من مظاهر العظمة في الشريعة الإسلامية, السماحة والتيسير
من مظاهر العظمة في الشريعة الإسلامية, السماحة والتيسير

المحتوي
خطبة
(من دروس الهجرة النبوية السوق والمسجد والعلاقة بينهما)
فَضِيلَة الشَّيْخِ
أَبِي عَبْدِ اللَّهِ صَلَاحٍ بْنِ مُحَمَّدٍ غَانِمٍ
(رحمه الله)
إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّه مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
• أمَّا بَعْدُ:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران102]
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [ النساء1]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا 70 يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب71]
فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
• أَمَّا بَعْدُ:
فلا قيام لشيء في دنيا الله رب العالمين إلا بقيام أصله وفرعه... فإذا ما فرغت الأشياء من أصولها فقد فرغت من وجودها وحياتها.
وما أكثر ما تراه في دنيا الله رب العالمين من ذلك العبث العابث، وذلك الهرج الهارج في دنيا الناس وفي حيواتهم، حيث ضاعت الأصول، وأنمحت الجذور، وصارت الأمور إلى لا معقول .
لا يعرف الناس للحياة غاية، ولا يعرف الناس للوقت قيمة، ولا يحدد الناس في حياتهم هدفا وغاية، وإنما تمضي الحياة هكذا...
لذلك لا تجد للأمة في واقعها أثرا، ولا في واقع العالمين في دنيا الله رب العالمين.
وما هكذا كان القوم قديما!!!! ما هكذا كان أصحاب النبي الأمين، ولا السابقون من التابعين، ولا العلماء من خيار أمة النبي الأمين، ولا الصالحون في كل عصر ومصر إلى أن يلقى الناس الله رب العالمين.
فإن الأشجار إذا فرغت من جذورها فقد فرغت من وجودها فلا ترى ظلًا، ولا ترى زهرًا، ولا ترى ثمرًا حيث تصبح الشجرة ذات أوراق ذابلة، وذات ثمار خافتة، وذات أوراق غير متوردة، ترى الشجرة قد ذبلت أوراقها، وتساقطت ثمارها وضاع ظلها فضاع وجودها في دنيا الله رب العالمين، فمآلها حينئذ إلى النار والحرق حيث ضاعت الغاية من وجودها.
فيا عباد الله إن الأمة اليوم فرغت من جذورها وذلك بتفريغها من تاريخها، لا يعرف الناس للسابقين مجدا، ولا يعرف الناس للعصور الماضية فضلا، وإنما يعيشون هكذا لا ترى للرجل قدوة يقتدي بها، ولا أسوة يتأسى بها، ولا مثالًا يحتذيه ليكون يوما من الأيام على شاكلته.
وإن الأمم إذا فرغت من تواريخها وضاعت معالم أمجادها، ونسيت مآثر أجدادها، فلا ترى قدوة بها يقتدى، ولا أسوة بها يُتأتسى، ولا مثالًا فيها يحتذى، فحينئذ كبر على الأمة أربعة، فقد صارت أمة هزيلة... صارت أمة مريضة... صارت أمة ميتة لا حياة فيها.
فتفريغ الأمة من تاريخها أعظم ضررا وأشد أثرا من تفريغها من سلاحها وعتادها ومالها، وتفريغ الأمم لا يكون بمحو تاريخها فإن التاريخ أحداث لا تُنسى ووقائع لا تُمحى وإنما......
تفرغ الأمة من تاريخها بإعراض الأمة عن النظر في ذلك التاريخ والوقوف أمامه بشيء من التفكير والتعقل والتعظيم والإجلال.
فالتاريخ شاهد صادق لا يكذب، وحاكم عادل لا يظلم، وقاض أمين لا يحابي.
وهذا هو الزمان الذي يشهد على ما نقول فنحن على أبواب عام هجري، عام قد مضى وانقضى لا نعلم.......
أمضى حميدًا مجيدًا أم مضى طريدًا شريدًا ؟
لا نعلم هل مضى شاهدًا لنا أم شاهدًا علينا ؟
لا نعلم هل مضى ليأتى يوم القيامة سببا في رفع درجاتنا وعلو جنانها أم سببا في خفضنا إلى دركاتنا وعذابنا؟
يأتي التاريخ الهجري في كل عام بدءًا ومنتهى يشهد التاريخ على جيلين من أجيال الأمة المحمدية......
على الجيل الأول وهو: جيل الصحابة، وعلى الجيل الأخير وهو: جيل الحادي والعشرين.
هذا الجيل الذي نحن أفراد من أفراده، وقطاع من قطاعاته، حيث يشهد ذلك التاريخ على أحوال هذين الجيلين، شهادة حق لا زور فيها ولا بهتان، حيث يقضي بين الجيلين بقواعد العدل والانصاف لا بقواعد الجور والاجحاف.
ويحكم على كل جيل بما يستحق فيقول التاريخ الهجري بلسان الحال لا بلسان المقام يقول لنا جميعا.....
هذه أحوال جيل الصحابة مسطرة في كتبكم وعلى أرفف مكاتبكم!!!
فها هي أحوالهم، فما هي أحوالكم ؟
وها هي أعمالهم، فما هي أعمالكم ؟
وهذا جهادهم، فأين جهادكم ؟
وهذا بذلهم، فأين بذلكم ؟
وهذا خوفهم على دينهم وشريعة نبيهم، فأين خوفكم على دينكم وشريعة نبيكم ؟
يأتي التاريخ الهجري في كل عام يقول لنا بلسان الحال لا بلسان المقال.....
هذا صبر الصحابة وجلادهم في إقامة دين الله، فأين صبركم وجلادكم وجهادكم في إقامة دينك ؟
وأنتم بين أوطانكم في أحضان نساءكم وفي أموالكم في الوقت الذي كان الصحابة رضوان الله عليهم يسعون لإقامة دين الله العظيم وهم غرباء وهم مشردون وهم من مكة مطرودون .
عباد الله إن التاريخ الهجري إنما هو بيان على الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة ليقول لنا إن الهجرة النبوية معلم من معالم دين الإسلام العظيم، ويوم مشهود على مدار التاريخ الإنساني، وهو منة من أعظم منن الله رب العالمين على أصحاب نبيه الأمين، ولا تكرار لهذا الحدث إلى قيام الناس لرب الخلق أجمعين.
فيأتي الوقت الذي هاجر فيه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة إلى المدينة ليقول للمسلمين في العالم أجمع.......
هؤلاء هم القوم حقا، فمن أنتم ومن تكونون ؟
وهؤلاء هم المجاهدون صدقا فأين جهادكم ؟
وهؤلاء هم المتقون في إظهار دين الله رب العالمين فأين تقواكم ؟ وأين عباداتكم ؟ وأين شعائركم الظاهرة ؟
هؤلاء هم المنفقون الذين أنفقوا أموالهم وأعراضهم وأعمارهم لإقامة هذا الدين، فما الذى أنفقتموه لتقيموا أعظم شريعة على وجه الأرض أجمعين ؟
لتقيموا أعظم سبب عزكم وأعظم سبب فلاحكم، من أجل أن تقيموا الغاية التي من أجلها خلقكم الله ربكم .
عباد الله إن الهجرة النبوية حجة على خلق الله أجمعين، حجة للطائعين، وحجة على العاصين المفرطين!!
فهي شاهد حق شاهد حق على الطائع بطاعته واتباعه.....
وشاهد حق على العاصي بمعصيته ومخالفته.....
وهي حجة على المسلمين إلى قيام الناس لرب العالمين، وهي جزء من تاريخ الجهاد الكبير الذي عاناه النبي والصحب الأمين من أجل إقامة شعائر هذا الدين.
وهي حلقة من حلقات الصراع الطويل بين معسكر الإيمان والكفر، بين معسكر الطاعة والمعصية، بين معسكر البر والفجور ، وهي علامة فارقة بين أهل السنة الحقة وبين أهل البدعة الحمقى ، وهي خير شاهد على قوله تعالى﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾[التوبة24].
هذه الآية تردد في المحاريب ليل نهار ويقرأها المسلمون في ختماتهم ولكن.....
تأتي حقيقتها في أحوال الصحابة حيث لم يتأثروا بأب ولا بأبن ولا بأخ ولا بأخت ولا بزوجة ولا بولد أمام هذا الدين ، أمام إقامته أمام إظهاره ، أمام الدعوة إليه ، أمام الصبر على لواءه
فأين نحن ؟
أين نحن ؟
آكلون شاربون نائمون، للنساء على الفرش مجاضعون وإلى الأموال والأعمال محصلون.
أين تقديم محاب الله على محابنا ؟
أين تقديم شعائر الله على أعرافنا وعاداتنا ؟
أين نحن من أولئك الذين بعدوا عن دين الله فلا لصلاتهم يصلون، ولا لزكاتهم يزكون، ولا لفروجهم يحفظون، وهم أمامنا أمام أعيننا وتحت أيدينا.
ابن لا يصلي وأبوه عنه راض، امرأة متبرجة وزوجها بفعلها منشرح الصدر، هادئ البال، طيب النفس يخرج بها إلى المحافل يعرضها على الناس عرضا، يقول: انظروا إلى مفاتنها وجمال جسمها وحلاوة منظرها ودقة ساقها........
أين النخوة ؟
أين الكرامة ؟
أين الألفة ؟
أين الغيرة ؟
نساء المسلمين حكام على المسلمين لأنهم بمبعدة عن دين الله رب العالمين، حيث التبرج والسفور والغناء والصيف والمصايف.
نساء المسلمين يحكمنا على بعد المسلمين عن أتباع هدي النبي الأمين.
الإسلام عباد الله ليس بدين راحة ودعة، ولا بدين هناءه وسرور وإنما الإسلام دين جهاد وبذل، دين عمل وتعب، دين تضحية وإيثار ومن أراد أن يعرف ذلك فلينظر فى تاريخ الإسلام العظيم، فلينظر فى سيرة النبى الأمين، فلينظر فى أحوال الصحابة المطهرين
منذ أن جهر النبى صلى الله عليه وسلم بالإسلام يدعو إلى الله رب العالمين....
هل كانت هناك راحة ؟
هل كانت هناك هناءه ؟
هل سلمت له حياته ؟
هل استقرت له دعوته ؟
كان قبلها معظما مهابا صلى الله عليه وسلم مصدقا مؤتمنا ولما دعا إلى الله رب العالمين قيل عنه شاعر وساحر وكذاب ومجنون، ناله الأذى من كل جانب، ناله الأذى فى بدنه، وفى ماله، وفى عرضه، وفى دعوته، وفى أصحابه.
هكذا المسلم إذا تمسك بدينه فإما أن يجعل دينه مطية لكل فاسق وفاسقة، لكل عاص وعاصية، لكل غافل وغافلة، فيصبح كالأسفنجه يتشرب من الواقع الذى هو فيه، فإن جلس مع الصالحين فهو واحد من الصالحين، وإن جلس مع الفاسقين فهو واحد من الفاسقين، هذا دين الإمعات، هذا دين من لا دين له لأن دينه يتقلب بتقلبه، ويتغير بتغيره ويتأثر بمجالسه.....
أهذا هو الدين ؟
أهذا هو الدين الذى من أجله هجرت الأوطان، وتركت الأموال وهانت الأعراض والأنفس على الرجال فلم يعبأ الرجل بما سيحدث له حين هجرته من أسر أو قتل أو سلب أو سبيل ولده وامرأته كل ذلك يهون إلا الدين كل ذلك يهون إلا دين الله رب العالمين.
النبى صلى الله عليه وسلم لما دعا إلى الله رب العالمين أوذى فى الله ايذاءا شديدا وفيه قال الله رب العالمين له ولمن جاء من بعده ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾[البقرة214]
كان النبى صلى الله عليه وسلم قبل الدعوة إلى الله مغفور الكرامة، عزيز الجناب، عظيما محكما فى أموال المشركين وخلافتهم، حتى جهر بدعوته إلى الله وحده لا شريك له فرُمى بالسحر والكهانه والكذب والجنون وادعاء النبوة، والأخذ من الأساطير القديمة، وقيل عنه شاعر، وقيل عنه ساحر، وناله صلى الله عليه وسلم الأذى من كل جانب فى نفسه وماله حتى أذن الله له بالهجرة، ولم يهاجر صلى الله عليه وسلم طلبا للراحة ولا حرصا على الجاه والسلطان ولا رعاية لمصالح الأهل والذرية والأبناء وإنما هاجر ليدعوا إلى الدين الذى فرطنا فيه، إنما هاجر ليقيم الشعائر التى مُنع من اقامتها وليبلغ ما أوحى إليه من الوحى المبين.
فيا عباد الله ما الذى تحمله السَنة الهجرية عند بدءها وانتهاءها لكم من معالم وقواعد وأصول.
أكثر الناس يقف عند أحداث الهجرة فى ظاهرها ولا ينقب عن حقيقة الهجرة فى باطنها.
والهجرة النبوية ليست بالقصص الذى تُحكى ولا بالأحداث التى تُروى ولا بالمواقف التى تُذكر وإنما هى عظات ودروس وفكر يستقي المسلم منها تاريخ أمته وجهاد أجداده وحركة جيل من أعظم الأجيال، وهو جيل الصحابه.
صار فى الحياة صير الرجال الأبطال لا صير العيال والنسوان ففتحت على يديه بلاد عظيمة، وممالك كبيرة، ونحت صخر الجاهلية، وصهر جمود وصلابة النفس الإنسانيه فصبغ الحياة بصبغة الشريعة المحمدية التى غيرت من معالم العالم، فصار عالما مؤمنا تقيا بعد أن كان عالما فاجرا شقيا.
فقام الصحابة بهذا الدين حق قيامه ونال الصحابة فى هذا الدين حق المناقب والمشارف فهم الثلة المباركه التى تربت على يد النبى صلى الله عليه وسلم فغرس فيها القيم والمثل والشرائع التى يخرج بها من الجاهلية الأولى بغلظها وقساوتها وجفائها وروعونتها كأنهم بشر ليسوا من جنس البشر، وإنما بشر من غير أنواع البشر، كانت أبدانهم أبدانا لا تحمل الأرواح، وإنما هى أرواح تحمل الأبدان لتصل بها إلى عز الدنيا وسعادة الآخرة.
فما أحوج الأمة اليوم إلى أن تقف أمام هذا الحدث الجليل والخطب الجسيم الذى جعله الصحابة رضوان الله عليهم جعلوه زمان تأريخ وبداية تاريخ فجعلوا الهجرة معيارا مميزا فى سير الأمة بينما قبل الهجرة وما بعدها وما ذاك إلا لتقدير الصحابة رضوان الله عليهم لهذا الحدث .
فيا أمة محمد فلتعرفوا للهجرة قدرها وتعرفوا للهجرة شرفها، ولتعرفوا أن ما كان عليه الصحابة فى زمانها هذا هو الحق المبين وما عدا فهو الضلال المستطير.
وصلى الله وسلم على النبى الأمين صلى الله عليه وعلى أله وسلم .
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما بعد:
فإن دين الإسلام العظيم هو دين وسطيا لا إفراط ولا تفريط وأمة النبي صلى الله عليه وسلم هي الأمة الوسط، هي الأمة العادلة، هم الأمة القاسطة، الأمة التي تعطي كل ذي حق حقه، وتعرف لكل ذي فضل فضله، وتضع كل شيء في مكانه.
فالله رب العالمين خلقنا بأبدان وأرواح، وخلقنا الله رب العالمين في الدنيا واعلمنا أن مآلنا إلى الآخرة فمن عاش مع دنياه وبدنه فهو بهيم في مسخ انسان، ومن عاش مع دينه وروحه
فمن أين يكون له الطعام والشراب والغطاء والمنام ؟
وإنما لابد من الجمع بين حاجة الروح وحاجة الجسد، لابد من إقامة أمر الدنيا في الدنيا والعمل، من أجل الآخرة في الآخرة.
وهذه وسطية الشريعة حيث يقيم الله رب العالمين حياة الناس بين العبادة والعمل، وحرصهم على ما ينفعهم في عاجلهم وآجلهم ومعاشهم ومعادهم، فيقول الله رب العالمين لصاحب المال الذي غره ماله ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾[القصص77].
ويقول الله رب العالمين للمسلمين وهم في صلواتهم يقول الله عز وجل﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾[الجمعة10].
هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة النبوية الشريفة فأول ما نظر النبي ﷺ نظر في أمر الأديان قبل أمر الأبدان، فنظر في أمر مسجد الله، نظر في أمر بيت الله قبل أن ينظر في أمر بيته، فأختار المسجد واشتراه صلى الله عليه وسلم وخططه وسعى لبناؤه، ثم بعد ذلك بحث النبي صلى الله عليه وسلم عن المنزل الذي سوف ينزل فيه.
وهكذا المسجد في نفس الإنسان الإيمانية، المسجد عند المسلم مقدم على مصلحة بيته، ومقدم على مصلحة عمله، ومقدم على مصلحة ولده، لأن المسجد بيت الرب تبارك وتعالى فيه أنسك وراحتك، فيه مناجاتك وعبادتك، فيه قربك من الله رب العالمين وذكرك، في المسجد يجد المؤمن قلبه، يجد المؤمن راحة لا يريد أن يولي المسجد ظهره، كما قال أبو بكر رضي الله عنه (المؤمن في المسجد كالسمك في الماء إن خرج منه هلك ومات، والمنافق في المسجد كالعصفور في القفص حياته خارج القفص لا داخله) .
لو أردت أن تعرف نفسك فانظر
أين أنت من محبة بيوت الله رب العالمين ؟
أين أنت من محبة القائمين على عمارة مساجد الله رب العالمين؟
أين أنت من أربابها ؟
أين أنت من عبادها ؟
أين أنت من الذاكرين التالين للقرآن فيه ؟
فان كنت بمقربة منهم فأعلم أنك منهم، وأما الأبعد الذي يأتي إلى المسجد على نار يتلدد يريد أن يخرج منه سريعا بلا طمأنينة في صلاته ولا خشوع في أذكاره ولا جلسة يطمئن فيها يناجي ربه، ولا تفقد لأصحابه وأهله، ولا قيام على أمر الفقراء والضعفاء في حيه، ولا نظر في مصالح المسلمين فهذا الصنف هو سبب خراب بيوت الله رب العالمين، أنت في المسجد خادم لا مخدوم، أنت في المسير مأمور لا آمر، أنت في المسجد خاضع مستكين لا متكبر مترأس .
لأن البيت ليس بيتك وإنما البيت بيت الرب فكن فيه على قانونه على شرعه على أمره لا على أمرك وقانونك.
وأحذر أن تكون صادا عن سبيل الله، أحذر أن تكون سببا في خروج طفل من مسجده، أو خروج رجل من مصلاه، أو خروج خاشع من خشوعه لأن الذي سوف يحاجك هو الله رب العالمين ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ﴾[البقرة114]
تراهم يدخلوها متلددين متوترين مضطربين غير آمنين ولا مطمئنين، لأن محبة المسجد بمبعدة عن قلوبهم، محبة عماله بمبعدة عن قلوبهم، محبة القائمين عليه بمبعدة عن قلوبهم .
فكيف يرتاحون فيه ؟
وكيف يهنئون ؟
ولا محبته ولا صاحبه ولا هدفه ولا غاية.
عبد الرحمن ابن عوف رضي الله عنه ممن تربى على يد النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم آخى بينه وبين سعد ابن الربيع رضي الله عنه فقال له سعد: يا عبد الرحمن هذه أموالي تعال نقتسمها وتلك امرأتين انظر إلى أيتهما أعجبتك فسمها لي أطلقها فاذا أنتهت من عدتها زوجتها لك.
هذه هي الأخوة أخوة الإيمان، أخوك في الإيمان أعظم من أخيك في النسب والأرحام، أخوك في الإيمان هو الذي يقيم دينك ويقيم دنياك.
وأما أخوة النسب فإن زدت عنه شيئا تقلب قلبه وتغير أحواله وصرت عنه بمبعده لأنه لا يريدك أفضل منه.
وأما أخوك في الدين فيريدك أفضل وأحسن وأوفر وأمتع، يعطيك من ماله ومن وقته ومن بذله ومن عرقه بنفس هانئة بنفس راضية.
فأين هذه في أخوة الدنيا ؟
قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه لسعد ابن الربيع: بارك الله لك في مالك وبارك الله لك في نساءك، دلني على السوق فذهب إلى السوق فتاجر فربح، وتزوج وأولم، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: مه يا عبد الرحمن ما هذا الأثر الذى أراه عليك؟، قال: تاجرت وتزوجت يا رسول الله وأمهرت، قال: هل أولمت؟، قال: لا ، قال: أولم ولو بشاه، فأولم عبد الرحمن ابن عوف .
السوق لم ينتظم إلا بمن على شاكلة عبد الرحمن ابن عوف ، تجارتكم لن تكون سببا فى رفع بلادكم، ولن تكون سببا فى إزالة فقركم، ولن تكون سببا فى تغيير حيواتكم إلا إذا دخلتموها بحالكم مع الله فى مساجدكم .
فالتجار الذين هم فى المسجد كالطير فى القفص، هؤلاء هم أصحاب الجشع، هؤلاء هم أصحاب الطمع، هؤلاء هم المفسدون فى الأرض.
وأما التجار الذين هم فى المسجد كالسمك فى الماء، فهم الأمناء، فهم الصادقون، فهم البرره، فهم المتقون، فهم الذين ترخص بهم الأسعار، ويرفع بهم البلاء عن الديار، ويحل بسببهم البركة آناء الليل وأطراف النهار .
فيا عباد الله تربوا فى مساجدكم قبل أن تخرجوا إلى أسواقكم، تربوا على مائدة نبيكم قبل أن تعاشروا أزواجكم، تربوا على شريعة ربكم قبل أن تجاوروا جيرانكم، فلن تستقيم حيواتكم بغير تحكيم شريعتكم وسترون.
اللهم بلغت، اللهم فاشهد وأنت خير الشاهدين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ملف نصي
من مظاهر العظمة في الشريعة الإسلامية, السماحة والتيسير
ملف نصي
من مظاهر العظمة في الشريعة الإسلامية, السماحة والتيسير
ملف نصي
تفاصيل التفريغ
الزيارات
8 مشاهدة
تاريخ الإضافة
السبت 1448/02/25 1448/صفر/24