ماذا بعد الحج؟
ماذا بعد الحج؟

المحتوي
خطبة
(ماذا بعد الحج)
فَضِيلَة الشَّيْخِ
أَبِي عَبْدِ اللَّهِ صَلَاحٍ بْنِ مُحَمَّدٍ غَانِمٍ
(رحمه الله)
إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّه مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
• أمَّا بَعْدُ:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران102]
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [ النساء1]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا 70 يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب71]
فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
• أَمَّا بَعْدُ:
فإن المسلم لا يصح له إيمان حتى يصح لسانه ويده, وإن المؤمن لا يصح له إيمان حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه,
وإن المحسن لا يصح له إحسان حتى يحسن إلى الخلق كما يحب أن يحسن الخلق إليه.
فهذه هي القاعدة الصحيحة المضطردة الذي يقوم الإسلام والإيمان عليها.
فإذا كان ذلك كذلك فهل يصح إسلام مسلم لم يسلم منه ربه تبارك وتعالى, ولا نبيه؟
فهل يصح إيمان مؤمن لا يحب لربه تبارك وتعالى, ولا لنبيه, ولا لدينه ما يحب لنفسه؟
هل يصح إحسان محسن لا يحسن إلى الله, ولا إلى رسوله, ولا إلى دينه كما أحسن الله رب العالمين إليه؟.
إن أكثر الناس يحبون لأنفسهم ما لا يحبون لله رب العالمين, ويكرهون لأنفسهم ما لا يكرهون لله رب العالمين.
وقد أخبر الله تبارك وتعالى أن ذلك شأن المنافقين, لا شأن المؤمنين المسلمين, وقال الله عز وجل : ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ [النحل62], فهذا شأن كثير من الناس يجعلون لله ما يكرهون ويظنون أنهم من أهل الجنة.
والإنسان فى أمر دنياه، وفى أمر عمله، وفى أمر مبناه لا يرضى من الأعمال إلا تمامها، ولا يرضى من الأعمال إلا أحسنها، ولا يرضى من الأقوال إلا أجمله.
وأما فيما يصدر منه لربه تبارك وتعالى فيجعل لله رب العالمين ما لا يرضاه لنفسه!!.
والعمل له بداية وله نهاية فإذا أراد المرء أن يقبل الله منه عمله فلابد أن تكون بداية العمل سائرة على مرضات الله إلى نهايته, لأن من دخل صلاته بطهور وأركان وأقوال وأعمال ثم خرج منها قبل أن يسلم تسليمته فإن صلاته مردودة عليه.
ومن دخل رمضان فصام مع الصائمين ولم يأكل ولم يشرب مع الطاعمين ولا الشاربين ولكنه قبل آذان المغرب وقبل حلول وقت الفطر فسخ نيته فلا صيام له.
فعلى المرء أن يتقي الله رب العالمين فى عمله...
وعلى المرء أن يتقي الله رب العالمين فى دينه...
وعلى المرء أن يتقي الله رب العالمين في آخرته...
لأن القانون الملزم (من عاش على شيء مات عليه, ومن مات على شيء بُعث عليه), فمن عاش على طاعة الله في صبحه ومسائه ويقظته ومنامه وبيعه وشراءه, فإنه كذلك يموت على طاعته, ويبعث يوم القيامة مع الطائعين.
ومن عاش على معصية الله رب العالمين في بيعه وشرائه في صلاته وصيامه في حجه وزكاته, فإنه يموت على ما كان عليه من المعصية، ويحشر يوم القيامة مع العاصين.
يقول الله رب العالمين :﴿ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ 34 أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ 35 مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾[القلم], ويقول الله عز وجل :﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ 41 وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ 42 كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ 43 إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾[المرسلات], وقال الله عز وجل : ﴿ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾[ص28].
فيا عبد الله لا تخادع نفسك فإن الله رب العالمين لا يُخادَع, فيا عبد الله لا تمكر بنفسك فإن الله رب العالمين لا يُمكر به ﴿ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ [آل عمران54], ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾[النساء142].
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ 8 يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾[البقرة].
أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنه قال: «كانَ مع رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ فَمَاتَ، فَقالَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: اغْسِلُوهُ وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا وَلَا تُغَطُّوا وَجْهَهُ، فإنَّه يُبْعَثُ يُلَبِّي ».
فانظر إلى هذا الرجل الذي أسلم فحسن إسلامه, وآمن بالله فحسن إيمانه, وكان قائما على طاعة الله, محافظا على متابعة رسول الله، ملازما للنبي صلى الله عليه وسلم في مناسكه وفي حجه, ووقوفه على عرفات فهذا شأنه في حياته, وقد قضى الله رب العالمين له الأجل أن يموت، فجاء موته على قانونه، جاء موته على حاله الذي كان عليه، فلقي الله رب العالمين حاجا....
لقى الله رب العالمين طائعا....
لقى الله رب العالمين على ما كان عليه....
قال صلى الله عليه وسلم اغْسِلُوهُ وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا وَلَا تُغَطُّوا وَجْهَهُ، فإنَّه يُبْعَثُ يُلَبِّي .
الناس يبعثون يوم القيامة خائفين, الناس يبعثون يوم القيامة فزعين.
وهذا يبعث يوم القيامة قد آوى الله رب العالمين عبده وستر الله رب العالمين عليه عورته, ولم يكشف الله رب العالمين أمام الخلق سوءته, يأتي يوم القيامة في إزاره ورداءه والناس حفاة عراة, والناس غرلا مكشوف السوءه, والناس خائفون فزعون وهذا يأتي يوم القيامة آمنا.
ما من أحد يوم القيامة إلا وهو يقول: نفسي نفسي سلم سلم يا رب الملائكة تقول ذلك، والناس يقولون ذلك, والنبيون يقولون ذلك....
وأما هذا الرجل فإنه يأتي يوم القيامة قائلا : ( لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك) فهذا شعاره وهذا قوله وهذا حاله ومآله.
فيا عبد الله انظر إلى فعلك وحالك تعرف مصيرك ومآلك انظر إلى حالك في دنياك تعرف مقامك في أخراك﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾[الزمر73],﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا ﴾[الزمر71].
فمن كان على طاعة الله حريصا عليها, قائما عليها, فعليها يموت, وعليها يبعث ومع من كانوا على تلك الطائفة يحشر يوم يلقى الله رب العالمين.
والحاج عباد الله انظر إليه في حاله ثم انظر إليه في مآله, فإن الحاج يخرج من بيته مخلفا ورائه أهله وماله ووطنه وأرضه, مخلفا ورائه إخوانه وخلانه, سائرا إلى الله رب العالمين لا يعلم ما تكون نهايته, ولا يعلم ما يأول إليه مصيره, فقد تنفجر به طائرته في الهواء, وقد تغرق به سفينته في الماء, وقد تصطدم سيارته به في الطريق, لا يدري أيصل إلى البيت أم يحال بينه وبين الحج, كما حيل بينه وبين أهله...
ومع ذلك كله لا يعبأ بما يكون بل يلمم وجهه قاصدا حج بيت الله الحرام, سائرا إلى غايته, حريصا على أن يكون الموت في تلك الأرض وعلى الحال نهايته!!!
يتمنى ذلك ويرغب فيه!!!!
فكم من حاج ومعتمر يخرج من بيته سائلا ربه تبارك وتعالى أن يكون ذلك الحج مأواه, وأن تكون أرض الله الحرام مثواه, فهذا شأن كثير من الناس.
فانظر إليه لما صدق في نيته فانظر إليه لما صدق في عزيمته فانظر إليه لما سلم زمام نفسه وسلم زمام عمره إلى ربه تبارك وتعالى....
فقيل له: اخرج من بلدك فخرج....
وقيل له: اخلع ثيابك فخلع.....
وقيل له: قف عند الميقات فقل: لبيك عمرة متمتعا بها إلى الحج فوقف عند الميقات....
وقيل له: لبيك اللهم لبيك فلبى.....
وقيل له: طف بالبيت فطاف....
وقيل له: قف على عرفات فوقف....
وقيل له: قبّل هذا الحجر, وارجم هذا الحجر, فقبل حجرا ورجم حجرا, وأوقف العقل عن تفكيره, وأوقف النفس عن إطلاقها فى ذكرها وشأنها, وقال: يا نفس ليس لك أن تنظري في تلك المناسك ولا أن تقفي عند أمر العلل. وإنما الذي عليك أن تسلم القلب والقالب لله رب العالمين.
فلما كان هذا عمله, لما كان هذا شأنه, لما كان هذا رسمه ووصفه... انظر إلى عاقبته!!
يقول النبي صلى الله عليه وسلم« مَن حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ، ولَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَومِ ولَدَتْهُ أُمُّهُ » أخرجه البخاري (1521) واللفظ له، ومسلم (1350).
رجع من ذنوبه, رجع من أغلاطه وأخطاءه, رجع مما كان عليه في شبابه, وفي كهولته, وفي شيخوخته.
رجع من حجه كيوم ولدته أمه, مبرأ من كل ذنب, مطهرا من كل عيب.
هذا شأن الحاج لله حقا, هذا شأن من حج لله صدقا, هذا شأن من أفرد الله رب العالمين بالعبودية والإخلاص, ومن جعل الأمر على هدي النبي ﷺ ,إتباع هذا في دنياه. وأما في أخراه فيقول النبي صلى الله عليه وسلم« الحَجُّ المَبْرُورُ ليسَ له جَزَاءٌ إلَّا الجَنَّةُ» أخرجه البخاري (1773)، ومسلم (1349).
الحج المبرور قال علماؤنا عليهم الرحمة: هو الحج الذي يعود المرء منه مقبلا على الله رب العالمين غير مدبر.
فيا عبد الله إن الله رب العالمين شرع الشرائع وأقام العبادات فجعل لها شروط صحة, وجعل لها شروط قبول.
فأما شروط الصحة: فهي تلك التي حين تتوافر لا يطالب المرء بالعبادة التي أداها.
وأما شروط القبول: فهي التي من قام بها قبل عمله وغفر ذنبه ورفعت درجته وصار لله رب العالمين بطاعته وليا من أوليائه, محسنا من المحسنين, مؤمنا من المؤمنين, مسلما من المسلمين, تقيا من المتقين.
فشتان عبد الله بين شروط صحة العمل, وشروط قبول العمل.
فكم من عمل صحيح لم ينتفع به صاحبه!!!
كم من عمل صحيح لا يكون سببا في تكفير ذنوب فاعله!!!
كم من عمل صحيح لا يكون سببا في قبول الدعوات, ولا رفع الدرجات, ولا تكفير الخطيئات.
فقد أخرج البخاري في صحيحه عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يا أيُّها النَّاسُ إنَّ اللَّهَ طيِّبٌ لا يقبلُ إلَّا طيِّبًا ، وإنَّ اللَّهَ أمرَ المؤمنينَ بما أمرَ بِه المرسلينَ فقالَ يَا أيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وقالَ يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ قالَ وذَكرَ الرَّجلَ يُطيلُ السَّفرَ أشعثَ أغبرَ يمدُّ يدَه إلى السَّماءِ يا ربِّ يا ربِّ ومطعمُه حرامٌ ومشربُه حرامٌ وملبسُه حرامٌ وغذِّيَ بالحرامِ فأنَّى يستجابُ لذلِك» أخرجه الترمذي (2989) واللفظ له، وأخرجه مسلم (1015) باختلاف يسير
فيا عبد الله قد تتوافر شروط صحة العمل ولا يكون العمل سببا في تكفير خطيئات, لا يكون العمل سببا في رفع درجات, لا يكون العمل سببا في دخول جنات.
فقد أخرج مسلم في صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ« أتَدرونَ ما المُفلِسُ ؟ إنَّ المُفلسَ من أُمَّتي مَن يأتي يومَ القيامةِ بصلاةٍ وصيامٍ ، وزكاةٍ ، ويأتي وقد شتَم هذا ، وقذَفَ هذا ، وأكلَ مالَ هذا ، وسفكَ دمَ هذا ، وضربَ هذا ، فيُعْطَى هذا من حَسناتِه ، وهذا من حسناتِه ، فإن فَنِيَتْ حَسناتُه قبلَ أن يُقضَى ما عليهِ ، أُخِذَ من خطاياهم ، فطُرِحَتْ عليهِ ، ثمَّ طُرِحَ في النَّارِ» أخرجه مسلم (2581)
فيا عبد الله يا من تحافظ على بدنك, يا من تحافظ على عملك, يا من تحافظ على عرضك, يا من تحافظ على ولدك, يا من تحافظ على تجارتك...
أهان عليك دينك!! أهانت عليك جنتك!! أهانت عليك في الآخرة درجتك!! أهان عليك رضوان الله!! أهانت عليك شفاعة رسول الله ﷺ!!
لم لا تحافظ على دينك؟؟
لم لا تحافظ على طاعتك؟؟
لما لا تحافظ على جنتك؟؟
لم لا تحافظ على درجتك؟؟
لماذا تهون عليك درجاتك؟؟
لماذا تهون عليك جناتك؟؟
لماذا تهون عليك الحور العين؟؟
لماذا تهون عليك القصور في جنات الله رب العالمين؟؟
يقول الله عز وجل:﴿حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾[الرحمن72].
قال علماؤنا عليهم الرحمة: الحور العين لو أن واحدة منهن أطلت بوجهها على الأرض ما تركت فيها نقطة ظلماء, ولو أنها تفلت في بحار الدنيا لجعلتها عذبة سائغة للشاربين, ولنصيفة على رأسها خير من الدنيا.
وما فيها الخيم عباد الله يصفها النبي صلى الله عليه وسلم : « في الجنَّةِ خَيمَةٌ من لُؤلؤَةٍ مُجوَّفَةٍ ، عَرضُها سِتُّونَ مِيلًا ، في كُلِّ زَاوِيَةٍ منها أَهْلٌ ما يَرونَ الآخَرينَ » فهذه خيمة واحدة.
يقول علماؤنا عليهم الرحمة: والخيمة إنما تكون في البساتين.
وأما القصور فما لا عين رأت, ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلب بشر.
هذه الخيمة هى تلك التي حين تنزل بساتينك حين تجول تنظر إلى أشجارك حين تريد أن تسمع صوت أطيارك, ولو نرى ذلك فإنك تنزل في تلك البساتين فيجعل الله رب العالمين لك فى تلك البساتين نزلا, ويجعل الله لك فيها مستراح في هذا النزل, وفي هذا المستراح هذه النساء التي هي في وصفها كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم .
يقول ابن القيم رحمة الله عليه: فهذا شأن خيمة من الخيام فكيف بالبساتين؟ وكيف بالأنهار؟ وكيف بالأشجار؟ وكيف بالقصور؟.
فيا عبد الله لم تضيع ذلك كله؟ ألا تحرص على ذلك كله، المسلم الحق هو الذي ينصبغ بإسلامه فى حاله ومآله, فى صبحه ونهاره, يسلم قلبه ونفسه لله رب العالمين.
فيقال له: أفعل, فيقول: سمعا وطاعة.
ويقول الله له: لا تفعل, فيقول: سمعا لربنا وطاعة.
حاله كحال العبد مع سيده, حاله كحال الخادم مع مخدومه.
هذه حقيقة الإسلام, هذه حقيقة العبادة.
العبادة التي تغير النفوس, العبادة التي تزكى الأرواح, العبادة التي تطهر القلوب,﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾[الرعد28].
﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال2].
الذين إذا صلوا نهتهم صلاتهم عن الفحشاء والمنكر ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾[العنكبوت45].
الذين إذا صاموا خرجوا من صيامهم من المتقين...
الذين إذا أدوا شعيرة الحج عادوا من حجهم إلى الله سائرين, على الله مقبلين, عن الدنيا مدبرين.
وأما المصلون الذين في غيهم يترددون, أما المصلون الذين في أوحالهم يتورطون, أما المصلون الذين هم على معصية الله قائمون.....
عليهم أن ينظروا في صلاتهم, عليهم أن ينظروا في حقيقة إسلامهم, عليهم أن ينظروا في حقيقة إيمانهم.
فإن الصحابة رضوان الله عليهم لما أسلموا سلموا, لما أسلموا تغيروا, لما أسلموا تحولوا؛ تحولوا من الشرك إلى الإيمان؛ ومن البدعة إلى السنة؛ ومن الأخلاق السيئة والأفعال القبيحة إلى الأخلاق الحسنة إلى الأعمال الفاضلة.
فصاروا بإسلامهم خير أمة أخرجت للناس.
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه, وأقمنا على دين الله رب العالمين حتى نلقى وجهك الكريم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أما بعد :
فإن المسلم الحق هو الذي يتمسك بإسلامه مهما أُذى في الله رب العالمين, ومهما أُذى في ماله ونفسه وعرضه ومصيره ومستقبله؛ لأنه يعلم أن الحياة دار عمل ونصب, لا دار هناءه وراحة.
إن المؤمن الحق هو الذي يتمسك بإيمانه ظاهرا وباطنا, وتظهر عليه آثار الإيمان في عباداته ومعاملاته وأخلاقه وسلوكه.
لا يتأثر بما يقع عليه من ابتلاءات الله رب العالمين لأنه يعلم أن الإبتلاء له حكمة أرادها الله تبارك وتعالى ﴿الم 1 أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ 2 وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾[العنكبوت].
وخير مثال يضرب على ذلك مثال خباب ابن الأرت رضي الله عنه فقد جاء في الصحيح «أنه قال: أخرجني كفار مكة إلى الصحراء يوما فأتوا بنار عظيمة فوضعوا فيها أحجارا كثيرة، حتى إذا صارت الأحجار جمرا أخرجوا تلك الأحجار فوضعوها على الأرض وجردونى من ثيابى وألقوا بي عليها وأخذوا يجروننى فوالله ما اطفأ ذلك الجمر إلا ماء لحمي ودهني فخرجت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ورائحة اللحم المشوى تخرج منى وكان صلى الله عليه وسلم متوسدا بردته في بيت الله الحرام فقلت له: يا رسول الله وقد كشفت عن ظهري ألا ترى ما حل بنا؟ ألا ترى ما نزل بنا ألا تدعوا الله لنا ؟ ألا تستنصر لنا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا خباب: لقد كان يؤتى بالرجل في من كان قبلكم فينشر بالمنشار من رأسه إلى قدميه ويمشط بأمشاط من حديد ما بين لحمه وعظمه فلا يصرفه ذلك عن دين الله شيء ولكنكم قوم تستعجلوا, يا خباب والله ليتمن الله عليكم هذا الأمر حتى يصير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والديب على غنمه».
عبد الله كن لله كما يريد يكن الله رب العالمين لك فوق ما تريد﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾[النحل].
﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا 2 وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ﴾[الطلاق].
عبد الله ربك تبارك وتعالى على كل شيء قدير...
عبد الله ربك تبارك وتعالى بكل شيء بصير.
فتمسك بدينك من صباحك إلى مسائك, ومن حياتك إلى مماتك حتى يمكن الله لك في العالمين, حتى يتم الله رب العالمين أمرك.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾[النور55].
فاللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه, اللهم مسكنا بدين الإسلام العظيم, اللهم اجعلنا بأعمالنا عندك من المقبولين, اللهم تقبل منا صلاتنا وصيامنا وحجنا واجعلنا بذلك من الفالحين ولا تجعلنا بذلك من الخائبين الخاسرين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
تفاصيل التفريغ
الزيارات
18 مشاهدة
تاريخ الإضافة
السبت 1448/02/25 1448/صفر/24