النفاق والخيانة وخطورهما على الأفراد والدول
اتساع أبواب الخير في الرسالة المحمدية _ خطبة الجمعة ٢ شوال ١٤٤٢ هـ _ لفضيلة الشيخ صلاح بن محمد غانمالنفاق والخيانة وخطورهما على الأفراد والدول

المحتوي
خطبة
(النفاق والخيانة وخطورهما على الأفراد والدول )
16 من ذي القعدة1440هجريا
الموافق 19يوليو2019م
فَضِيلَة الشَّيْخِ
أَبِي عَبْدِ اللَّهِ صَلَاحٍ بْنِ مُحَمَّدٍ غَانِمٍ
(رحمه الله)
إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّه مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
• أما بَعْدُ:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أمنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران102]
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَأم ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [ النساء1]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أمنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا 70 يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب71]
فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَشَرَّ الْأمورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
• أما بَعْدُ:
فالقرآن العظيم سجل حافل بالتاريخ الإنساني....
سجل حافل بالوضع المجتمعي....
سجل حافل بالشخصيات الانسانية.
فمن أراد أن يعرف نفسه, وأن يعرف أوصافه، وأن يعرف أحواله، وأن يعرف أين هو؟ ومع من يكون؟!!
عليه أن ينظر في القرآن العظيم نظرة تدبر وأمعان.
فما أحوج كل إنسان إلى أن يَعرض نفسه على القرآن العظيم, لتتضح له حقيقته, ويعلم وصفه وسيرته, من أجل أن يكون على بينة من أمره, وكل يعمل على شاكلته.
وفي أول آيات القرآن العظيم في مفتتح كتاب الله الكريم, يذكر الله رب العالمين النوع الإنساني بجميع طوائفه وأجناسه, بجميع معتقداته وأفكاره, فيذكر الله رب العالمين في سورة البقرة أصناف الناس إلى يوم القيأمة, وأنهم لا يخرجون عن ثلاثة أقسأم.....
القسم الأول : المؤمن صادق الإيمان.
القسم الثاني :الكافر الصادق في الكفر.
القسم الثالث: المنافق الذي يتردد بين الإيمان والكفر.
هذه أصناف الناس في دنيا الله رب العالمين.
وحري على كل إنسان أن يعرف نفسه؛ هل هو من المؤمنين الصادقين؟ أم هو من الكافرين الفاجرين؟ أم هو من المنافقين المترددين؟.
وقد ذكر الله رب العالمين أوصاف أهل الإيمان, وذكر الله رب العالمين أوصاف أهل الكفران, وذكر الله رب العالمين أوصاف أهل النفاق........
فأهل الإيمان يرتفعون في الدرجات العلى في الجنة،وأهل الكفر يترددون في الدركات السفلى من النار؛وأما المنافقون فأولئك في الدرك الهابط من النار.
فالنفاق داء عظيم، وخطره وبيل، والإصابة به شر عظيم لذلك كان السلف رضوان الله عليهم يخافون النفاق وذلك لما يعلمون من أثره دنيا وآخره.
هذا عمر رضى الله عنه- الفاروق الذي فرق الله به بين الإيمان والكفر- الذي كان الشيطان لا يراه في طريق إلا سلك طريقا غيره.
يذكر النبي ﷺ أسماء المنافقين لحذيفة فيخاف عمر على نفسه النفاق، فيذهب إلى حذيفه رضى الله عنه يقول له: نشدتك الله يا حذيفة هل سماني النبي ﷺ فيمن سمى من المنافقين؟؟
قال حذيفة:لا، ولا أزكي بعدك أحدًا أبدٍا.
عمر يخاف النفاق على نفسه وما كان يدخل مدخلاً ولا يخرج مخرجا في دين الله رب العالمين إلا وهو مع النبي الأمين ﷺ.
وانظر إلى أصحاب نبيك ﷺ فعن ابن أبي مُليكة رحمه الله قال: أدركت ثلاثين من أصحاب محمد ﷺكلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد إلا وهو يخشى على نفسه النفاق،ما منهم أحد يزكي نفسه ويقول: إن إيماني كإيمان جبريل وميكائيل.
والذي يخشى النفاق يدل دلالة على كونه من أهل الإيمان....
والذي يأمن الفاق يدل دلالة قاطعة على أنه قد تورط في النفاق.
فعن الحسن البصري قال: ما أمن النفاق إلا منافق، وما خاف النفاق إلا مؤمن.
ما أمن أحد النفاق إلا والنفاق يجري في مخه وعقله وقلبه,وما خاف أحد النفاق إلا وخوفه دلالة على إيمانه.
وانظر إلى عمر كيف كان يخشى النفاق على نفسه, فقد وقف خطيبًا في خير أمة أخرجت للناس, وبينما هو على المنبر يخطب الناس إذ به ينصرف عن خطبته, ينصرف موضوعه ثم يقول لنفسه: يا ابن الخطاب ألم تكن تسمى عميرا ؟ سماك أهلك عميرا, ثم بعد ذلك دُعيت بعمر!!!
ألم تكن ذليلا فرفعك الله؟!!!
ألم تكن وضيعا فأعزك الله؟!!!
ألم تكن فقيرا فأغناك الله؟!!!
ألم تكن ترعى الأغنأم لأهل مكة على قراريط لا تسمن ولا تغني من جوع؟!!!
ألم تكن ترعى الأغنام للخطاب وكان فظا غليظا؟!!! يعني أباه.
فتعجب الصحابة من خروج عمر رضي الله عنه عن سياق خطبته!!!
فلما نزل عن المنبر قالوا: يا أمير المؤمنين ما هذا !!
هذا شيء غير معهود عليك...
فقال: إن نفسي أعجبتني، أني وقفت أمام الناس خطيبا فأعجبني كلامي وبياني!!! إن نفسي أعجبتني!!!
فانظر عمر كيف يؤدب نفسه؟!! كيف يخاف على نفسه من النفاق؟!! وما هي إلا برقة من الشيطان مرت أمام عينيه, وجرت على خاطريه ولكن.....
أنّى لعمر يترك هذا يمر هكذا بلا معاقبة ومؤاخذة.
إن الفاروق عمر رضي الله عنه يخشى على نفسه النفاق, يذهب مرارا وتكرارا إلى حذيفة ابن اليمان يقول له: نشدتك الله يا حذيفة هل سماني رسول الله فيمن سمى من المنافقين؟
عباد الله ما هذا الذي أصابنا؟
هل وقف أحد منا يوما ينظر في شأن قلبه؟!
ينظر في شأن نفسه!! ينظر في شأن قوله!!
هل هو من الصادقين؟ أم هو من الكاذبين؟
هل هو من المؤمنين؟ أم هو من المنافقين؟
هل هو من اتباع النبي الأمين؟ أم هو من المخالفين المعارضين؟ عبد الله أأنت أقوى من عمر؟!! عمر يخشى على نفسه النفاق!! فلمَ أمِنت على نفسك النفاق؟!!
أتهمت يوما نفسك بالنفاق؟!
أخفت يوما على قلبك من النفاق؟!
أتهمت نفسك يوما بالرياء وخشيت على قلبك أن يكون قد تلبس به.
هل وقفت يوما بعد صلاة تقول لها: يا نفس هل صليت لله أم صليت لنظر الناس إليك؟
يا ضعيف اتق الله في ضعف قلبك....
يا ضعيف اتق الله في انفكاك عزيمتك...
يا ضعيف اسأل الله رب العالمين يقوي إيمانك...
يا ضعيف اسأل الله أن يثبت أركانك....
يا ضعيف اسأل الله رب العالمين أن يأخذ بيديك إلى طريقه المستقيم قبل أن تقف بين يديه فتظهر حقائق نواياك, وتظهر خبايا أسرارك, ويظهر سوء فعلك ومقالك.
فما أنت قائل بين يديه؟ ولا عذر بين يدي الله رب العالمين.
إن المرء ينبغي عليه أن يجتهد في تخليص نفسه, في تخليص قلبه من النفاق, وأن ينقي القلب مما يشوبه ويفسد عليه القصد, ويدمر نيته...
على المرء أن يخاف على نفسه من الرياء, وأن يخاف على نفسه من النفاق, وأن يخاف على نفسه من السمعة.
والله رب العالمين جّل صفات المنافقين فمن نظر في القرآن العظيم علم أين هو من النفاق؟
ففي سورة البقرة ذكر الله صفات المؤمنين, وذكر الله صفات الكافرين؛ ثم ذكر الله رب العالمين صفات المنافقين.
ذكر الله صفات المؤمنين في آيات أربع, وذكر الله صفات الكافرين في آيتين, وذكر الله صفات المنافقين فيما يزيد عن ثلاث عشرة آية, فهذا إن دل فإنما يدل على عِظم النفاق وخطره.
فالمنافق أمره غير ظاهر, والمؤمن أمره ظاهر, والكافر أمره ظاهر. لقد ظهر الإيمان ببشاشته على المؤمنين, وظهر الكفر بفظاعته على الكافرين, وأما المنافقون الذين يظهرون الإيمان ظاهرا ويبطنون الكفر باطنا أنّ لأحد أن يعرفهم....
وهم يصلون مع المصلين, ويصومون مع الصائمين, ويحجون مع الحاجين, إنهم يتلونون بكل لون ويتدينون بكل دين ولكن الله رب العالمين قد فضحهم في القرآن العظيم, فقال الله عز وجل في شأنهم أنهم أصحاب أقوال وهم بمبعدة عن الأفعال ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾[البقرة8], لم يحققوا الإيمان بعد؛ وإنما يدّعوا الإيمان دعوة سبب ذلك, سبب ذلك مرض قلوبهم﴿ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾[البقرة 10], هؤلاء مرضى القلب, هؤلاء قد فسدت ضمائرهم, هؤلاء قد تغيرت عقولهم, يقول الله رب العالمين يفعلون ذلك ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة9], فالخداع شأن المنافق لا يظهر حقيقته, المنافق يستتر بفضيحته, المنافق يستتر بجريمته, المنافق يظهر لك حسن قوله ويبطن شؤم فعله ونيته.
وانظر إليهم يدعون أنهم مصلحون وهم المفسدون ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ 11 أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ ﴾[البقرة] فكل من سعى في الفساد فليعلم أنه من أهل النفاق, وكل من سعى إلى الصلاح والإصلاح فليعلم أنه من أهل الإيمان.
فالإفساد شأن المنافقين, والإصلاح شأن المؤمنين.
فانظر إلى مخادعتهم, يخادعون الله ويخادعون عباده, وصف الله قلوبهم بالمرض, فقلوبهم مريضة .....
مريضة بالشهوات, مريضة بالشكوك والشبهات.
وصفهم الله بالإفساد في الأرض, فالمنافقون مفسدون.
وصفهم الله رب العالمين بأنهم مستهزئون بالخلق, وذلك لما في قلوبهم من كِبر.
المنافق يرى نفسه شيء وهو لا يساوي شيء, المنافق لا يوقر كبيره ولا يرحم صغيره, لا يحنو على امرأة ولا يعين دعاء حاجة, المنافق لا يرى إلا نفسه.
وصفهم الله رب العالمين بالطغيان وافتراء الضلال, طغاة يتعدون الحدود وهم يشترون الضلال بالهدى, يُعرض عليهم الإيمان فيختاروا الكفر والنفاق, يعرض عليهم السنة فيختاروا البدعة, أُغلقت قلوبهم عن الهدى وآذانهم عن الوحي ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾[البقرة18] ,﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا 142 مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ﴾[النساء142], وهم متخيرون مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء, وهم كسالى إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا, فعلى المرء أن يحذر أن يكون من هؤلاء.
وقد وصفهم الله تبارك وتعالى بأنهم يحلفون على الله الكذب, ويحلفون بالله كذبا وهم جبناء لا يقاتلون مع المقاتلين, ولا يجاهدون مع المجاهدين, إنما لبطونهم وفروجهم وعليها قائمين, همّ الواحد منهم بطنه، همّ الواحد منهم فرجه، همّ الواحد منهم نفسه لا يصلحون مع المصلحين ،ولا يدعون إلى الله مع الداعين، ولا يبذلون من أموالهم مع الباذلين، وهم يكرهون الحق ويكرهون أهله ويقفون أمام الحق بالمرصاد.
يبنون المساجد لا من أجل أن تقام فيها شعائر الله وإنما مساجد الضرار من أجل أن يفرقوا المسلمين؛ من أجل أن يحزبوا المسلمين, يلمزون المتصدقين؛ إن تصدق متصدق قالوا: هذا مراء ويُعيبون المتزهدين يعيبون كل زاهد يقولوا: يزهد رياء وسمعة.
يرمون أهل الإخلاص بالرياء, حالهم أنهم عبيد دنيا إن اعطوا منها رضوا وإن منعوا منها سخطوا, يؤذون الله ورسوله وينسبون إلى ما برأه الله منه فيعيبون السنة يعيبون أهلها, ويرفضون هدي رسول اللهﷺ ويقولون عليه كذا وكذا ,كما كان الكفار قديما يقولون عن النبي صلى الله عليه وسلم شاعر, يقولون عنه ساحر, يقولون عنه مجنون, يقولون عنه كاهن.
وسنة النبي علامة فارقة بين أهل الإيمان, والمترددين في حمأه النفاق والكفران يسعون إلى إرضاء المخلوقين لا إلى إرضاء رب العالمين.
يسخرون من المؤمنين، ويفرحون إذا تخلفوا عن الجهاد في سبيل الله, وصفهم الله رب العالمين بأنهم مطبوعا على قلوبهم, وأنهم يتركون ما أوجب الله عليهم مع قدرتهم عليه, وأنهم أحلف الناس بالله, فقد اتخذوا أيماناهم جُنة تقيهم من إنكار المسلمين.
عبد الله النفاق شأنه عظيم, النفاق مرض وبيل, النفاق يخرج المرء من جادة السير إلى الله فيصير عبدًا لهواه, عبدًا لديناره, يصير عبدًا لدرهمه؛ وأما أهل الإيمان فهم يطيرون إلى الحق وبالحق وعلى الحق في كل مطار.
يعتقدون عقيدة الحق ويعبدون الله رب العالمين بالصدق, ويعاملون الناس بالإخلاص ويتخلقون بالأخلاق الفاضلة والسلوك المستقيم؛ لأن ظاهرهم البر وباطنهم التقوي, فالبر من شأنه أعمال الخير, من وصفه نفع الناس, من أعظم ما يحرصون عليه ولا يفعلون ذلك من أجل فلان أو فلان؛ وإنما يفعلون ذلك ابتغاء مرضات الله رب العالمين.
فالله ما اعصمنا من النفاق, واكفنا شر المنافقين.
وصلي الله وسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده صلى الله عليه وعلى آله وسلم, أما بعد.....
فالنفاق على دربين: نفاق أكبر, ونفاق أصغر
فأما النفاق الأكبر: فهو مخرج من دين الإسلام العظيم, صاحبه يظهر الإيمان ويبطن الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره, يُظهر أنه مؤمن من المؤمنين, وهو عدو لله وهو من حزب الشيطان الرجيم, صاحب هذا النفاق مخلد في النار وإن فعل ما فعل من الطاعات؛ لأن الله رب العالمين لا يقبل عملا إلا إذا كان صاحبه موحدا, وهؤلاء مشركون.
ويدخل فيهم أولئك الرافضة الباطنية, الرافضة الذين يسبون الصحابة رضوان الله عليهم ويدعون أن لهم قرآنا غير قرآننا, وأن لهم نبيا غير نبينا, فهؤلاء منافقون بل من أعظم المنافقين في هذا العصر الذي نحيا فيه, فكل من شايعهم وكل من عاونهم وكل من صحح نحلتهم فهو على شاكلتهم ومعهم.
ويدخل في النفاق كل من دعا المسلمين إلى رؤوس الكفر إلى لينين وماركس وغيرهم من ليبرالية وعلمانية وشيوعية ويقول: هذه خير من الإسلام العظيم؛ هذا النفاق الأكبر صاحبه مخلد في النار وبئس القرار, وإن أتى ما أتى من الأعمال الظاهرة.
وأما النفاق الأصغر: فهو الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه عبدالله بن عمرو عنه صلى الله عليه وسلم قال: ( أَرْبَعٌ مَن كُنَّ فيه كانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، ومَن كَانَتْ فيه خَصْلَةٌ منهنَّ كَانَتْ فيه خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حتَّى يَدَعَهَا: إذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وإذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وإذَا خَاصَمَ فَجَرَ). أخرجه البخاري (2459)، ومسلم (58) .
فهذه صفات منافقي هذه الأمة, الأمة المحمدية هذه صفات المنافقين فيها, ولا يزال الرجل يخون إذا اؤتمن, ويكذب إذا حدث, ويغدر إذا عاهد, ويفجر إذا خاصم حتى يكون منافقًا خارجًا من دين الله رب العالمين.
نبينا صلى الله عليه وسلم يبين أن من كانت فيه خصلة من هذه الخصال, كان فيه من النفاق ما فيه حتى يدعه.....
الخصلة الأولى: إذَا اؤْتُمِنَ خَانَ......
وكثير من الناس ينزل هذه اللفظة على خيانة المال والأمر أعظم من ذلك؛ الذي اؤتمن على دينه فلم يقم به أداء واعتقادًا علمًا وعملاً هو خائن لدين الله رب العالمين ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾[الأحزاب72].
ما أكثر هذا الصنف في دنيا الله رب العالمين, مسلم لا يصلي إلا الجمعة,مسلم لا يزكي، مسلم لا يصوم رمضان, مسلم لا يتقي الله رب العالمين.
وإن من الأمانات الجوارح التي أمنك الله عليها, التي أعطاها الله لك , إن من الخيانة أن تستعمل تلك الجوارح في معصية الله رب العالمين, الذين يجلسون على مواقع التواصل ليل نهار يقعون على الأعراض ينظرون في الأجسام والفروج هؤلاء خونة !!, خونة لله!! خونة لنبيهم !!, خونة لزوجاتهم !!, خونة لأمهاتهم !!, خونة لأبنائهم !!, لأن الولد الذي يطلع على أبيه وهو في هذه الحالة ما تظنه صانع بعد ذلك!!
إذا كـــان ربُ البيتِ بالدفِ ضاربٌ فشيمـةٌ أهلِ البيتِ الرقصُ .
إن من الخيانة عُري النساء, إن الله أعطى المرأة بدنها من أجل أن تتزين به لزوجها, وإن المرأة التي تكشف ذلك لغير الزوج ولغير المحارم خائنة؛ تخون الله فيما خولها إياه.
وأصحاب الوظائف وأصحاب الأموال الذين لا يتقون الله رب العالمين في وظائفهم وفي أعمالهم وفي أموالهم هؤلاء خونة؛ لأن الله رب العالمين جعلهم مؤتمنين.
هذه أول صفات المنافقين في أمة النبي الأمينﷺ.
الصفة الثانية: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ......
والكذبَ يَهدي إلى الفجورِ، وإنَّ الفجورَ يَهدي إلى النَّارِ ،وما يزالُ العبدُ يَكذبُ ويتحرَّى الكذبَ حتَّى يُكتبَ عندَ اللهِ كذَّابًا.
فعلى المرء أن ينظر في حديثه, وأن يبتعد عن الكذب؛ فإن الكاذب يبتعد الملك منه من شدة نتن ما يخرج منه, الكاذب إذا كذب الكذبة ابتعد عنه الملك ستين ميلا وذلك لشؤم ما يخرج من فمه.
الصفة الثالثة: إذَا عَاهَدَ غَدَرَ.....
إن الله رب العالمين أمر بالوفاء وحرم الغدر.
والغادر الذي غدر بمن عاهد, الغادر يأتي يوم القيامة وعند استه لواء بغدرته.
انظروا إلى تلك الفضيحة, الذي يغدر بأخيه!!, الذي يغدر بجاره!!, الذي يغدر بأهله!!, الذي يغدر بأصحابه بأخوانه يأتي يوم القيامة وهو عارٍ لا ستر عليه, ويوضع لواء أي- علما عند دبره- فينظر الناس إلى دبره ويقولون: ما هذا؟ يقال: هذه غدرته مع فلان ابن فلان!! فكل غادر سيفضح بين يدي الله رب العالمين.
الصفة الرابعة: إذَا خَاصَمَ فَجَرَ....
إن الناس يتخاصمون ولكن...
لا يفجر في الخصومة إلا المنافقون, وأما أهل الإيمان لا يفجرون إذا خاصموا وإنما يجعل كل واحد منهم المعاذير لأخيه من أجل أن يبرءه, من أجل ألا يتورط في الفجور في الخصوم.
فيا عباد الله ما أحوجنا أن ننظر في القرآن العظيم لنعلم صفات المنافقين حتى لا نتلبس بها, والنفاق من أشد ما يتورط المرء فيه, النفاق من أعظم ما يتصف المرء به.
فاللهم إنا نعوذ بك من النفاق والمنافقين...
ونسألك يا ربنا أن تعافينا منه يا أكرم الأكرمين...
اللهم مسكنا بأوصاف المؤمنين, وحلنا بشياة الصادقين, واجعلنا من المخلصين، وعافنا أن نكون من المراءين أو من المسمعين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ملف نصي
النفاق والخيانة وخطورهما على الأفراد والدول
ملف نصي
النفاق والخيانة وخطورهما على الأفراد والدول
ملف نصي
تفاصيل التفريغ
الزيارات
32 مشاهدة
تاريخ الإضافة
الأربعاء 1448/02/22 1448/صفر/21
تفريغات ذات صلة
اتساع أبواب الخير في الرسالة المحمدية _ خطبة الجمعة ٢ شوال ١٤٤٢ هـ _ لفضيلة الشيخ صلاح بن محمد غانم
السنة النبوية المشرفة ، ومكانتها في التشريع
23
استمع
اتساع أبواب الخير في الرسالة المحمدية _ خطبة الجمعة ٢ شوال ١٤٤٢ هـ _ لفضيلة الشيخ صلاح بن محمد غانم
القيم الإنسانية في سورة الحجرات
19
استمع
اتساع أبواب الخير في الرسالة المحمدية _ خطبة الجمعة ٢ شوال ١٤٤٢ هـ _ لفضيلة الشيخ صلاح بن محمد غانم
خطبة-احذروا-أكل-الحرام
40
استمع
اتساع أبواب الخير في الرسالة المحمدية _ خطبة الجمعة ٢ شوال ١٤٤٢ هـ _ لفضيلة الشيخ صلاح بن محمد غانم
خطبه الحلال بيّن والحرام بيّن في ليلة النصف من شعبان
15
استمع
اتساع أبواب الخير في الرسالة المحمدية _ خطبة الجمعة ٢ شوال ١٤٤٢ هـ _ لفضيلة الشيخ صلاح بن محمد غانم
خُلق العفو وآثره في الحياه
22
استمع
من نفس التصنيف