القيم الإنسانية في سورة الحجرات - التفريغات

فضيلة الشيخ صلاح غانم · 9 مشاهدة

القيم الإنسانية في سورة الحجرات

القيم الإنسانية في سورة الحجرات

المحتوي

خطبة (القيم الإنسانية في سورة الحجرات) فَضِيلَة الشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ صَلَاحٍ بْنِ مُحَمَّدٍ غَانِمٍ (رحمه الله) إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّه مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. • أمَّا بَعْدُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران102] ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [ النساء1] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا 70 يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب71] فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. • أَمَّا بَعْدُ: فما أنزل الله رب العالمين القرآن ليكون كلمات وحروفا, ولا ليكون أصواتا وترانيما, وإنما أنزل الله رب العالمين قرآن ليُتدبر فقال سبحانه ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد24] وقال سبحانه ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾[ النساء82]. وقرأ النبي ﷺ خواتيم سورة آل عمران يوما فقال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها, فحق على المسلمين أن يتدبروا القرآن العظيم !!! ليكون القرآن العظيم بتدبره عقائد وأحكاما..... ليكون القرآن العظيم بتدبره أخلاقًا وسلوكا ...... ليكون القرآن العظيم بتدبره حياة ومنهجا...... والله رب العالمين أنزل القرآن ليُتدبر فاتخذ الناس قراءته عملا. وفي ذلك يقول الحسن البصري (رحمة الله عليه) أن الله تبارك وتعالى أنزل القرآن ليتدبره الناس فاتخذ الناس قراءته وتلاوته عملًا, وما أحوج المسلمين إلى تدبر آيات القرآن العظيم ليرفعوا الران الذي علا على قلوبهم, وليُذيبوا القساوة التي في نفوسهم, وليزلوا الدمع الذي تحجر في عيونهم, وليذيبوا القساوة والغشاوة من على عيونهم وأبصارهم, وليدفعوا الجهل الذي عم وطم في عقولهم. ما أحوج المسلمين إلى تدبر سورة الحجرات, تلك السورة التي هي سورة الأداب والأخلاق والسلوك..... تلك السورة التي هي سورة القيم والمبادئ والمثل..... تلك السورة التي هي سورة التربية والتصفية, سورة التحلية والتزكية. هذه السورة العظيمة تحدد ملامح المجتمع الفاضل والأمة الرائدة, والتي تُربي المسلم وتُهذبه, تربي المسلم وتنقيه وتصفيه وتؤدبه, لتأتي أقواله في أحسن ألفاظها, ولتأتي أفعاله في أفضل صورها, ولتأتي أخلاقه في أروع أوصافها, ولتأتي تصرفاته على أكمل وجوهها وأبهى أشكالها وأعلى درجاتها, ليكون المسلم عضوًا نافعا لا ضارا, ليكون المسلم عاملا لا خاملا, ليكون المسلم هاديا مهديا لا ضالًا ولا مضلا. هذه السورة العظيمة التي اشتملت على آداب عظيمة !!! أول هذه الآداب التي ينبغي على المسلمين أن يتأدبوا بها رعاية الأقدار والمراتب والدرجات, فيقدم الأمر العظيم على ما دونه وإن كان فيه من العظمة ما فيه, ويقدم الأمر الجليل على ما هو أقل منه والبدء بالأهم قبل المهم وبحق الله رب العالمين قبل حق رسوله الأمين, وبحق الرسول الأمين قبل حق أصحابه الطيبين المطهرين. فأول أدب تعلم المسلم إياه من سورة الحجرات :الأدب مع الله عز وجل ,بتقديم أمر الله قبل أمر غيره, وتعظيم نهي الله قبل نهي غيره, وعدم التقدم على قوله قبل أي قول, وعلى أمره قبل أي أمر فلابد للمسلم أن يأتمر بأمر الله قبل أمر غيره, وأن ينتهي عن نهي الله قبل نهي غيره, وأن يعظم أوامره وشرائعه وذلك بلزوم طاعته واجتناب معصيته. ثم يأتي الأدب الثاني: الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ,وذلك بأن يقدم المرء قال رسول الله على ما قال غيره, وأن يقدم نهى رسول الله على نهى غيره, وأن يتأدب معه في حياته وذلك بعدم التقدم عليه في الرأي والمشورة والعزم والولاية, وعدم رفع الصوت بين يديه والانتظار لمجيئه ومحضره وعدم اعجاله بالنداء عليه وهو في بيته في حجراته مع نسائه, ولا يُطرق باب النبي إلا للضرورة الملحة ويكون برفق ولين وهذا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته, وأما بعد مماته فبالحرص على التمسك بسنته والذب عن هديه وشريعته, والدعوة إلى سنته ومِلته, وعدم الطعن في شيء منه أو الشك في أمر من أموره وهذا كله بعد مماته صلى الله عليه وسلم . أما الأدب الثالث بعد الأدب مع الله والأدب مع رسول الله ﷺ فهو: الأدب مع المؤمنين, أدب مع أخبارهم, أدب مع ذواتهم. فأما الأدب مع أخبارهم: فبقول قبول قول الصادق الموثوق في قوله ورأيه وأمانته, والتثبت من خبر الفاسق المظنون في خبره وصدقه وأمانته. فيُقبل خبر الصادق والذي يوثق في رأيه وصدقه وأمانته, ويُتثبت في خبر الفاسق الذي يُظن في صدقه وخبره وأمانته, ألا يتعجل المسلم في نقل الأخبار فإن في نقل الأخبار بلا تثبت سبب كل شر, فمنه تأتي الوقيعة بين المؤمنين, ومنه تأتي القطيعة بين الأرحام, ومنه يأتي الخصام بين الأهل والجيران وبسببه تقع الحروب العظيمة بين الدول والمجتمعات . وقد بين الله رب العالمين أدبا رابعًا ينبغي على المسلمين أن يتأدبوا به وهو: أدب الدعوة إلى الإصلاح بين المتخاصمين, والإصلاح بين المتشاحنين, ورأب الصدع بين المتقاتلين وذلك بالإصلاح بينهم, وذلك بالوقوف مع المظلوم أمام الظالم, ومع المحق أمام المبطل, ومع الصادق أمام الكاذب, فالإصلاح بين المؤمنين من أحب الأعمال إلى الله رب العالمين. ثم يأتي الأدب الخامس وهو: أن المؤمن مهما تورط في كبائر الإثم وعظائم الذنوب فإن ذلك لا يُخرجه عن الإسلام, ولا يرفع عنه وصف الإيمان, فإن زنى وإن سرق وإن شرب الخمر وقتل فهو مسلم من المسلمين, مؤمن من المؤمنين, له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين, وهو أخ للمؤمنين وأخوة الإيمان من أعظم أنواع الأُخوات فهي أعظم من أخوة النسب والحسب. فينبغي على المسلم أن يحرص على الإصلاح بين المسلمين وعلى المسلم أن يتقي الله في إخوانه ليستجلب بذلك أسباب رحمة الله فبالإصلاح بين المسلمين يرحم الله رب العالمين المصلحين. ثم يأتي الأدب السادس وهو: رعاية المسلم وصيانته عن كل ما يؤذيه ظاهرًا من السخرية والهمز واللمز والتنابز بالالقاب, فهذه الأمور تؤذي المسلم وتأثر في نفسه والله عز وجل يغار على عبده فمن آذى مسلما فقد استحق عقاب الله عز وجل وصار عند الله من الفاسقين. ثم يأتي الأدب السابع وهو: صيانة المسلم عن كل ما يؤذيه باطنًا وذلك بالظن السيىء به والتجسس عليه من قرب, وتحسس على أخباره من بُعد وذكره في غيابه بما يكره, فإن مثل من فعل ذلك كمن أكل لحم أخيه ميتا وهذا أمر تكرهه النفس وتعافه ولا ترضاه, ثم ندبهم إلى التوبة والرجوع ووعدهم بالعفو والمغفرة فمن تاب تاب الله عليه, ومن عاد قَبِل الله توبته واوبته. فاللهم اجعلنا من التوابين واغفر لنا ذنوبنا يا ارحم الراحمين, وصلى الله وسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم . الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده صلى الله عليه وعلى آله وسلم, أما بعد... فما أحوج كل أب أن يعلم ابنه آداب سورة الحجرات, تلك الآداب التي تعصم المجتمع من التفكك والانهيار, التي تعصم المجتمع من التفرق والتشرد. ومن آداب هذه السورة بعد أن ذكر الله رب العالمين الأدب مع الله, والأدب مع رسوله, والأدب مع الأخبار, والأدب مع المخبرين, والأدب في الاصلاح بين المتخاصمين, والأدب برعاية المسلم ظاهرًا, والأدب برعاية المسلم باطنًا . ذكر الله رب العالمين الأدب مع المجتمعات وهو الأدب الثامن في سورة الحجرات وهو: صيانة المجتمع من الكبر والعجب واحتقار الغير وازدرائه لقلة الحسب والنسب والجاه والمال والسلطان, فهذه الأشياء لا قيمة لها وإنما القدر والكرامة في المجتمع المسلم بحسب التقوى والعمل الصالح وهذه الأمور هي أعظم ما يُتحلى به أفراد المجتمع المسلم والأمة المسلمة, وهو سبحانه عليم بخلقه خبير بأحوالهم وأعمالهم. ثم يأتي الأدب العاشر وهو: أن الإسلام ليس بالدعوى التي تُدعى ولا بالقول الذي يلفظ ويقال وإنما الإسلام والخضوع والإذعان والانقياد بالطاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم بالمتابعة, فالمسلم لا يصير مسلما حتى يُسلم زمام أمره لله باطنًا ولهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهرًا , وأما دعوى الإسلام وأما دعوى الإيمان فلا يُقبل فيها قول إلا بالحجة والبرهان, والإيمان قول وعمل يزيد وينقص, قول القلب وعمل القلب, وقول اللسان وعمل اللسان, وعمل الجوارح والأركان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان ويتفاضل الناس به, ليس هو بالدعوى المفتراه ولا هو بالنسبة المتوهمة, وإنما الإيمان حقيقة في القلب يظهر أثره على الجوارح في المجتمعات, والمؤمنون حقا أصحاب أوصاف وأحوال وأعمال وأقوال, إذا توافرت فيهم هذه الأوصاف وتحققت فيهم هذه الأحوال وصدرت منهم هذه الأعمال فهم أولى الناس بوصف الإيمان المطلق لا مطلق الإيمان . ثم يأتي الأدب العاشر وهو: أن ما يصدر من المؤمن من أعمال وأقوال وأحوال فالمنة لله وحده, فلولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صومنا ولا صلينا فلا يمن أحد على ربه ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات17] فالله رب العالمين هو المان بالفضل والتوفيق, وهو المان بالعمل والتحقيق, وهو المان بالأجر والثواب, فعاد الأمر إليه أولا وآخر, وظاهرًا وباطنًا, وحالًا ومآلا. فاللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون احسنه, وصلى الله وسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

ملف نصي

القيم الإنسانية في سورة الحجرات
ملف نصي
عرض
القيم الإنسانية في سورة الحجرات
ملف نصي
عرض

تفاصيل التفريغ

الزيارات
9 مشاهدة
تاريخ الإضافة
السبت 1448‏/02‏/25 1448‏/صفر‏/24

مشاركة التفريغ

9 مشاهدة

تفريغات ذات صلة