدتك حتى يغلب عليك وصفك الصحيح فتعرف بين الكاذبين كاذبا أو بين الصادقين صادقا فتعرف بين الرحماء رحيما أو بين أهل الشدة والعنف شديدا عنيفا يغلب عليك حقيقتك فتظهر أمام الناس تدل على شأنك من الصدق والكذب من الأمانة والخيانة من الرحمة والعنف فتفقد أفعالك وانظر في أقوالك ولا تكن مسخة أمام الخلق يرون عيوبك وآثامك والأبعد لا يرى من ذلك شيء لأنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور فالعمى عمى القلب لا عمى البصر العمى عمى القلب لا عمى العين وكم من أعمى يسير بين الناس بصيرا وهو في حقيقته في العمى قد صار حصيرا وكل ضدان يتصارعان حتى يغلب أحدهما الآخر وتصير له في القلب الصولة والجولة ونحن اليوم مع خلق من أخلاق النفس ووصف من أوصاف القلب ألا وهو خلق الرحمة الذي مقره القلب وعلامة وجوده على الجوارح وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن القلب هو مستقر الرحمة والشدة واللين والعنف فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عائشة رضي الله عنها قالت:(جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الحسن والحسين فقال: إنكم تقبلون الصبيان وما نقبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أواأملك إواأملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك) من لا يرحم لا يرحم ومن لا يرحم صغيرا فلن يرحم في قبره كبيرا لأن قبره يوقد عليه نارا تلظى لأن الراحمون يرحمهم الرحمن وأهل العنف والشدة ليس لهم من الله إلا العذاب والإهانة وفي رواية يقول النبي صلى الله عليه وسلم:(لا تنزع الرحمة إلا من شقي) وقد أخرج مسلم في صحيحه :(أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أهل الجنة فقال صلى الله عليه وسلم: كل هين لين كل هين لين كل هين لين وسئل عن أهل النار فقال كل عتو جواظ متكبر وسئل أيضا عن أهل الجنة صلى الله عليه وسلم فقال أهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط متصدق موثق ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم وعفيف متعفف ذو عيال) فأكد النبي صلى الله عليه وسلم أن الرحمة كائنة في القلب ومحل ظهورها على الجواد في صورة أقوال حسان وأفعال كرام وأحوال ومقامات فاضلة والرحمة صة لله رب العالمي وصفة لنبيه الكريم وصفة للمؤمنين وأما ضدها فإنها صفات لا تليق بالله رب العالمين ولا بنبيه ولا بالمؤمنين والرحمة من أعظم صفات الله عز وجل فهو الرحيم الرحمن الذي كمل في رحمته وأحسن إلى خلقه بجميع أنواع الإحسان وتحبب إليهم بصنوف النعم {ووسع كل شيء رحمة وعلما} فبلغت رحمته حيث بلغ علمه {ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما} {وربك الغني ذو الرحمة} وهو سبحانه واسع الرحمة قال تعالى:{ فان كذب فقل ربكم ذو رحمة واسعة وربك الغفور الرحيم} فليس من ثم مخلوق الا وقد وصلت اليه رحمة الله وغمره فضله وإحسانه نبيكم صلى الله عليه وسلم وهو الرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم وقد ألزم الله نفسه وهو الرحيم الرحمن ألزم نفسه أن تشمل رحمته عباده فقال سبحانه كتب ربكم على نفسه الرحمة والله عز وجل أرحم بعبده من رحمة الوالد والوالدة فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:( أتى النبي صلى عليه وسلم رجل ومعه صبي فجعل يضمه إليه رحمة به وبرا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أترحمه فقال الرجل نعم قال النبي صلى الله وسلم فالله بك منك به وهو أرحم الراحمين) وأخرج البخاري في الأدب المفرد وقد صححه الألباني عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه قال:( قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سبي فاذا امرأة من السبي تحلم وتسقي إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فالسقته ببطنها وأرضعته فقال النبي صلى الله عليه وسلم أترون هذه طارحة ولدها في النار ترحم أبناء الناس أترونها تلقي بولدها بفلذة كبدها في النار فقالوا لا وهي تقدر على ألا تطرحه فقال صلى الله عليه وسلم الله أرحم بعباده من هذه بولدها) ربك الذي يقدر عليك الذي أمره إذا أراد شيئا يقول كن فيكون يرحمك لما لا ترحم الخلق وأنت ضعيف في الخلق أحوج إلى الرب أن يرحمك أن يغفر لك وأن يهبك محتاج إلى الله خذ بأسباب قضاء حاجتك محتاج إلى الله خذ بأسباب قضاء سؤلك ورجائك ولما كانت لما كانت صفة الرحمة من أعظم صفات ربنا تبارك وتعالى صارت من أعظم صفات أوليائه فكانت من أعظم صفات نبينا صلى الله عليه وسلم ومن أعظم صفات كل مؤمن تقي قال تعالى:{لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} نبيكم صلى الله عليه وسلم جعل الله رب العالمين رسالته رحمة وجعله الله رب العالمين رحمة وأمرنا أن نتأسى به فقال سبحانه:{ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} وقال الله عز وجل:{ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا} قال الله في نبيه صلى الله عليه وسلم:{ حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} ما هي الرحمة الرحمة هي رقة القلب وصفوه للخلق وزوال قسوته وغلظته وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم خير شاهد على رقة قلبه وصفوه لأصحابه وأمته وخير شاهد على زوال قساوته وغلظته فكان صلى الله عليه وسلم من أرحم الناس بالناس وكان صلى الله عليه وسلم من أرأف الناس بالناس حتى جاءت رحمته ورأفته في البهائم العجماوات قال الله عز وجل:{وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} وقال سبحانه:{فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك}لا تجعل ولدك يكرهك ولا تجعل صاحبك يكرهك ولا تجعل جارك يكرهك ولا تجعل عاملك يكرهك ولا تجعل الناس تتقرب إلى الله ببغضك وكرهك ولكن كن هينا كن لينا كن رحيما كن بأيدي الناس إلى مواطن الخير آخذا ومن مالك وعرضك للناس باذلا فالله رب العالمين يجزيه والله رب العالمين من البلايا يعافيه قل ذلك برحمتك الراحمون يرحمهم الرحمن لماذا لا نتراحم والله قد ضمن لنا أن يرحمنا إذا تراحمنا لماذا لا نتراحم ونحن الضعفاء الفقراء لماذا لا نتراحم ونحن المرضى الأذلاء لماذا لا نتراحم وكل واحد منا ينتظر أجله وحتفه ونهايته وسيصير بين يدي الله عز وجل إعمل عملا ترحم به إعمل عملا تجده في قبرك إعمل عملا تجده رحمة عند خروج روحك إعمل عملا يكون سببا في عفوه ومغفرته لا في عقابه وعذابه فإنه شديد العقاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن فظلا ولا غليظا وإنما كان هينا لينا فيا من ترجو رحمة ربك وترجو شفاعة نبيك تخلق بهذا الخلق الكريم وكن صاحب قلب سليم وارحم الناس ليرحمك رب الناس وخذ بأسباب الرحمة حتى تكون أهلا لأن يرحمك الله عز وجل لأنه سبحانه كما أنه أخبر أنه غفور رحيم فقد أخبر أنه شديد العذاب الأليم فقال سبحانه:{ نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم} وأن عذابي هو العذاب الأليم} والله رب العالمين لا يعبث الله رب العالمين لا يعبث والله رب العالمين يضع الأشياء في مواضعها أتظن أن ربك تبارك وتعالى يخادع أتظن أن ربك تبارك وتعالى يمكر به كن ماكرا كن مخادعا إنما تمكر بنفسك وتخادعها {ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} {ومن الناس من يقول ءامنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين ءامنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون} الله رب العالمين حكيم عليم يضع الأشياء في مواضعها ويعطي العطايا لمستحقيه فلا تحسبن المجد تمرا أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبر {أم حاسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتيكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين ءامنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب} لا تظنن أن رحمة الله كلأا مباحا ينالها كل من هب ودب وكل من طغى وبغى وكل من أساء إلى الخلق وظلم وقسى لا والله لا يرحم الله إلا الرحماء لا يرحم الله قاسيا لا يرحم الله عنيفا لا يرحم الله شديد لا يرحم الله ظالما وإنما يرحم الله رب العالمين الرحماء فارفق بنفسك كن رفيقا يرفق بك كن رحيما ترحم كن شفوفا يشفق عليك كن عفوا يعفى عنك فالجزاء من جنس العمل ولا يظلم ربك أحدا -وصلى الله وسلم- على نبينا محمد -صلى الله عليه وعلى اله وسلم-.
الخطبة الثانية
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أما بعد: فيا صاحب الفكرة الخاطئة يا صاحب الحسابات الفاسدة أصلح فكرتك وأحسن حساباتك فإن ربك تبارك وتعالى أدخل امرأة بغي الجنة لأنها رحمت كلبا وأدخل الله رب العالمين النارا لأنها حرمت قطا أومن يفعل ذلك مع الحيوان البهيم يترك عبده يفعل به ما يفعل يهان ويحتقر يظلم ولا له ينتصر لا والله إن الله رب
العالمين جعل الرحمة جزاء الرحمة وجعل العذاب جزاء العذاب فمن رحم رحمه الله ومن قسى واشتد صارت عليه القساوة والشدة جزاء وثاقا وهذه صفات ربك مع الرحماء مع الحيوانات والبهائم فكيف به مع من يرحم وليه وصفيه كيف به مع من يرحم عبده وخليله كيف به مع من يرحم خلقه وكريمه وليس أكرم على الله رب العالمين من الإنسان المؤمن التقي فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:(أن رجلا رأى كلبا يأكل الثرى من العطش فأخذ الرجل خفه فجعل يغرف له به حتى أروى فشكر الله له فأدخله الجنة) وفي رواية للبخاري (أن امرأة بغيا رأت كلبا في يوم حار يطيف ببئر وقد أدلع لسانه من العطش فنزعت له بموقها فغفر الله لها وأدخلها الجنة) المرأة بغي تمتهن الزنا وتبيح الفرج الذي حرمه الله رب العالمين ولكن انظر الذي وصلت إليه برحمتها غفر الله رب العالمين لها وذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم:(امرأة صوامة قوامة متصدقة ولكنها كانت تؤذي جيرانها بلسانها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هي في النار هي في النار هي في النار) لأنها لم ترحم جارها ولم تعرف له فضلا الله رب العالمين الذي أدخل الجنة بغيا في كلب سقته وأدخل النار امرأة في جار آذته أتظن أنه يمرر الأفعال هكذا الله رب العالمين جعل النبي صلى الله عليه وسلم رحمة للخلق وجعل المؤمنين رحماء يتراحمون فيما بينهم فمن أخذ عن الله صفة الرحمة ومن أخذ عن رسوله صلى الله عليه وسلم صفة الرحمة ومن أخذ عن أولياء الله رب العالمين صفة الرحمة فهو في رحمة الله وتحت شفاعة رسول الله ويوم القيامة يشفع له أولياء الله حين يأمر الله رب العالمين يأمر المؤمنين أن يدخلوا الجنة فيقفوا يقولون يا رب ما لنا لا نرى أقواما كانوا معنا في الدنيا فيقول الله عز وجل أتعرفونهم قالوا نعم نعرفهم وقد كانوا معنا فيقول الله رب العالمين إرجعوا إلى أرض المحشر فمن وجدتموه فخذوا بيده فيعودوا أهل الإيمان ينظرون في أرض المحشر فاذا وجدوا بعض المؤمنين قد تأخر في حسابه وعذابه شفعوا له فبشفاعتهم يخفف عنهم الحساب ويجبر من العذاب ويؤول إلى رحمة الله الوهاب ويدخل الجنة معهم بغير حساب تراحم فلا تدري لعلك ترحم صالحا لا يتركك يوم القيامة لعلك ترحم مسكينا فيشفع لك يوم القيامة أو لعلك تقسو على مظلوم فيوقفك يوم القيامة لعلك تقسو على كبير لم توقره أو صغيرا لم ترحمه أو ضعيف لم ترأف به فيأتي ذلك كله يأخذ بيد الأبعد فيلقيه في النار فافيقوا عباد الله انظروا في أحوالكم تعرفوا حقيقة قلوبكم والله رب العالمين لا يدخل الجنة إلا أصحاب القلوب السليمة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم والقلب السليم هو القلب الرحيم وصلى الله وسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وعلى اله وسلم.
تفاصيل التفريغ
الزيارات
17 مشاهدة
تاريخ الإضافة
السبت 1448/02/25 1448/صفر/24